Demonstrator Twana Buck and her daughter Bonita sit in the street near the White House as protests triggered by the death of…
متظاهرة في العاصمة الأميركية ضد عنف الشرطة

مع استمرار الاحتجاجات المنددة بمقتل جورج فلويد والمطالبة بالعدالة له ولغيره من المواطنين السود الذين لقوا حتفهم على أيدي رجال الشرطة في الولايات المتحدة، ارتفع سقف مطالب الجماهير وباتت فكرة سحب الدعم عن الشرطة وإعادة النظر في صلاحياتها والمهام الموكلة إليها أكثر قبولا لدى قطاع كبير من الأميركيين.

وقد ساهمت الشرطة في زيادة السخط الشعبي عليها ومنحت الداعين لسحب الدعم عنها فرصة ذهبية حين استعرضت قوتها على المتظاهرين وواجهتهم بالعربات المدرعة والقوات المدججة بأحدث أنواع الأسلحة وأوسعتهم ضربا بالهراوات وأمطرت عليهم قنابل الغاز المسيلة للدموع واعتقلت المئات منهم بدلا من حمايتهم وتقديم التسهيلات اللازمة لهم لممارسة حقهم الدستوري في التجمع والتعبير عن آرائهم في أمن وأمان.

ويعد مشهد تفريق الشرطة لمئات المتظاهرين السلميين من أمام البيت الأبيض باستخدام قنابل الغاز المسيلة للدموع حتى يتسنى للرئيس دونالد ترامب السير مشيا على الأقدام إلى كنسية سانت جون التاريخية لالتقاط الصور في مطلع الشهر الجاري من المشاهد التي أضرت كثيرا بسمعة الشرطة وأعادت إلى الأذهان صور القمع الذي مارسته الشرطة ضد المشاركين في مسيرات المطالبة بالحقوق المدنية للسود.

ولم تقتصر موجة التأييد على الجماهير فحسب بل شملت أيضا عددا من المسؤولين الحكوميين والمؤسسات التعليمية فقد أعلن عمدة مدينة لوس أنجلس إيريك كارسيتي أنه بصدد استقطاع 150 مليون دولار من ميزانية الشرطة واستثمارها في مجتمعات السود بالمدينة. 

يرى القائمون على الحملة بأن رجال الشرطة مكلفون بأداء مهام ليسوا مؤهلين للقيام بها كالتعامل مع المشردين ومن يعانون من أمراض عقلية

وفيما طالب مجلس مدينة نيويورك باستقطاع مليار دولار من ميزانية عام 2021 لشرطة المدينة المقدرة بستة مليار دولار، ألغى مجلس إدارة المدارس في مدينة مينابولس تعاقده مع شرطة المدينة وقررت جامعة منيسوتا وقف تعاملها مع الشرطة.

ومع ارتفاع سقف المطالب في الشوارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، سارعت وسائل الإعلام التقليدية إلى تسليط الضوء على حملة "اسحبوا الدعم عن الشرطة" Defund the police لتعريف الجماهير على أهدافها والأفكار التي تأسست عليها وأسباب رفضها للمبادرات التي تقترح إصلاحات جزئية.

ويشدد أنصار الحملة على ضرورة إجراء تغييرات جذرية في أجهزة الشرطة ومهامها وصلاحياتها بسبب فشل كل الإصلاحات الجزئية التي تم اعتمادها خلال السنوات الماضية في الحد من جرائم القتل المرتبطة برجال الشرطة.

فعلى سبيل المثال، قرار إلزام رجال الشرطة بتثبيت كاميرات على ثيابهم الذي تم اقتراحه بعد مقتل الشاب مايكل براون على يد رجل شرطة أبيض في مدينة فريغسون بولاية ميزوري عام 2014 لم يغير شيئا في أسلوب تعامل رجال الشرطة مع المواطنين بحسب دراسة نُشرت عام 2017.

كما أن وجود نص يمنع رجال الشرطة في ولاية نيويورك بعدم استخدام المسكة الخانقة لم يمنعهم من استخدامها لقتل إيريك غارنر في عام 2014 فيما لم يتحرك زملاء ديريك شوفين لمنعه من إزهاق روح جورج فلويد على الرغم من أن تعليمات الشرطة في ولاية منيسوتا تلزمهم بالتدخل في حالات التمادي في استخدام القوة.

إن حملة "اسحبوا الدعم عن الشرطة" التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة خلال الفترة الماضية ليست وليدة اللحظة بل إنها معروفة ومتداولة في أوساط النشطاء والحقوقيين منذ عقود لكنها لم تحظ بدعم شعبي كبير وطالما صُنفت كفكرة طوباوية يسارية غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع.

وتتمحور فكرة الحملة حول تقليص ميزانية الشرطة التي تبلغ 115 مليار دولار من أجل زيادة نسبة الدعم المخصص للتعليم والصحة العامة والإسكان ومراكز رعاية الشباب وفي معالجة القضايا الاجتماعية كالفقر والبطالة والصحة العقلية إيمانا بأن ذلك سيؤدي إلى تقليل نسبة الجرائم في المجتمع.

ويرى القائمون على الحملة بأن رجال الشرطة مكلفون بأداء مهام ليسوا مؤهلين للقيام بها كالتعامل مع المشردين ومن يعانون من أمراض عقلية وأن من الأجدى سحب تلك المسؤوليات منهم وإسنادها إلى الأخصائيين الاجتماعيين.

وعلى الرغم من التأييد الكبير للحملة إلا أنها تتعرض لانتقادات حادة من قبل من يرون أن سحب الدعم من الشرطة سيؤدي إلى ارتفاع نسبة الجرائم ويزيد فرص تعرض حياة المواطنين وممتلكاتهم للخطر.

لكن أنصار الحملة يؤكدون على حرصهم على حياة الجميع بما فيهم من يُقتلون على أيدي رجال الشرطة الذين عادة ما يفلتون من العقاب ويواصلون عملهم في الشرطة حتى بعد ارتكابهم العديد من المخالفات الأمر الذي يعني أن هناك خلل جوهري في منظومة الشرطة يجب التصدي له عبر إجراء تغييرات جذرية بعد فشل كل محاولات الإصلاح الجزئية.

وتمثل نقابات الشرطة في الولايات المتحدة التي تحظى بنفوذ سياسي واسع عقبة رئيسية أمام أي إصلاحات في أجهزة الشرطة فمن النادر أن يُعاقب رجال الشرطة على تجاوزاتهم بسبب القدرة التفاوضية للنقابات في تخفيف العقوبات أو إلغائها الأمر الذي جعل رجال الشرطة يشعرون بأنهم فوق القانون.

من المستبعد أن يتحقق التغيير الذي ينشده الأميركيون قبل وصول جيل جديد من السياسيين الشباب إلى مواقع صنع القرار

فقد خلصت دراسة لجامعة أكسفورد في عام 2018 إلى وجود علاقة مباشرة بين بنود الحماية المنصوص عليها في عقود رجال الشرطة في الولايات المتحدة وبين حالات استخدام العنف ضد المواطنين المرتبطة بالشرطة. وبحسب تقرير نشرته نيويورك تايمز في مايو 2020، فقد تمت معاقبة 12 شرطيا فقط بعد مراجعة أكثر من 2600 شكوى ضد تجاوزات رجال الشرطة تقدم بها مواطنون في 2012 وقد كانت أقسى عقوبة تم اتخاذها ضد شرطي هي الفصل لمدة 40 ساعة.

وفي الوقت الذي يناقش فيه المشرعون الأميركيون في كل من مجلس الشيوخ ومجلس النواب هذه الأيام عن مشروعي قانون يطرحان إصلاحات جزئية على أجهزة الشرطة ويحمل كل منهما بصمات ومواقف الحزب المسيطر على كل غرفة من غرفتي الجهاز التشريعي الأميركي، لا يبدو أن أي منهما يلبي تطلعات المطالبين بسحب الدعم عن الشرطة وتقليص أعدادهم وإعادة النظر في مهامهم الأمر الذي يؤكد مدى التحديات التي تواجه دعاة هذا التوجه.

لقد أثبت الأميركيون أنهم أكثر وعيا وجرأة من ساستهم وأقدر على تشخيص مواطن الخلل في قضاياهم الملحة وتقديم الحلول المناسبة لها إلا أن من المستبعد أن يتحقق التغيير الذي ينشدونه قبل وصول جيل جديد من السياسيين الشباب إلى مواقع صنع القرار وحتى ذلك الحين فإننا على موعد للتعرف على المزيد من ضحايا عنف رجال الشرطة ومشاهدة المزيد من مسيرات الاحتجاج الغاضبة والتفاعل مع حملات النشطاء على منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!