People attend a demonstration at the Lincoln Memorial Reflecting Pool, protesting the death of George Floyd, who died in police…
متظاهرون في نصب لنكولن التذكاري في العاصمة الأميركية واشنطن

لا الوباء، ولا التنافس الصيني ـ الأميركي ولا أي عنوان خارجي اليوم هو بحجم وضخامة حدث مقتل جورج فلويد والتظاهرات المستمرة في الولايات المتحدة الأميركية، والتي بغض النظر عن الانقسام السياسي، هي محطة فارقة ومفصلية في المجتمع الأميركي.

ما تعيشه الولايات المتحدة منذ يوم الاثنين 25 مايو عندما أقدم الشرطي في مينيسوتا ديريك شوفين على رمي فلويد أرضا وتركه جثة هامدة بعد حوالي تسع دقائق من الضغط على رقبته، يوازي بتداعياته وحجمه خطوة ركوب روزا باركس في ديسمبر 1955 الباص مع البيض وفتحت الباب يومها لمعركة وحركة نحو إنهاء التمييز العنصري في الولايات المتحدة.

مقتل فلويد ليس الأول على يد الشرطة الأميركية ولن يكون الأخير، إنما فجر صرخة تخطت ولاية مينيسوتا ولن يعود المارد إلى القمقم من دون إصلاحات جذرية وقانونية تتعاطى مع ملفات العدالة القضائية وأسلوب الشرطة الأميركية. 

محطة فلويد هي منعطف أيضا كونها تأتي في خضم عام انتخابي أميركي، ما خلق مطبات أصعب أمام إعادة انتخاب دونالد ترامب

فالتظاهرات التي تشهدها الولايات الأميركية من نيويورك والعاصمة واشنطن شرقا إلى بورتلاند ولوس أنجلس غربا لا تنحصر بجريمة فلويد واعتقال شوفين ورفاقه اليوم وبدء المحاكمة.

الشاب الأسود الذي شارك اليوم باحتجاجات يومية في واشنطن يسأل "لماذا عليّ أن أعاني يوميا من لون بشرتي؟ لماذا يخافني البعض في الطريق إلى الجامعة؟". أسئلة تحيط ما معناه أن تكون بشرتك سوداء في الولايات المتحدة رغم القفزة القانونية والاجتماعية والسياسية الضخمة التي اتخذتها أميركا منذ الستينيات إلى اليوم.

الإصلاحات المطلوبة بعد مقتل فلويد تتطلب حوارا وحديثا مباشرا بين الأميركيين فرغم إنهاء التمييز العنصري قانونيا في الستينيات، هناك فصل بشري على الأرض في عدة مدن أميركية بين مناطق السود والبيض تعزز التفاوت الطبقي وتغذي الخوف بين الأميركيين. وزارة الدفاع الأميركية بدأت هذا الحوار بين القيادة والجنود، والكونغرس بدأ درس تشريعات تضع إصلاحات قضائية حول الشرطة وتحمي المتظاهرين.

محطة فلويد هي منعطف أيضا كونها تأتي في خضم عام انتخابي أميركي، ما خلق مطبات أصعب أمام إعادة انتخاب دونالد ترامب. فالرئيس الأميركي ارتكب أخطاء جمة في التعاطي مع ملف العنصرية والتظاهرات في الأيام العشرة الأخيرة، بينها عدم لقاء عائلة فلويد، وعدم العمل على توحيد الأميركيين ومحاولة تحدي المتظاهرين.

هذا النمط "الترامبي" قد ينجح مع الكونغرس إنما فشل بشكل ذريع في هذا الملف. فالجمهوريون اليوم بينهم السناتور ليزا ماكوسكي وميت رومني ينتقدون أداء الرئيس، أما جنرالاته الأقرب له سابقا مثل وزير الدفاع السابق جايمس ماتيس ومدير فريق البيت الأبيض سابقا جون كيلي فهم ينتقدونه علنا. حتى وزير الدفاع مارك أسبر تضارب مع الرئيس، وبعض حكام الولايات اختلفوا معه وسربوا الاتصال.

أسباب التظاهرات في الولايات المتحدة محصورة بالتجربة الأميركية وملفات العنصرية والتمييز وليس تغيير النظام، وهي جامعة الأقطاب عرقيا واجتماعيا

بدوره، جوزيف بايدن، المرشح الديمقراطي، فهو يبني على أخطاء ترامب في ملف فلويد والخروج بخطاب يوحد الأميركيين والاستعداد للقاء عائلة الضحية. المرشح الديمقراطي اليوم يمضي باتجاه اختيار امرأة من الأقلية الأفريقية الأميركية كنائبة للرئيس وذلك بسبب مستوى الاحتقان وضخامة ملف التمييز والعنصرية بعد مقتل فلويد.

هناك من يقارن اليوم بين ما يجري في الولايات المتحدة والشرق الأوسط ويزعم أن أميركا لم تعد ديمقراطية بسبب الوجود العسكري الضخم حول تظاهرات واشنطن وخطاب ترامب. هذه المقاربة خاطئة كون العلاقة بين الجيش الأميركي والشعب في التظاهرات تختلف عن أي دولة شرق أوسطية، ولم يسجل اليوم قتل متظاهرين بالنار الحي كما جرى في دول الربيع العربي، لا بل أن شرطة واشنطن لم تعتقل شخصا واحدا ليل الأربعاء. يضاف إلى ذلك أن أسباب التظاهرات في الولايات المتحدة محصورة بالتجربة الأميركية وملفات العنصرية والتمييز وليس تغيير النظام، وهي جامعة الأقطاب عرقيا واجتماعيا.

ما بعد مقتل فلويد ليس كما قبله في الولايات المتحدة. والتظاهرات مرجحة بالاستمرار في عام انتخابي وفي ظل قيادة فشلت اليوم في توحيد الأميركيين. أما في المدى الأبعد فالجريمة يجب أن تمهد لإصلاحات داخل الشرطة وانفتاح بين الأميركيين لكسر حاجز الخوف والجهل الذي يولد العنصرية.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.