A Lebanese woman chants anti-government songs during ongoing anti-government protests in the capital Beirut's downtown district…
2019 من تظاهرات بيروت في نوفمبر

يكثر الحديث في المنطقة العربية، بعد تفجر الثورات المتزامنة في عدد من الدول العربية، عن تجديد العقد الاجتماعي. فنجد منها من يعدد شروط العقد الذي يرسي أنظمة ديمقراطية، فيؤكد على الحرية والعدالة والإنصاف والحق في المشاركة في صياغة أطر الحياة السياسية والمجتمعية؛ من أجل تفاهم بين المواطن والدولة على الأهداف العليا للوطن، يعيد النظر في دور الدولة على أساس هذه الأهداف.

ونجد في لبنان أيضا من يرفع شعار العقد الاجتماعي الجديد هذا. مسوغهم في هذا ما أوصلتنا إليه الحكومات المتعاقبة من فشل موصوف ومفضوح حتى للعالم الخارجي. من بعض نتائجه التردي الخطير على المستوى الاقتصادي ـ المالي من جهة، إلى حد إعلان إفلاس الدولة؛ إضافة إلى الفساد المستشري في كافة مرافق الدولة والناتج عن المحاصصة والزبائنية والطائفية، بعد أن تم تعطيل آليات الحكم الديمقراطي عبر القفز فوق الدستور والقوانين. ما يجعل البعض يقفز إلى الاستنتاج المتسرع بأن "زمن الطائف انتهى". ومن هنا طرح مقولة الجمهورية الثالثة.

هل انتهى زمن الطائف حقا؟

دعونا نراجع أين كنا وكيف وصلنا إلى هنا.

ضمّت الدولة اللبنانية عند نشوئها في العام 1920 مناطق وجماعات متعددة ذات انتماءات دينية وسياسية مختلفة.

قامت الهوية الوطنية لهذه الدولة الوليدة على "صيغة تعاقدية" هدفها العمل على تسوية المتناقضات وما قد يفرق بين مختلف الجماعات، وكل ما يمكن أن يتعارض مع العمل بتلك الصيغة التعاقدية بين مجموعاتها الطائفية المتنوعة. 

من هنا كانت القوانين والأعراف التي وضعت في بدايات تأسيس لبنان والمتعلقة بالطائفية السياسية منذ تطبيقها كتعبير عن البحث عن نوع معين من المساواة. وذلك كنتيجة لتقاطع الإصلاح العثماني والتدخل الغربي والفاعلية المحلية.

قامت فلسفة الصيغة اللبنانية إذن على تجمع الأقليات وإشراكها في نموذج مبتكر غير موجود في أي بلد آخر. وقد أعطيت مضمونا فلسفيا وقانونيا سُمّي فيما بعد بالميثاق الوطني، ضمن صيغة "لا شرق ولا غرب". أي يتخلى المسيحيون عن المطالبة بالانضمام إلى فرنسا ويتخلى المسلمون عن المطالبة بالانضمام إلى سوريا الكبرى.

استدرج المواطن كي يتنازل عن حقوقه ويتحول إلى زبون وتابع وأُخضع للسلطة المطلقة لرؤساء الطوائف والميليشيات 

وتعريف النظام اللبناني كما يصيغه أنطوان مسرة: "الإدارة الديمقراطية للتعددية السياسية، إضافة إلى التعددية الثقافية والاجتماعية، بالمعنى الديمقراطي العام"١.

اتسم النظام السياسي اللبناني بالطابع الديمقراطي منذ انطلاقه بسبب هذه الركيزة الأساسية من التعددية ونظامه البرلماني. إضافة إلى مبدأ الحريات، الشخصية منها والعامة، وحرية المعتقد والرأي والتعبير. والسعي الدائم لحفظ العيش المشترك بين مكوناته الدينية.

يعد لبنان، بهذا المعنى، نموذجا فريدا في المنطقة، والدستور اللبناني، كما بيّنا، من أوائل الدساتير في المنطقة ومن أفضلها، لجهة حفظ التوازن التعددي من منطلق عقد اجتماعي، يحتاج إلى تعديل وإصلاحات، في زمن هادئ ومستقر، وليس في زمن خضوعه لإرادة خارجية مهيمنة بالسلاح.

بينما مطلب الجماهير الأساسي والمحق في الدول العربية، دستور ديمقراطي تعددي وعقد اجتماعي جديد بين المواطن والدولة. ولا أجد شبها بين الوضعين، اللبناني والعربي.

المشكلة في لبنان، كما صاغها البعض، أن الطبقة السياسية حولته من نظام ديمقراطي برلماني تعددي إلى "نظام طائفي عميل"، بمعنى أن ولاءات نخب الطوائف تذهب مباشرة إلى الخارج، أي إلى دول خارجية وأولياء أمر خارجيين؛ أحيانا بشكل محتشم وعلى شكل ولاء سياسي، وأحيانا بشكل فج ومفضوح وبواسطة القوة.

وقد لجأت هذه النخب إلى افتعال النزاع الطائفي ـ السياسي دوريا كوسيلة للحكم والتحكم بمصير الشعب اللبناني. فتم تعطيل الدولة بما يقرب السبع سنوات كي يتاح للسلاح العميل بوضع اليد على الدولة ومؤسساتها. 

وفي هذه الأثناء تحول النظام التعددي المشار إليه إلى نظام توافقي يخضع للفيتو الذي لا يستطيع استخدامه إلا طرف واحد، القوي والممتلك للسلاح. وصار يمنع انتخاب الرئيس أو اجتماع البرلمان أو تكليف رئيس حكومة، إلا بموافقة "حزب الله". وهذا انتهاك موصوف للنظام اللبناني والدستور والقوانين. 

وتم حشو أجهزة الدولة ومؤسساتها بأكبر جيش من موظفي القطاع العام، غير مضبوطي العدد، لضمان حسن سير آليات الزبائنية والاستتباع وتمرير انتخابات صورية بقانون هجين مفصل على قياس "الشركة المساهمة" الحاكمة لتحوز على أغلبية ضامنة، مع إضعاف الشركاء، خاصة السنة. ما ضغط على الشارع السني وحوله إلى الوريث الشرعي للشعور "بالمظلومية والحرمان" المشهور.

المشكلة في لبنان إذن، أن من هم في السلطة أخلّوا بالعقد الاجتماعي ولم يطبقوا اتفاق الطائف أصلا كي يعلنوا انتهاء صلاحيته. الثورة قامت لعجز السلطة عن تقديم الخدمات الأساسية والبديهية. وأصبحت مطالب الثورة هي المعيار الذي تقاس عليه سلامة السياسات. وتتعلق بتأمين المشاركة السياسية والتمثيل الصحيح والشفافية والمحاسبة وكرامة العيش في دولة تؤمن الخدمات العامة لجميع المواطنين.

الإشكالية المطروحة اليوم أمامنا هي: هل نعيد النظر بالعقد الاجتماعي الموجود أو نطرح عقدا اجتماعيا جديدا وما هي ملامحه؟ أم أن المشكلة بالممارسة ومخالفة أحكام الدستور تحت تأثير الفساد الملتحف بالعوامل الإقليمية؟

يشير أندريه سليمان٢ أن الهدف من العقد الاجتماعي هو تأمين الحماية، لجميع المواطنين، وتوفير الخدمات والمشاركة (PPP). ويُعترف بشرعية الدولة إذا تحققت هذه المبادئ الثلاثة. لكن هذه المبادئ لا تطبق في الدولة الهشة.

بالنسبة إلى الحماية، تحتكر الدولة بالمطلق العنف وتحمي من الإرهاب والتعدي على الملكية والسلامة الخاصة؛ وتفرض سيادة القانون عبر إنفاذ القوانين وصون الحريات الأساسية وحقوق الإنسان. ومن نافل القول إن هذه الشروط لا تطبق في لبنان.

مطلب الجماهير الأساسي والمحق في الدول العربية، دستور ديمقراطي تعددي وعقد اجتماعي جديد بين المواطن والدولة

بالنسبة للمبدأ الثاني، أي توفير الخدمات العامة والوصول العادل إلى الموارد وتوفير البنى التحتية والخدمات الاجتماعية كالتربية والصحة والرعاية الاجتماعية، فهي أيضا غير متوفرة في لبنان.

أما المشاركة بعدالة بعملية صناعة القرار فتبدأ بعدالة التمثيل عبر المشاركة في الانتخابات وآليات تشاركية أخرى. وهي أيضا غير متوفرة في لبنان.

في كل الدول يوجد مجموعات متعددة كما يوجد عقد اجتماعي يؤمن إضافة إلى التوافق العمودي توافقا أفقيا. فعلى جميع مكونات المجتمع أن تعي عدم إمكانية أي مكون من الحصول على كل ما يريده، وبالتالي؛ ينبغي العمل على إيجاد صيغة ترضي الجميع.

في لبنان مشكلة العقد الاجتماعي، كما أصبح يمارس مؤخرا، أنه جعل بين زعماء طوائف ينوبون عن أفرادها، وأي أنه ليس قائما بين مواطنين أحرار.

أي أفق بعد ثورة 17 أكتوبر؟

يعطي العقد الاجتماعي عادة شرعية سلطة الدولة على الأفراد. وتعتبر نظرية العقد الاجتماعي بالتحديد أن الأفراد يقبلون ضمنا أو صراحة أن يتخلوا عن بعض حرياتهم ويخضعوا لسلطة الحاكم (أو لقرار الأغلبية) مقابل حماية بقية حقوقهم. ومن هذا المنظار يمكن محاسبة السلطة القائمة في لبنان ومدى شرعيتها التي فرطت بحقوق المواطنين.

يعتبر توماس هوبس أنه في غياب القانون والنظام السياسي، ستغدو لدى الجميع حريات طبيعية لا حد لها، بما في ذلك حق الوصول إلى كل شيء. في لبنان تمكنت الطبقة السياسية المهيمنة من تكريس ممارسات غير خاضعة لسلطة الدستور أو القانون؛ فأصبح بإمكان هذه الفئة حصرا ممارسة الحريات الفالتة التي قصدها هوبس. فانفلت الفساد على غاربه متفلتا من أي رقابة ومحاسبة.

الآن، هناك حاجة إلى إعادة تصويب العقد الاجتماعي في لبنان. لقد استدرج المواطن كي يتنازل عن حقوقه ويتحول إلى زبون وتابع وأُخضع للسلطة المطلقة لرؤساء الطوائف والميليشيات المتعاونة ضد مصالحه وحقوقه.

وبما أن الحكومة، بحسب هوبس، ليست طرفا في العقد الأصلي، فالمواطنون ليسوا ملزمين بالخضوع للحكومة عندما تكون أضعف من أن تتصرف بحزم لتمنع التحزب والاضطراب المدني. ووفقا لمنظرين آخرين حول العقد الاجتماعي، أنه في حال فشل الحكومة في تأمين الحقوق الاجتماعية (كما عند جون لوك)، أو فشلها في تلبية أهم اهتمامات المجتمع (ما يسميه جان جاك روسو "الإرادة العامة")، يمكن للمواطنين حينها أن يمتنعوا عن طاعة الحكومة، أو أن يغيروا القيادة عبر انتخابات أو عبر وسائل أخرى.  وهذا ما تهدف إلى تحقيقه ثورة 17 تشرين عندما تنتهي جائحة كورونا.

١. أنطوان نصري مسرة: النظرية الحقوقية في الأنظمة البرلمانية التعددية، بيروت، المكتبة الشرقية، 2017.

  ٢. المسألة الاجتماعية في زمن التقشف: الجمعة، 28 فبراير 2020\فندق لانكستر بلازا – بيروت

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.