People hold a banner depicting the Turkish President and Ottoman Empire Fatih Sultan Mehmet outside the Hagia Sophia museum in…
أتراك مؤيدون لإردوغان يرفعون لافتة تجمعه والسلطان محمد "الفاتح"

يمكن اعتبار توقيع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على الوثائق التي ألغت قرار أول رئيس لجمهورية تركيا الحديثة مصطفى كمال في 1934 تحويل آيا صوفيا من جامع إلى متحف، وإعادة هذا الصرح الذي يمثل أجمل ما بنته الحضارة البيزنطية إلى مسجد مرة أخرى بمثابة فتح إسلامي رمزي ثان للقسطنطينية، منذ اجتياحها من قبل الجيوش العثمانية في 1453 بقيادة السلطان محمد "الفاتح"، الذي حوّل أهم كاتدرائية في العالم المسيحي إلى مسجد بعد أن سمح لجيشه باستباحة المدينة ـ والكاتدرائية ـ لثلاثة أيام كاملة. 

يمكن أيضا اعتبار هذه الخطوة التي ستهيمن تداعياتها السياسية والثقافية والدينية لسنوات عديدة على علاقات تركيا بالغرب، على أنها نهاية رسمية لمحاولات تركيا الحثيثة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وآخر مسمار في نعش التراث العلماني الحديث لتركيا الذي هو التركة الرئيسية للمؤسس مصطفى كمال أتاتورك. 

تحويل آيا صوفيا إلى مسجد هو تأكيد جديد على إصرار الرئيس إردوغان والقوى الاجتماعية والسياسية التي يمثلها على مواصلة السير نحو الأسلمة الكاملة لتركيا التي يراها ويريدها إردوغان قائدة للعالم الإسلامي. الخطاب الذي ألقاه إردوغان لشرح خلفية ومعنى قراره لم يذكر فيه اسم أتاتورك ولا مرة واحدة، ربما اعتقادا منه أن قراره الإسلامي الذي يلغي قرار أتاتورك العلماني كاف بحد ذاته كتأنيب لتركة أتاتورك.

الرئيس إردوغان كان ينفي في السابق التكهنات التي كانت تقول إنه يريد تحويل الكنيسة إلى مسجد، ولكنه لم يكن صادقا في نفيه، لأنه كان إسلاميا منذ وصوله إلى سدة الحكم قبل 18 سنة، كما لا يزال إسلاميا في 2020، ولكنه قبل أن يستولي على صلاحيات واسعة كان يريد تفادي إغضاب القوى العلمانية في البلاد، أو تخويف الدول الأوروبية التي كان يسعى لاسترضائها وهو يطرق أبواب الاتحاد الأوروبي المغلقة في وجهه، أو على الأقل الحصول على اتفاقات تجارية واقتصادية تفتح أمامه أسواق أوروبا. ولكن إردوغان تخلى عن كل هذه الاعتبارات في 2018 حين أعلن صراحة أنه يريد تحول آيا صوفيا إلى مسجد، وبدأ منذ ذلك الوقت تحضير الأرضية السياسية والقضائية لهذه الخطوة.

إردوغان يتصرف كفاتح عثماني لم يتعلم أي شيء من تركة أتاتورك العلمانية وقيم أوروبا الليبرالية والإنسانية التي لم تكن مثالية بالمطلق، ولكنها قيم ضرورية لمجتمع متعدد الإثنيات والأديان مثل المجتمع التركي

إردوغان وغيره من المسؤولين الأتراك يتحدثون عن المسألة على أنها مسألة سيادية وقضائية وأن القرار لن يغير من مكانة الصرح كمعلم حضاري يحتل مرتبة عالية على قائمة المعالم الحضارية المدرجة على قائمة منظمة اليونيسكو. 

تقنيا ومن المنظور الضيق لتفسير نصوص القوانين التركية يحق للسلطات التركية ما يسميه إردوغان حق "إعادة إحياء آيا صوفيا" التي يعتبرها الرئيس التركي بداية لصحوة إسلامية عالمية في ظل قيادته. ولكن جوهر قرار إردوغان هو أبعد بكثير من مجرد تنفيذ قرار قضائي، لأنه يتعلق بما يمكن تسميته بـ "عودة الروح الإسلامية" إلى تركيا بعد تخطي كل ما تمثله قيم الكمالية. 

قبل وصول إردوغان إلى السلطة كان هناك إجماع على أن مصطفى كمال هو أهم شخصية سياسية في تركيا منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية. الآن لا يوجد شك بأن الشخصية التركية التي تركت أثارها العميقة على تركيا كدولة وكمجتمع اسمها رجب طيب إردوغان، وهذه الشخصية تلف نفسها بغطاء قومي تركي وإسلامي عثماني.

إعادة إحياء آيا صوفيا يأتي في سياق الاستخدام المكثف للقوات التركية في "الولايات" العثمانية السابقة في سوريا والعراق وليبيا، وفي سياق إقامة قواعد عسكرية في دول مثل قطر وربما السودان. اللغة التي يستخدمها إردوغان لمناقشة قصية مثل آيا صوفيا مع شعبه أو مع العرب، كما يتبين من البيان القصير الذي وقعه بالعربية هي لغة الفتح واستعادة مجد الفتوحات الإسلامية وكأنه صلاح الدين القرن الحادي والعشرين. في المقابل البيان المكتوب بالإنكليزية ينضح بالتسامح واحترام التعددية والاعتدال والانفتاح. 

وهكذا بدأ إردوغان بيانه باللغة العربية "إحياء آيا صوفيا من جديد هي بشارة نحو عودة الحرية إلى المسجد الأقصى". طبعا وجود علاقات اقتصادية وتجارية هامة بين تركيا وإسرائيل هي مسألة أخرى. "إحياء آيا صوفيا هو بداية جديدة للمسلمين في كافة أنحاء العالم... إحياء آيا صوفيا هو سلام مرسل من أعماق قلوبنا إلى كافة المدن التي ترمز إلى حضارتنا بدءا من بخارى وصولا إلى الأندلس. إعادة فتح آيا صوفيا أمانة السلطان محمد الفاتح... هي بعث جديد قد تأخر". ويعتبر إردوغان أن تحويل آيا صوفيا إلى مسجد هو "أفضل رد على الهجمات الشنيعة التي تستهدف قيمنا الرمزية في كافة أنحاء المناطق الإسلامية".

ردود الفعل السلبية الصادرة عن الدول الأوروبية وخاصة اليونان التي لها علاقة تاريخية ودينية مع ما تمثله آيا صوفيا البيزنطية ومن الولايات المتحدة والفاتيكان، لم تكن لتصدر لو أعلنت تركيا أنها تريد على سبيل المثال العودة لاستئناف صلاة الجمعة في آيا صوفيا، ودعت المسيحيين من أرثوذوكس وغيرهم لإحياء قداس يوم الأحد. مثل هذه الخطوة كانت ستعتبر بالفعل اعترافا صريحا بما تعنيه الكاتدرائية للأرثوذوكس بالتحديد. 

آيا صوفيا تحولت إلى مسجد بعد أن محى العثمانيون آخر ما تبقى من حضارة عريقة استمرت لأكثر من عشرة قرون لا تزال آثارها حاضرة في شرق وجنوب البحر المتوسط، عندما اجتاحوا القسطنطينية وجوهرتها، كاتدرائية آيا صوفيا.

يلتقط صورة لإحدى السائحات في متحف آيا صوفيا قبل تحويله إلى مسجد

قبل أكثر من عشرين سنة زرت اسطنبول للمشاركة في مؤتمر حول الأمن في البحر المتوسط. وقمت بزيارة الكاتدرائية (المتحف) برفقة الباحث في شؤون الشرق الأوسط والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي وليام كوانت، والباحث السوري، المرحوم الياس سمعو، والباحث الروسي في شؤون الشرق الأوسط فيتالي نعومكين. وصلنا إلى الصرح قبل ربع ساعة من إغلاقه، وبالكاد أقنعنا المسؤولين، كأكاديميين أجانب، بأن يعطونا بعض الوقت لتفقد المتحف. 

عندما تقف في منتصف الكاتدرائية يرتابك شعور بالرهبة والجلالة. وأول وأكثر ما يدهشك هو المساحة الضخمة التي تحيط بها جدران لا يزال على بعضها تحف فسيفسائية أخاذة لرموز المسيحية، وتحميها قبة عالية وكأنها معلقة من السماء لأنك لا ترى جدران تحملها، في أفضل تعبير عن عبقرية الهندسة البيزنطية. 

حديث بعض المسؤولين المسلمين عن "حماية" الأقليات غير المسلمة في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، مهين وبائس

وقفنا تحت القبة نراقب بصمت وخشوع. وقلت لزملائي: نحن نقف في نفس المكان الذي كان يصلي فيه أباطرة الإمبراطورية البيزنطية لأكثر من عشرة قرون وبعدها على مدى خمسة قرون سلاطين الامبراطورية العثمانية. لا يضاهي هذه الكاتدرائية بجمالها وجلالها إلا مسجد قرطبة المستوحى من الجامع الأموي في دمشق والرائع بغابة أعمدته المصقولة برهافة لا مثيل لها ومحرابه الذي هو إعجاز فني.

المسؤولون الأتراك يرفضون الانتقادات الغربية (المسيحية) لإعادة إحياء آيا صوفيا كمسجد ويتحدثون عن "خبث" المجتمعات الأوروبية المسيحية التي حولت الجوامع في الأندلس والبلقان بعد هزيمة المسلمين إلى كنائس. العلاقات بين العرب والمسلمين وأوروبا معقدة ومتشعبة ولا يوجد فيها طرف بريء دائما وطرف مظلوم دائما. 

وهناك "تقليد" نراه يتكرر في أكثر من حضارة في لحظة انتصارها ضد حضارة أخرى. قبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس بنيا في الموقع الذي بني فيه معبد الملك سليمان. الجامع الأموي في دمشق بني على أنقاض كنيسة، بنيت بدورها على أنقاض معبد روماني. مسجد قرطبة بني فوق كنيسة بنيت بدورها فوق معبد روماني. الأعمدة الرومانية هي جزء من غابة الأعمدة الجميلة في المسجد. تعتبر كاتدرائية أشبيلية الكاثوليكية في إسبانيا ثالث أكبر كنيسة في العالم. الكاتدرائية المبنية وفقا للطراز الغوطي جاثمة فوق أنقاض مسجد بناه أحد الخلفاء الموحدين. العثمانيون الذين احتلوا مناطق واسعة من البلقان لقرون شاهدوا بعض مساجدهم تهدم أو تحول إلى كنائس بعد هزيمتهم وإخراجهم من تلك البلدان.

هناك استثناءات قليلة لهذا "التقليد"، أبرزها الموقف الحكيم للخليفة عمر بن الخطاب حين رفض أداء الصلاة داخل كنيسة القيامة لكيلا يحولها المسلمون بعده إلى مسجد بحجة أن خليفة المسلمين صلى فيها. ما فعله الخليفة عمر في القدس، لم يفعله محمد الفاتح في القسطنطينية. 

تحويل آيا صوفيا إلى مسجد تم في القرن الخامس عشر، وبناء كاتدرائية أشبيلية فوق أنقاض مسجد تم في القرن السادس عشر. القيم السائدة قبل 500 سنة أو قبل ألف سنة كانت تسمح لا بل تشجع المسلم المنتصر أو المسيحي المنتصر على السيطرة على أماكن العبادة للطرف المهزوم واستخدامها كما يحلو له. تاريخ الدينين المسيحي والمسلم حافلين بالغزو والفتح والسبي وبيع المهزومين في أسواق النخاسة، وفي الوقت نفسه الادعاء بالتمسك بقيم العدالة والتسامح والغفران. 

عندما ينظر المرء إلى خارطة حوض البحر المتوسط ويغمض عينية يمكن أن يتخيل الأساطيل التي عبرت هذه البحيرة الكبيرة من الشرق إلى الغرب وبالعكس قبل وبعد فجر الإسلام وهي تحمل الغزاة والتجار والقراصنة والحرفيين والعلماء وأصحاب المهارات والمواد الأولية التي كانت في جوهر النزاعات العسكرية من التوابل في القرون الوسطى إلى النفط في العصر الحديث. لو تحدثت حجارة المساجد والكنائس عما فعله "المؤمنون" عبر العصور باسم حماية دينهم الحنيف، لما بقي شيء للمخيلة.

يقول المسؤولون الاتراك إنهم سيصونون حرمة الرموز المسيحية في آية صوفيا وسوف "يحمون" هذه الرموز مثل اللوحات الفسيفسائية للسيد المسيح ووالدته مريم وغيرها. اللغة هنا هي لغة السيد الذي يحمي أتباع الديانات الأخرى، وخاصة "أهل الكتاب" (يحميهم من من؟ من الأكثرية المسلمة؟ من الأعداء في الخارج).

قرار إردوغان هو رسالة نابية للمسيحيين في تركيا وفي الجوار، ونكسة للقوى والأطراف المحلية والخارجية التي تسعى لاحتواء التطرف الإسلامي

حديث بعض المسؤولين المسلمين عن "حماية" الأقليات غير المسلمة في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، مهين وبائس. هذه لغة تنبذ قيم الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية. أنت تتسامح مع طفلك وتغفر له عندما يكسر صحنه أو لا ينصاع لتعليمات تهدف إلى مساعدته أو حين يتصرف بتهور. قيم الدولة المدنية المتنورة مبنية على مفهوم المواطنة الذي يتعامل مع المواطنين بالتساوي في ظل سلطة القانون الذي يفترض أن يسري على الجميع إن كانوا ينتمون إلى الأكثرية أو إلى الأقلية. هنا لا معنى لمفاهيم "التسامح" مع الضعيف أو حمايته.

ما فعله إردوغان في نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، بتحويل صرح آيا صوفيا من متحف إلى مسجد لا يوجد له أي مبرر ديني، لأن هناك طفرة من المساجد في اسطنبول. ما فعله إردوغان هو استغلال سياسي رخيص لرمز هام للمسيحيين والمسلمين لقرون عديدة، لإحياء شعبيته المتدهورة جراء أدائه الاقتصادي الرديء، ولتحويل الأنظار عن تحدياته الداخلية وتهوره العسكري الخارجي. 

إردوغان يتصرف كفاتح عثماني لم يتعلم أي شيء من تركة أتاتورك العلمانية وقيم أوروبا الليبرالية والإنسانية التي لم تكن مثالية بالمطلق، ولكنها قيم ضرورية لمجتمع متعدد الإثنيات والأديان مثل المجتمع التركي. 

قرار إردوغان هو رسالة نابية للمسيحيين في تركيا وفي الجوار، ونكسة للقوى والأطراف المحلية والخارجية التي تسعى لاحتواء التطرف الإسلامي الذي كانت "الدولة الأسلامية" الإرهابية التي دمرت مدن بكاملها في العراق وسوريا، والتي ساهم إردوغان بإرسال "مجاهديها" عبر حدود تركيا إلى العراق وسوريا، آخر التجليات الدموية لهذا التطرف.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.