An Egyptian woman looks out a window near al-Azhar mosque in  Cairo on April 2, 2020, as most of the residents of the capital…
تنظر من شباك منزلها، وقد تحول إلى وسيلتها للتواصل الخارجي مع دخول مصر في حظر التجول

وافقت ذكرى حرب أكتوبر الثلاثاء السادس من أكتوبر 1981، يوم الثامن من شهر ذو الحجة، أي قبل وقفة عرفات بيوم واحد، في التقويم الهجري.

انشغلت أمي كعادتها، بتنظيف المنزل استعدادا للعيد.

"ماما، ليه في قرآن في التلفزيون والراديو؟". ذهبت لأمي لأبحث عن إجابة، فليس من العادة أن تتوقف كل البرامج التلفزيونية والإذاعية في الوقت نفسه.

في زمن ما قبل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن لدى المواطن المصري العادي سوى قنوات التلفزيون والإذاعة الرسمية كمصادر للأخبار. ولكن كلهم اجتمعوا في هذا اليوم على الصمت الإعلامي وبث آيات القرآن الكريم.

دهشتي تحولت إلى خوف حين رأيت الفزع في وجه أمي وهي تتمتم بالدعاء وتقول "ربنا يستر".

أيقظت مشاهد حظر التجوال، ودعوات البقاء في المنزل، التي تشهدها مصر الآن، ضمن إجراءات مكافحة مرض كوڤيد-19، ذكريات تجربتي الأولى مع حظر تجوال 1981 بعد مقتل الرئيس أنور السادات.

الإنترنت والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي لم يساهموا إيجابيا في نشر الحقائق وزيادة وعي الناس

وجعلتني أتساءل، هل الحقائق الآن أوضح والمعلومات أدق بالمقارنة بعهد ما قبل الإنترنت والفضائيات؟ وهل استجابة الأفراد للمخاطر والمحن أفضل من ذي قبل؟

القاهرة التي أتذكرها في عام 1981، كانت هادئة متوجسة حتى قبل إعلان مقتل السادات وبداية حظر التجوال. وبعد الإعلان عن الخبر، لم يتحد أحد قرار الحظر ولم يخرج أحد حتى يبكي السادات، وفضل الجميع البقاء في منازلهم.

بعد مضي قرابة أربعة عقود، يواجه المصريون حظر جديد للتجول ودعوات للبقاء في المنازل وحجر صحي للعائدين من الخارج.

ولكن بالرغم من أن هذه الإجراءات ليست لهدف سياسي، كما في عام 1981، بل تهدف لحماية المواطن المصري في مواجهة وباء لعين، إلا أن البعض في مصر يعترض ويغضب ويتظاهر غير عابئ أو مقدر لخطورة الوباء.

"مش حنروح الحجر"

هتف بعض العائدين من الكويت في مطار القاهرة بحجة أنهم لا يستطيعون دفع فاتورة الإقامة في الفنادق التي خصصتها الدولة. واستغلت قنوات "الإخوان" التركية الموقف وأمعنت في تضخيم الدراما وكأن الدولة تفرض الحجر بهدف تعذيب المواطنين، وليس لحمايتهم وحماية المختلطين بهم عند عودتهم لديارهم في مصر.

وما زال اللغط مستمرا على مواقع التواصل الاجتماعي، بالرغم من قرار رئيس الدولة بأن يتحمل صندوق "تحيا مصر" نفقات الحجر الصحي للعائدين من الخارج. وبالرغم من شهادة البعض الإيجابية عن حسن المعاملة في فندق الحجر.

والملفت للنظر أن الاعتراض على الإجراءات الصحية، كما ظهر على بعض صفحات التواصل الاجتماعي، جاء من جميع طبقات المجتمع، من بعض سكان القرى التي وضعت تحت الحجر الصحي بعد رصد حالات إصابة بفيروس كورونا، إلى العائدين من لندن، والكويت المفترض أنهم على درجة عالية من الثقافة والعلم. حتى الطبقات الغنية، اشتكى البعض منها، من فيلاتهم في أحياء القاهرة الفاخرة والساحل الشمالي، ومن قرار إيقاف المدارس والتأثيرات السلبية على الاقتصاد والبزنس.

قاهرة 2020 فهي تأن من الضجيج الإعلامي المسمم بالإشاعات والأخبار المغلوطة وصراخ المستهترين بصحة الفرد والمجتمع

هناك أسباب عدة وراء رفض البعض لمجهودات الدولة المصرية في مواجهة وباء كورونا.

من أهمها هذه الأسباب فقدان الثقة في أجهزة الدولة ومصداقيتها، والتي جعلت البعض يتوجس من كل قرارات المسؤولين ويتوقع منهم الأسوأ دائما.

الإنترنت والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي لم تساهم إيجابيا في نشر الحقائق وزيادة وعي الناس.

بل على العكس، أصبحت وسائل لنشر نظريات مؤامرة ومعلومات مغلوطة وخاطئة عن فيروس كورونا وتعامل الدولة المصرية مع الوباء.

ولكن السبب الأهم هو التحول التدريجي للمجتمع المصري، على مدى أربعة عقود، من مجتمع متماسك ذو حس وطني قوي، إلى مجتمع نرجسي، تسوده الفردية والضجيج والاستهتار.

تحولت الوطنية من الدفاع عن الوطن وحماية المجتمع المصري إلى المتاجرة به وتسييس كل شيء حتى الأوبئة لخدمة اتجاهات وأجندات سياسية معينة.

القاهرة في العام 1981 كانت تئن من التعتيم الإعلامي. أما قاهرة 2020 فهي تئن من الضجيج الإعلامي المسمم بالإشاعات والأخبار المغلوطة وصراخ المستهترين بصحة الفرد والمجتمع.

هذا الضجيج المسموم هو أخطر على مصر من أي وباء. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.