من أغرب ما شهدناه في العقدين الفائتين في لبنان هو تلك العلاقة الغريبة العجيبة بين بيئة "حزب الله" ودولة قطر، ذاك أنها شهدت مسارا بهلوانيا يصيب متعقبه بدوخة وصداع.
اليوم عادت اللافتات إلى طريق مطار بيروت، تلك التي تُذيل فيها صورة أمير قطر تميم بن حمد بعبارة "شكرا قطر"، أي العبارة عينها التي راح فتية الحزب يمحونها في العام 2011 عندما أعلنت الدوحة انحيازها ضد نظام بشار الأسد. وقبل ذلك كان الحزب قد استضاف أمير قطر في لبنان الذي جاءه الأخير زائرا في أعقاب حرب يوليو في العام 2006، وفي حينها اعتبر الأمير الأب حمد بن خليفة "أمير المقاومة"، لكن سرعان ما انتزعت صوره العملاقة، وتحولت قناة الجزيرة إلى "قناة الخنزيرة" بحسب خطاب الممانعة!
تقودنا هذه الظاهرة إلى التأمل بهذه البنية الرخوة للمزاج الممانع، وإلى غياب الرؤية الصلبة لأي من خياراته، باستثناء المضمون المذهبي الذي يبدو أنه مؤشره الوحيد
اليوم عادت الصور إلى طريق المطار. الخصومة بين الدوحة والرياض أحد أسباب هذه العودة، والتقارب القطري الإيراني أيضا، وهذه العودة وإن نغصها الخيار القطري بالتحالف مع تركيا، إلا أن ثمة أسباب تملي العض على الجرح، ذاك أن اليتم الدولي الذي تشعر به "المقاومة" يجعلها تغض طرفا في الوقت الراهن عن نزوة الدوحة المتمثلة بعلاقتها في أنقرة. ثم أن صور الأمير الابن العائدة إلى طريق المطار هي أصغر هذه المرة من تلك التي علقت لوالده، وصغرها يفتح بابا للتراجع عنها، ولن يكون انتزاعها فادحا على نحو ما كانت فادحة انتزاع الصور الجدارية التي علقت لوالده في العام 2006.
تقودنا هذه الظاهرة إلى التأمل بهذه البنية الرخوة للمزاج الممانع، وإلى غياب الرؤية الصلبة لأي من خياراته، باستثناء المضمون المذهبي الذي يبدو أنه مؤشره الوحيد. ولا قيمة لأي سجال معه مهما انطوى على مفارقات تشبه مفارقة صورة الأمير تميم. لكن الظاهرة هذه تقودنا إلى ما هو أبعد من ذلك، فاستحضار الثنائي الشيعي الذي أطلق على نفسه اسم "الثنائي الوطني" معادلة أن "الدولة المدنية" التي ينادي فيها تقتضي أن تكون وزارة المالية من حصة الطائفة الشيعية، وهو ما أيدتهم به نخب "علمانية" ممانعاتية لم تشعر بأن مطلبا على هذا القدر من السفور المذهبي يتناقض مع ما تدعيه، هذا الاستحضار هو أيضا امتداد لهذه الرخاوة التي صارت في هذه المعادلة مراوغة محضة.
لطالما ترنح خطاب "المقاومة" في ظل ما ينطوي عليه من منازعات أهلية ومذهبية، ولطالما وجد مخارج لا تقل فداحة عن فداحة الصورة العائدة إلى طريق المطار. ها هو اليوم في أعلى مراحل تخبطه بالعبارات التي تصوغه. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انتقل بين ليلة وضحاها من منقذ إلى مستعمر، وسعد الحريري عميل، إلا أنه رئيس الحكومة المحبذ، وميشال عون رئيس مقاوم على رغم أن ثمة صور تجمعه مع ضباط إسرائيليين، وعلى رغم إطلاقه سراح آمر سجن الخيام عامر فاخوري. لا ثوابت في هذا الخطاب إلا الثابت المذهبي، ولا شيئا يردع عن انعطافة تصيب المراقب بالذهول.
على المرء أن يشعر بأسى من نوع آخر، هو ليس الأسى الذي تجره التسوية على الممانعين "الجوهريين"، إنما الأسى على حقيقة أننا مجتمع رخو لا يقوى على سؤال صورة
ثم أن الثابت المذهبي متغير بدوره، فتارة هو مرقد السيدة زينب الذي توجهت "المقاومة" لحمايته في دمشق، وتارة هو إقليم ناغورني قرة باغ الذي انحازت فيه المقاومة عدو الأذريين الشيعة. وهذا ما يدفع إلى التفكير بابتذال المبتذل، فالمذهبية في حقبة ابتذالها الأولى وُظفت في مشهد المنازعة مع خصوم المذهب البديهيين، لكنها تحولت لاحقا إلى أداة سياسية تجاوزت "مصالح الطائفة" إلى مصالح النخبة الممسكة بزمام الطائفة.
لكن ذلك يردنا إلى بؤس مستقبلنا في ظل استحالة بلورة منطق يستوي فيه الفعل مع معايير العقل العادي. لا قيمة لنقاش ظاهرة عودة صور أمير قطر بعد أن حُطمت صوره وصارت "محطة الجزيرة" قناة "الخنزيرة". ليس مهما أن تشعر بما شعرت به من ذهول حين تحول ماكرون بين ليلة وضحاها من منقذ إلى مستعمر. العقل ليس معيار مشاعر "الشعب"، وقادة المقاومة ليسوا معنيين بالمفارقة التي ترسمها كل هذه المشاهد غير المنسجمة.
لكن هذه المعادلة تنطوي أيضا على سهولة موازية، فـ"رخاوة" بنية الخطاب تنفي جوهرانيته، وتعطي فرصا لتجاوزه إذا ما نضجت ظروف إطاحته. شروط التسوية بهذا المعنى لا تحتاج إلى عملية إنضاجٍ اجتماعي، إنما إلى شروط سياسية.
وهنا على المرء أن يشعر بأسى من نوع آخر، هو ليس الأسى الذي تجره التسوية على الممانعين "الجوهريين"، إنما الأسى على حقيقة أننا مجتمع رخو لا يقوى على سؤال صورة.