People hold a banner depicting the Turkish President and Ottoman Empire Fatih Sultan Mehmet outside the Hagia Sophia museum in…
أتراك مؤيدون لإردوغان يرفعون لافتة تجمعه والسلطان محمد "الفاتح"

يمكن اعتبار توقيع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على الوثائق التي ألغت قرار أول رئيس لجمهورية تركيا الحديثة مصطفى كمال في 1934 تحويل آيا صوفيا من جامع إلى متحف، وإعادة هذا الصرح الذي يمثل أجمل ما بنته الحضارة البيزنطية إلى مسجد مرة أخرى بمثابة فتح إسلامي رمزي ثان للقسطنطينية، منذ اجتياحها من قبل الجيوش العثمانية في 1453 بقيادة السلطان محمد "الفاتح"، الذي حوّل أهم كاتدرائية في العالم المسيحي إلى مسجد بعد أن سمح لجيشه باستباحة المدينة ـ والكاتدرائية ـ لثلاثة أيام كاملة. 

يمكن أيضا اعتبار هذه الخطوة التي ستهيمن تداعياتها السياسية والثقافية والدينية لسنوات عديدة على علاقات تركيا بالغرب، على أنها نهاية رسمية لمحاولات تركيا الحثيثة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وآخر مسمار في نعش التراث العلماني الحديث لتركيا الذي هو التركة الرئيسية للمؤسس مصطفى كمال أتاتورك. 

تحويل آيا صوفيا إلى مسجد هو تأكيد جديد على إصرار الرئيس إردوغان والقوى الاجتماعية والسياسية التي يمثلها على مواصلة السير نحو الأسلمة الكاملة لتركيا التي يراها ويريدها إردوغان قائدة للعالم الإسلامي. الخطاب الذي ألقاه إردوغان لشرح خلفية ومعنى قراره لم يذكر فيه اسم أتاتورك ولا مرة واحدة، ربما اعتقادا منه أن قراره الإسلامي الذي يلغي قرار أتاتورك العلماني كاف بحد ذاته كتأنيب لتركة أتاتورك.

الرئيس إردوغان كان ينفي في السابق التكهنات التي كانت تقول إنه يريد تحويل الكنيسة إلى مسجد، ولكنه لم يكن صادقا في نفيه، لأنه كان إسلاميا منذ وصوله إلى سدة الحكم قبل 18 سنة، كما لا يزال إسلاميا في 2020، ولكنه قبل أن يستولي على صلاحيات واسعة كان يريد تفادي إغضاب القوى العلمانية في البلاد، أو تخويف الدول الأوروبية التي كان يسعى لاسترضائها وهو يطرق أبواب الاتحاد الأوروبي المغلقة في وجهه، أو على الأقل الحصول على اتفاقات تجارية واقتصادية تفتح أمامه أسواق أوروبا. ولكن إردوغان تخلى عن كل هذه الاعتبارات في 2018 حين أعلن صراحة أنه يريد تحول آيا صوفيا إلى مسجد، وبدأ منذ ذلك الوقت تحضير الأرضية السياسية والقضائية لهذه الخطوة.

إردوغان يتصرف كفاتح عثماني لم يتعلم أي شيء من تركة أتاتورك العلمانية وقيم أوروبا الليبرالية والإنسانية التي لم تكن مثالية بالمطلق، ولكنها قيم ضرورية لمجتمع متعدد الإثنيات والأديان مثل المجتمع التركي

إردوغان وغيره من المسؤولين الأتراك يتحدثون عن المسألة على أنها مسألة سيادية وقضائية وأن القرار لن يغير من مكانة الصرح كمعلم حضاري يحتل مرتبة عالية على قائمة المعالم الحضارية المدرجة على قائمة منظمة اليونيسكو. 

تقنيا ومن المنظور الضيق لتفسير نصوص القوانين التركية يحق للسلطات التركية ما يسميه إردوغان حق "إعادة إحياء آيا صوفيا" التي يعتبرها الرئيس التركي بداية لصحوة إسلامية عالمية في ظل قيادته. ولكن جوهر قرار إردوغان هو أبعد بكثير من مجرد تنفيذ قرار قضائي، لأنه يتعلق بما يمكن تسميته بـ "عودة الروح الإسلامية" إلى تركيا بعد تخطي كل ما تمثله قيم الكمالية. 

قبل وصول إردوغان إلى السلطة كان هناك إجماع على أن مصطفى كمال هو أهم شخصية سياسية في تركيا منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية. الآن لا يوجد شك بأن الشخصية التركية التي تركت أثارها العميقة على تركيا كدولة وكمجتمع اسمها رجب طيب إردوغان، وهذه الشخصية تلف نفسها بغطاء قومي تركي وإسلامي عثماني.

إعادة إحياء آيا صوفيا يأتي في سياق الاستخدام المكثف للقوات التركية في "الولايات" العثمانية السابقة في سوريا والعراق وليبيا، وفي سياق إقامة قواعد عسكرية في دول مثل قطر وربما السودان. اللغة التي يستخدمها إردوغان لمناقشة قصية مثل آيا صوفيا مع شعبه أو مع العرب، كما يتبين من البيان القصير الذي وقعه بالعربية هي لغة الفتح واستعادة مجد الفتوحات الإسلامية وكأنه صلاح الدين القرن الحادي والعشرين. في المقابل البيان المكتوب بالإنكليزية ينضح بالتسامح واحترام التعددية والاعتدال والانفتاح. 

وهكذا بدأ إردوغان بيانه باللغة العربية "إحياء آيا صوفيا من جديد هي بشارة نحو عودة الحرية إلى المسجد الأقصى". طبعا وجود علاقات اقتصادية وتجارية هامة بين تركيا وإسرائيل هي مسألة أخرى. "إحياء آيا صوفيا هو بداية جديدة للمسلمين في كافة أنحاء العالم... إحياء آيا صوفيا هو سلام مرسل من أعماق قلوبنا إلى كافة المدن التي ترمز إلى حضارتنا بدءا من بخارى وصولا إلى الأندلس. إعادة فتح آيا صوفيا أمانة السلطان محمد الفاتح... هي بعث جديد قد تأخر". ويعتبر إردوغان أن تحويل آيا صوفيا إلى مسجد هو "أفضل رد على الهجمات الشنيعة التي تستهدف قيمنا الرمزية في كافة أنحاء المناطق الإسلامية".

ردود الفعل السلبية الصادرة عن الدول الأوروبية وخاصة اليونان التي لها علاقة تاريخية ودينية مع ما تمثله آيا صوفيا البيزنطية ومن الولايات المتحدة والفاتيكان، لم تكن لتصدر لو أعلنت تركيا أنها تريد على سبيل المثال العودة لاستئناف صلاة الجمعة في آيا صوفيا، ودعت المسيحيين من أرثوذوكس وغيرهم لإحياء قداس يوم الأحد. مثل هذه الخطوة كانت ستعتبر بالفعل اعترافا صريحا بما تعنيه الكاتدرائية للأرثوذوكس بالتحديد. 

آيا صوفيا تحولت إلى مسجد بعد أن محى العثمانيون آخر ما تبقى من حضارة عريقة استمرت لأكثر من عشرة قرون لا تزال آثارها حاضرة في شرق وجنوب البحر المتوسط، عندما اجتاحوا القسطنطينية وجوهرتها، كاتدرائية آيا صوفيا.

يلتقط صورة لإحدى السائحات في متحف آيا صوفيا قبل تحويله إلى مسجد

قبل أكثر من عشرين سنة زرت اسطنبول للمشاركة في مؤتمر حول الأمن في البحر المتوسط. وقمت بزيارة الكاتدرائية (المتحف) برفقة الباحث في شؤون الشرق الأوسط والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي وليام كوانت، والباحث السوري، المرحوم الياس سمعو، والباحث الروسي في شؤون الشرق الأوسط فيتالي نعومكين. وصلنا إلى الصرح قبل ربع ساعة من إغلاقه، وبالكاد أقنعنا المسؤولين، كأكاديميين أجانب، بأن يعطونا بعض الوقت لتفقد المتحف. 

عندما تقف في منتصف الكاتدرائية يرتابك شعور بالرهبة والجلالة. وأول وأكثر ما يدهشك هو المساحة الضخمة التي تحيط بها جدران لا يزال على بعضها تحف فسيفسائية أخاذة لرموز المسيحية، وتحميها قبة عالية وكأنها معلقة من السماء لأنك لا ترى جدران تحملها، في أفضل تعبير عن عبقرية الهندسة البيزنطية. 

حديث بعض المسؤولين المسلمين عن "حماية" الأقليات غير المسلمة في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، مهين وبائس

وقفنا تحت القبة نراقب بصمت وخشوع. وقلت لزملائي: نحن نقف في نفس المكان الذي كان يصلي فيه أباطرة الإمبراطورية البيزنطية لأكثر من عشرة قرون وبعدها على مدى خمسة قرون سلاطين الامبراطورية العثمانية. لا يضاهي هذه الكاتدرائية بجمالها وجلالها إلا مسجد قرطبة المستوحى من الجامع الأموي في دمشق والرائع بغابة أعمدته المصقولة برهافة لا مثيل لها ومحرابه الذي هو إعجاز فني.

المسؤولون الأتراك يرفضون الانتقادات الغربية (المسيحية) لإعادة إحياء آيا صوفيا كمسجد ويتحدثون عن "خبث" المجتمعات الأوروبية المسيحية التي حولت الجوامع في الأندلس والبلقان بعد هزيمة المسلمين إلى كنائس. العلاقات بين العرب والمسلمين وأوروبا معقدة ومتشعبة ولا يوجد فيها طرف بريء دائما وطرف مظلوم دائما. 

وهناك "تقليد" نراه يتكرر في أكثر من حضارة في لحظة انتصارها ضد حضارة أخرى. قبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس بنيا في الموقع الذي بني فيه معبد الملك سليمان. الجامع الأموي في دمشق بني على أنقاض كنيسة، بنيت بدورها على أنقاض معبد روماني. مسجد قرطبة بني فوق كنيسة بنيت بدورها فوق معبد روماني. الأعمدة الرومانية هي جزء من غابة الأعمدة الجميلة في المسجد. تعتبر كاتدرائية أشبيلية الكاثوليكية في إسبانيا ثالث أكبر كنيسة في العالم. الكاتدرائية المبنية وفقا للطراز الغوطي جاثمة فوق أنقاض مسجد بناه أحد الخلفاء الموحدين. العثمانيون الذين احتلوا مناطق واسعة من البلقان لقرون شاهدوا بعض مساجدهم تهدم أو تحول إلى كنائس بعد هزيمتهم وإخراجهم من تلك البلدان.

هناك استثناءات قليلة لهذا "التقليد"، أبرزها الموقف الحكيم للخليفة عمر بن الخطاب حين رفض أداء الصلاة داخل كنيسة القيامة لكيلا يحولها المسلمون بعده إلى مسجد بحجة أن خليفة المسلمين صلى فيها. ما فعله الخليفة عمر في القدس، لم يفعله محمد الفاتح في القسطنطينية. 

تحويل آيا صوفيا إلى مسجد تم في القرن الخامس عشر، وبناء كاتدرائية أشبيلية فوق أنقاض مسجد تم في القرن السادس عشر. القيم السائدة قبل 500 سنة أو قبل ألف سنة كانت تسمح لا بل تشجع المسلم المنتصر أو المسيحي المنتصر على السيطرة على أماكن العبادة للطرف المهزوم واستخدامها كما يحلو له. تاريخ الدينين المسيحي والمسلم حافلين بالغزو والفتح والسبي وبيع المهزومين في أسواق النخاسة، وفي الوقت نفسه الادعاء بالتمسك بقيم العدالة والتسامح والغفران. 

عندما ينظر المرء إلى خارطة حوض البحر المتوسط ويغمض عينية يمكن أن يتخيل الأساطيل التي عبرت هذه البحيرة الكبيرة من الشرق إلى الغرب وبالعكس قبل وبعد فجر الإسلام وهي تحمل الغزاة والتجار والقراصنة والحرفيين والعلماء وأصحاب المهارات والمواد الأولية التي كانت في جوهر النزاعات العسكرية من التوابل في القرون الوسطى إلى النفط في العصر الحديث. لو تحدثت حجارة المساجد والكنائس عما فعله "المؤمنون" عبر العصور باسم حماية دينهم الحنيف، لما بقي شيء للمخيلة.

يقول المسؤولون الاتراك إنهم سيصونون حرمة الرموز المسيحية في آية صوفيا وسوف "يحمون" هذه الرموز مثل اللوحات الفسيفسائية للسيد المسيح ووالدته مريم وغيرها. اللغة هنا هي لغة السيد الذي يحمي أتباع الديانات الأخرى، وخاصة "أهل الكتاب" (يحميهم من من؟ من الأكثرية المسلمة؟ من الأعداء في الخارج).

قرار إردوغان هو رسالة نابية للمسيحيين في تركيا وفي الجوار، ونكسة للقوى والأطراف المحلية والخارجية التي تسعى لاحتواء التطرف الإسلامي

حديث بعض المسؤولين المسلمين عن "حماية" الأقليات غير المسلمة في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، مهين وبائس. هذه لغة تنبذ قيم الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية. أنت تتسامح مع طفلك وتغفر له عندما يكسر صحنه أو لا ينصاع لتعليمات تهدف إلى مساعدته أو حين يتصرف بتهور. قيم الدولة المدنية المتنورة مبنية على مفهوم المواطنة الذي يتعامل مع المواطنين بالتساوي في ظل سلطة القانون الذي يفترض أن يسري على الجميع إن كانوا ينتمون إلى الأكثرية أو إلى الأقلية. هنا لا معنى لمفاهيم "التسامح" مع الضعيف أو حمايته.

ما فعله إردوغان في نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، بتحويل صرح آيا صوفيا من متحف إلى مسجد لا يوجد له أي مبرر ديني، لأن هناك طفرة من المساجد في اسطنبول. ما فعله إردوغان هو استغلال سياسي رخيص لرمز هام للمسيحيين والمسلمين لقرون عديدة، لإحياء شعبيته المتدهورة جراء أدائه الاقتصادي الرديء، ولتحويل الأنظار عن تحدياته الداخلية وتهوره العسكري الخارجي. 

إردوغان يتصرف كفاتح عثماني لم يتعلم أي شيء من تركة أتاتورك العلمانية وقيم أوروبا الليبرالية والإنسانية التي لم تكن مثالية بالمطلق، ولكنها قيم ضرورية لمجتمع متعدد الإثنيات والأديان مثل المجتمع التركي. 

قرار إردوغان هو رسالة نابية للمسيحيين في تركيا وفي الجوار، ونكسة للقوى والأطراف المحلية والخارجية التي تسعى لاحتواء التطرف الإسلامي الذي كانت "الدولة الأسلامية" الإرهابية التي دمرت مدن بكاملها في العراق وسوريا، والتي ساهم إردوغان بإرسال "مجاهديها" عبر حدود تركيا إلى العراق وسوريا، آخر التجليات الدموية لهذا التطرف.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.