"الباقي من الزمن أقل من القليل. يا نضيع من غير ثمن، يا نطول المستحيل".
لم أجد كلمات تعبر عن خطورة المرحلة الحالية في مفاوضات سد النهضة بين مصر وأثيوبيا، غير هذا المقطع للشاعر سيد حجاب، وغناه المطرب علي الحجار في مسلسل "الباقي من الزمن ساعة" عن قصة للأديب نجيب محفوظ.
دخلنا الفصل الأخير من "دراما" السد الأثيوبي، ولم يبق بالنسبة إلى مصر الكثير من الوقت. قبل عامين كتبت في هذه الزاوية أن أثيوبيا تلعب لعبة الوقت وتتعمد إضاعته بينما تصنع الحقائق على الأرض.
لا تزال أثيوبيا تلعب اللعبة نفسها. لكنها تطورت اليوم، وبات لديها وجها أكثر مكرا وقبحا، بعد أن أعلنت المضي قدما في ملء خزانات سد النهضة، حتى بدون اتفاق مع مصر، بعد أن انسحبت أثيوبيا من مفاوضات واشنطن واشتكت من "الضغط الأميركي عليها".
أما في الجولة الحالية من المفاوضات بين الأطراف الثلاثة المعنية، أي مصر والسودان وأثيوبيا، تراجع الجانب الأثيوبي عن كل ما سبق أن اتفقت عليه هذه الأطراف خلال جولات التفاوض السابقة في واشنطن برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي.
آن الآوان أن تكتب القيادة المصرية بنفسها سلسلة مقالات افتتاحية في كبرى المجلات والصحف الغربية توضح مخاطر سد النهضة
وترفض أثيوبيا أي وساطة خارجية، بل وتقدم وثيقة مختلفة تماما، عن قواعد ملء المياه بالسد، تمحو كل ما اتفق عليه في المفاوضات السابقة، بحيث تصر أثيوبيا، بحسب بعض التسريبات، على أنها الدولة الوحيدة التي لديها حق تقدير كمية المياه التي تمر من السد دون الرجوع إلى مصر والسودان، وهذا ما أدى إلى تعثر المفاوضات وعدم الوصول إلى اتفاق.
وهناك حملة ممنهجة ضد مصر عبر منصات التواصل الاجتماعي، صادرة من حسابات بإدارة أثيوبيين تصور مصر وكأنها الطرف المتعجرف الاستعماري الذي يهدف في التحكم في مياه النيل وحرمان أثيوبيا من الاستفادة منه.
البعض يقول إن الوقت تأخر، وإن مصر خسرت معركة السد وانتصرت أثيوبيا في فرض واقع جديد على المصريين. ولكنني أختلف مع هذا التقدير، فكما يقولون في كرة القدم، لم تنته المباراة بعد وما زال لدينا بعض الوقت الذي يمكن استغلاله.
على مصر، من الآن فصاعدا أن تغير أسلوبها في معالجة أزمة سد النهضة في مختلف محاور المواجهة في هذه الأزمة.
مثلا، منذ بداية أزمة سد النهضة، تعمد الجانب المصري على تقنين تصريحاته الإعلامية واستخدامها في أضيق الحدود وذلك لتجنب أي أزمة دبلوماسية مع الجانب الأثيوبي قد تعكر سير المفاوضات.
ولكن كما غردت سابقا على عبر تويتر، حان وقت التصعيد الإعلامي، ليس فقط على المستوى المحلي والعربي، بل على المستوى العالمي.
حان الوقت كي تقلب مصر الطاولة، وتحاصر أثيوبيا من كل الاتجاهات، وتظهر بصورة الضحية
آن الآوان أن تكتب القيادة المصرية بنفسها سلسلة مقالات افتتاحية في كبرى المجلات والصحف الغربية توضح مخاطر سد النهضة، خصوصا في أوقات الجفاف، وتفند كل المزاعم الأثيوبية وتفضح مراوغة النظام الأثيوبي أمام العالم كله، وتوضح أن الصراع ليس بين أثيوبيا والنظام المصري، بل بين أثيوبيا و100 مليون مواطن مصري.
ومن المهم أيضا توضيح التنازلات التي قدمتها مصر في جولات المفاوضات السابقة بهدف الوصول إلى حل توافقي، وهي تنازلات قابلها الجانب الأثيوبي بالتصلب في موقفه.
كتب الرئيس التركي من قبل مقالات في صحف عالمية، كنيويورك تايمز، والواشنطن بوست، من أجل أن يوضح مواقف بلاده في مواضيع أقل أهمية وخطورة من سد النهضة. والآن حان الوقت للقيادة المصرية أن تحذو حذوه، وأن تواجه الإعلام الغربي المعادي لمصر في عرينه.
ومن المهم أن تصاحب هذه المقالات، حملات منظمة على منصات التواصل الاجتماعي بهدف شرح حق مصر في مياه النيل ومخاطر سد النهضة على الشعب والبيئة في مصر، ودعم أكبر لهاشتاغ #EgyptNiLeRights.
أما على المستوى السياسي، فقد اعتمد الجانب المصري من قبل على وساطة واشنطن والبنك الدولي. ولكن بعض رفض أثيوبيا لهذه الوساطات، وتعثر المفاوضات الحالية، فالخيارات الباقية بالنسبة إلى مصر هي الانسحاب الفوري من إعلان مبادئ وثيقة سد النهضة لعام 2015، وذلك لاستمرار التعنت الأثيوبي وسياسة المراوغة وفرض الأمر الواقع.
وأيضا على مصر المضي قدما في الشكوى المقدمة لمجلس الأمن والتواصل مع جميع أعضائه طلبا لدعم للموقف المصري وشرح سير المفاوضات منذ عام 2015 حتى الآن وكيف أضاعت أثيوبيا فرصا عديدة للتوصل إلى اتفاق مع مصر. وإضافة إلى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، هناك دول أخرى مهمة قد تقف إلى جانب مصر، كألمانيا وبلجيكا وأندونيسيا والنيجر.
على مصر المضي قدما في الشكوى المقدمة لمجلس الأمن والتواصل مع جميع أعضائه طلبا لدعم للموقف المصري وشرح سير المفاوضات منذ عام 2015 حتى الآن
أما على المستوى القانوني، فعلى مصر أن تتقدم بشكوى ضد أثيوبيا في محكمة العدل الدولية، حتى لو لم تكن جهة اختصاص في هذا النزاع. فتقديم شكوى قانونية، بالتزامن مع الحملتين الإعلامية والسياسية، يعتبر وسيلة أخرى للضغط على السلطات الأثيوبية.
أثيوبيا خصم شرس، حاول على مدى السنوات الماضية أن يظهر بمظهر الضعيف الذي يتعرض للضغط من الجارة القوية، مصر، "لمجرد أنه يريد توليد الكهرباء لخدمة شعبه". حان الوقت كي تقلب مصر الطاولة، وتحاصر أثيوبيا من كل الاتجاهات، وتظهر بصورة الضحية، وتجبر النظام الأثيوبي أن يبرر للعالم كله، وليس لمصر فقط، لماذا يريد إيذاء الشعب المصري وحرمانه من حقه في مياه النيل. كفانا دبلوماسية الأبواب المغلقة فلم تجد نفعا طوال السنوات الماضية.
وفي ظل حالة الضعف التي تعتري النظام العالمي، لا يكفي أن تكون صاحب حق، ولكن يجب أن تكون صاحب صوت عال وحجة مقنعة. لذلك من الخطأ أن نعتقد أن خيارات مصر محصورة بين خيارين: إما الدبلوماسية الهادئة أو الحرب. فبين الخيارين طريق طويل لم تسلكه مصر بعد.
لم يبق من الزمن إلا القليل، وليس لدينا خيارات كثيرة. النزاع مع أثيوبيا ليس فقط بالضرورة بالطائرات والقنابل ولكن بالتصعيد على جميع الجبهات، الإعلامية والسياسية، والقانونية.

