Yemenis react as municipal workers fumigate a street in the old city market of the capital Sanaa, with a disinfectant substance…
مواطن يمني في أحد شوارع صنعاء خلال تعقيمها بسبب فيروس كورونا

ظاهرة الاختلاف والقبول به قديمة حتى في الحضارات السابقة، لكننا نفتقر لها في عالمنا العربي، وهذا ليس من باب جلد الذات، لكنه الواقع الذي تعيشه بلداننا منذ خروج "المستعمر" حتى يومنا هذا، حيث تحكمنا الإمارات والأنظمة التي ورثت "الاستقلال". 

ولأننا شعوب محرومة من صوت الاختلاف، ومدمنة على اللون الواحد، تجد برلماناتنا العربية تأخذ قرارتها بـ"الإجماع"، ناهيك عن الانتخابات الرئاسية التي تصل أحيانا إلى تصويت "الشعب" بنسبة 90 في المئة، أو أكثر، لصالح الدكتاتور "السيد الرئيس" الذي في حال تواضع وسمح بانتخابات "نزيهة" فإنه هو من سيختار خصومه بعناية فائقة. 

والمفارقة هنا، أن هذه الأنظمة معادية للأحزاب الدينية، وتقدم نفسها بصورة حداثية تماهي الغرب، لكنها في نفس الوقت، ترى في الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية قيما مزيفة طالما مصدرها الغرب الاستعماري، الطامع بخيرات بلداننا، والذي، كما تذكرنا ليلا نهارا، لا يتوقف عن "التآمر" على مستقبل أمتنا.

أذكر عندما كنت طفلة أشاهد القنوات العربية، وبغض النظر عن مصدر الأخبار، كانت نشرة الأخبار تقتصر دائما على الأخبار الجيدة وإنجازات الحاكم العديدة في هذا البلد أو ذاك. لا أتذكر تغطية لأي نوع من الأخبار السيئة. وعندما هاجرت إلى الولايات المتحدة في أواخر العام 1999، جاءت أولى صدماتي الثقافية عند مشاهدة التلفاز. كانت البرامج، بغض النظر عن ميولها السياسي سواء كان ديمقراطيا أو جمهوريا، تتناول مشاكل البلاد بالتفصيل والتحليل والتمحيص. صعقت وكانت ردة فعلي الأولى، أن بلادنا ـ ولله الحمد ـ تخلو تماما من أي تحديات مثل التي أسمع عنها في القنوات الغربية.

لماذا لا تستطيع أنظمتنا ومجتمعاتنا تحمل أي شيء سوى المديح وإلا فالعنف هو الرد الوحيد؟

الثقافة الغربية بشكل عام، ودون سواها من ثقافات العالم، تقوم على المسؤولية الفردية وتقوم ببرمجة هذا في مواطنيها منذ الطفولة. ولأننا خُلقنا أفرادا مختلفين، لا يملك اثنان منا نفس البصمة، فالاختلاف جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية. والمتابع لما يحدث في الكثير في الدول الغربية قد يبدو له أنها تواجه تحديات بسبب كثرة وتعدد الأصوات التي تحاول المساهمة في تسيير أمور البلاد. لكن المشاكل التي نسمع عنها في شاشات الفضائيات هي جزء لا يتجزأ من مفاهيم الشفافية، والمساءلة وحرية الفكر والتعبير وهي أيضا جزء من منظومة اجتماعية سياسية تقوم باستمرار بمراجعات يرافقها تداول سلمي للسلطة. 

قد يبدو للموطن العربي المعتاد على نمطين فقط من الأخبار (نقد الغرب ولومه على عدم حل مشاكلنا ومدح النفس بالتركيز على خصوصيتنا واستثنائيتنا) أن ما يحصل في كثير من البلاد الغربية هو فضائح كبرى ومتواصلة تدل على خراب الغرب أو على وشك انهياره. في الحقيقة، ويستطيع الكبار في السن أن يتحققوا من ذلك، فإن المخمنين بانهيار الغرب سياسيا وأخلاقيا أو المتأملين له يتنبؤون بذلك منذ أزل ومع ذلك لا تزال الدول الغربية الوجه المفضلة للهجرة والبلاد الأكثر ديمقراطية وأمنا. 

وبينما كان البعض مشغولا بكتابة شهادة وفاة الغرب، اخترع هذا الغرب الإنترنت والأجهزة الذكية وأحدث نقلة نوعية في التكنولوجيا وغير العالم للمرة الألف. هكذا تماما هي الديمقراطية والتطور الذي يحدث في الغرب منذ نصف قرن على الأقل والذي لا يحدث بالرغم من هذه الفضائح بل بسبب وجود بيئة تسمح بها. الدارس للتاريخ يعلم أن تاريخ الديمقراطية ومنذ نعومة أظافره كان دائما صاخبا ومليئا بالفضائح فهناك إعلام مستقل وتعددية حقيقية لذا فإن الديمقراطيات الناجحة تعمل مع تعدديتها كسمفونية تتشارك في صنعها أصوات آلات متعددة كبيرة وصغيرة ولكنها معا تصنع إلهاما تتوق إليه باقي شعوب العالم.

في المقابل، معظم الثقافات الأخرى لا يبدو أنها تستطيع استيعاب الاختلاف فتقوم بتقديس نوع معين من السياسة الاجتماعية والسياسية والدينية يسمونه "الوحدة" يقوم على طاعة أولياء الأمور ويرى في الاختلاف، سواء العقائدي أو الديني أو الثقافي أو الشخصي خطرا يجب التخلص منه. 

لذا ترى الطوائف المختلفة، سواء كانت شيعية أو سنية أو الأحزاب السياسية سواء المسيطرة أم المعارضة تشعر أنها لا تستطيع أن تستريح حتى تقضي على الطوائف الأخرى أو تقلصها بحيث تصبح الأغلبية من لون واحد "مطيع" لا قدرة له على الاختلاف أو المساهمة الفعالة. 

مهما كانت خلفية الدكتاتور أو الطاغية، فما دام يرى في الوحدة صوتا واحدا ألا وهو صوته فإنه بلا شك يرى في التعددية شهادة موته

هذا النوع من الوحدة ليس مقتصرا على ثقافتنا بل وجد في كل خطاب كل متطرف ودكتاتوري. فحسن البنا مثلا، شجع في كتاباته أن يرتدي المسلمين في كافة أنحاء العالم نفس الزي ليكونوا متشابهين لا اختلاف بينهم بينما أراد أن يتقلص تعليم البنات فقط لمواد معينة ومحدودة. وخذ الصين التي لا تسمح بغير حزب واحد وهو الحزب الشيوعي وتخاف أن يخرج الشعب عن سيطرتها إذا استطاع استخدام غوغل كما يشاء فيمنع شعبه من ذلك. 

فمهما كانت خلفية الدكتاتور أو الطاغية، فما دام يرى في الوحدة صوتا واحدا ألا وهو صوته فإنه بلا شك يرى في التعددية شهادة موته.

الداعين إلى هكذا وحدة ليس لديهم القدرة على التنافس بقوة أفعالهم وأفكارهم وحدها. هم بحاجة لمنع أي جهة أخرى من المشاركة في المنافسة لكي يستطيعوا التغلب والانتصار في كل مرة. هل تتخيلون لعبة لا يسمح إلا بشخص أو مجموعة واحدة اللعب لكي تضمن فوزها في كل مرة؟ 

السؤال الذي يفرض نفسه، لماذا ليس لدينا القدرة في العالم العربي على نفس الدرجة من النقد العلني؟ لماذا لا تستطيع أنظمتنا ومجتمعاتنا تحمل أي شيء سوى المديح وإلا فالعنف هو الرد الوحيد؟ ربما البعض يرى فيما يحدث في الغرب على أنه حرية مفرطة ومخجلة. لكن أيهما أفضل؟ أن نُبقي على مشاكلنا وتحدياتنا متقوقعة حتى تنفجر بلادنا وتصبح سجن يتوق كل من فيه للهرب خارجه؟ أم أن نمشي نحو منظومة قد تكشف مشاكلنا على العلن، لكن هذا الكشف هو بداية الطريق لإيجاد الحلول؟ 

ألا يكفي العراق وسوريا واليمن ولبنان والسودان كدول فاشلة؟ هل يا ترى القمع نتيجة لسرطان "ماذا سيقول عنا الناس؟" بحيث نتعلم منذ الطفولة أنه يجب التظاهر بأن كل شيء على ما يرام؟ مما لا شك فيه أن التكتم يفيد أولا وأخيرا الدكتاتور أو الجاني وليس الضحية. لذا على شعوبنا أن تقرر إذا كان ثمن الحرية والديمقراطية يستحق الدفع.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.