(FILES) This file photo taken on December 26, 2019 shows a general view of the Blue Nile river as it passes through the Grand…
ترفض أثيوبيا أي وساطة خارجية، بل وتقدم وثيقة مختلفة تماما، عن قواعد ملء المياه بالسد

"الباقي من الزمن أقل من القليل. يا نضيع من غير ثمن، يا نطول المستحيل".

لم أجد كلمات تعبر عن خطورة المرحلة الحالية في مفاوضات سد النهضة بين مصر وأثيوبيا، غير هذا المقطع للشاعر سيد حجاب، وغناه المطرب علي الحجار في مسلسل "الباقي من الزمن ساعة" عن قصة للأديب نجيب محفوظ.

دخلنا الفصل الأخير من "دراما" السد الأثيوبي، ولم يبق بالنسبة إلى مصر الكثير من الوقت. قبل عامين كتبت في هذه الزاوية أن أثيوبيا تلعب لعبة الوقت وتتعمد إضاعته بينما تصنع الحقائق على الأرض.

لا تزال أثيوبيا تلعب اللعبة نفسها. لكنها تطورت اليوم، وبات لديها وجها أكثر مكرا وقبحا، بعد أن أعلنت المضي قدما في ملء خزانات سد النهضة، حتى بدون اتفاق مع مصر، بعد أن انسحبت أثيوبيا من مفاوضات واشنطن واشتكت من "الضغط الأميركي عليها".

أما في الجولة الحالية من المفاوضات بين الأطراف الثلاثة المعنية، أي مصر والسودان وأثيوبيا، تراجع الجانب الأثيوبي عن كل ما سبق أن اتفقت عليه هذه الأطراف خلال جولات التفاوض السابقة في واشنطن برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي.

آن الآوان أن تكتب القيادة المصرية بنفسها سلسلة مقالات افتتاحية في كبرى المجلات والصحف الغربية توضح مخاطر سد النهضة

وترفض أثيوبيا أي وساطة خارجية، بل وتقدم وثيقة مختلفة تماما، عن قواعد ملء المياه بالسد، تمحو كل ما اتفق عليه في المفاوضات السابقة، بحيث تصر أثيوبيا، بحسب بعض التسريبات، على أنها الدولة الوحيدة التي لديها حق تقدير كمية المياه التي تمر من السد دون الرجوع إلى مصر والسودان، وهذا ما أدى إلى تعثر المفاوضات وعدم الوصول إلى اتفاق.

وهناك حملة ممنهجة ضد مصر عبر منصات التواصل الاجتماعي، صادرة من حسابات بإدارة أثيوبيين تصور مصر وكأنها الطرف المتعجرف الاستعماري الذي يهدف في التحكم في مياه النيل وحرمان أثيوبيا من الاستفادة منه.

البعض يقول إن الوقت تأخر، وإن مصر خسرت معركة السد وانتصرت أثيوبيا في فرض واقع جديد على المصريين. ولكنني أختلف مع هذا التقدير، فكما يقولون في كرة القدم، لم تنته المباراة بعد وما زال لدينا بعض الوقت الذي يمكن استغلاله.

على مصر، من الآن فصاعدا أن تغير أسلوبها في معالجة أزمة سد النهضة في مختلف محاور المواجهة في هذه الأزمة.

مثلا، منذ بداية أزمة سد النهضة، تعمد الجانب المصري على تقنين تصريحاته الإعلامية واستخدامها في أضيق الحدود وذلك لتجنب أي أزمة دبلوماسية مع الجانب الأثيوبي قد تعكر سير المفاوضات.

ولكن كما غردت سابقا على عبر تويتر، حان وقت التصعيد الإعلامي، ليس فقط على المستوى المحلي والعربي، بل على المستوى العالمي.

 حان الوقت كي تقلب مصر الطاولة، وتحاصر أثيوبيا من كل الاتجاهات، وتظهر بصورة الضحية

آن الآوان أن تكتب القيادة المصرية بنفسها سلسلة مقالات افتتاحية في كبرى المجلات والصحف الغربية توضح مخاطر سد النهضة، خصوصا في أوقات الجفاف، وتفند كل المزاعم الأثيوبية وتفضح مراوغة النظام الأثيوبي أمام العالم كله، وتوضح أن الصراع ليس بين أثيوبيا والنظام المصري، بل بين أثيوبيا و100 مليون مواطن مصري. 

ومن المهم أيضا توضيح التنازلات التي قدمتها مصر في جولات المفاوضات السابقة بهدف الوصول إلى حل توافقي، وهي تنازلات قابلها الجانب الأثيوبي بالتصلب في موقفه.

كتب الرئيس التركي من قبل مقالات في صحف عالمية، كنيويورك تايمز، والواشنطن بوست، من أجل أن يوضح مواقف بلاده في مواضيع أقل أهمية وخطورة من سد النهضة. والآن حان الوقت للقيادة المصرية أن تحذو حذوه، وأن تواجه الإعلام الغربي المعادي لمصر في عرينه.

ومن المهم أن تصاحب هذه المقالات، حملات منظمة على منصات التواصل الاجتماعي بهدف شرح حق مصر في مياه النيل ومخاطر سد النهضة على الشعب والبيئة في مصر، ودعم أكبر لهاشتاغ #EgyptNiLeRights‬.

أما على المستوى السياسي، فقد اعتمد الجانب المصري من قبل على وساطة واشنطن والبنك الدولي. ولكن بعض رفض أثيوبيا لهذه الوساطات، وتعثر المفاوضات الحالية، فالخيارات الباقية بالنسبة إلى مصر هي الانسحاب الفوري من إعلان مبادئ وثيقة سد النهضة لعام 2015، وذلك لاستمرار التعنت الأثيوبي وسياسة المراوغة وفرض الأمر الواقع.

وأيضا على مصر المضي قدما في الشكوى المقدمة لمجلس الأمن والتواصل مع جميع أعضائه طلبا لدعم للموقف المصري وشرح سير المفاوضات منذ عام 2015 حتى الآن وكيف أضاعت أثيوبيا فرصا عديدة للتوصل إلى اتفاق مع مصر. وإضافة إلى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، هناك دول أخرى مهمة قد تقف إلى جانب مصر، كألمانيا وبلجيكا وأندونيسيا والنيجر.

على مصر المضي قدما في الشكوى المقدمة لمجلس الأمن والتواصل مع جميع أعضائه طلبا لدعم للموقف المصري وشرح سير المفاوضات منذ عام 2015 حتى الآن

أما على المستوى القانوني، فعلى مصر أن تتقدم بشكوى ضد أثيوبيا في محكمة العدل الدولية، حتى لو لم تكن جهة اختصاص في هذا النزاع. فتقديم شكوى قانونية، بالتزامن مع الحملتين الإعلامية والسياسية، يعتبر وسيلة أخرى للضغط على السلطات الأثيوبية.

أثيوبيا خصم شرس، حاول على مدى السنوات الماضية أن يظهر بمظهر الضعيف الذي يتعرض للضغط من الجارة القوية، مصر، "لمجرد أنه يريد توليد الكهرباء لخدمة شعبه". حان الوقت كي تقلب مصر الطاولة، وتحاصر أثيوبيا من كل الاتجاهات، وتظهر بصورة الضحية، وتجبر النظام الأثيوبي أن يبرر للعالم كله، وليس لمصر فقط، لماذا يريد إيذاء الشعب المصري وحرمانه من حقه في مياه النيل. كفانا دبلوماسية الأبواب المغلقة فلم تجد نفعا طوال السنوات الماضية.

وفي ظل حالة الضعف التي تعتري النظام العالمي، لا يكفي أن تكون صاحب حق، ولكن يجب أن تكون صاحب صوت عال وحجة مقنعة. لذلك من الخطأ أن نعتقد أن خيارات مصر محصورة بين خيارين: إما الدبلوماسية الهادئة أو الحرب. فبين الخيارين طريق طويل لم تسلكه مصر بعد.

لم يبق من الزمن إلا القليل، وليس لدينا خيارات كثيرة. النزاع مع أثيوبيا ليس فقط بالضرورة بالطائرات والقنابل ولكن بالتصعيد على جميع الجبهات، الإعلامية والسياسية، والقانونية.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.