A Lebanese protester sits in front of riot police in the capital Beirut on April 28, 2020, as anger over a spiralling economic…
عادت التظاهرات إلى شوارع لبنان في الأيام الماضية

يجري جدل واسع في لبنان بين من يعتبر أن الإطاحة بحاكم المصرف المركزي رياض سلامة مهمة طرحها "حزب الله" على الحكومة وعلى السلطة، وبين من يعتبر أن سلامة هو رأس هرم الفساد والإفلاس ويقتضي الإصلاح إطاحته. وفي هذا السجال تم توظيف طاقات مالية وسياسية وإعلامية جعلت من حاكم المصرف مناسبة شقاق استأنف حولها اللبنانيون انقساماتهم نفسها التي ما زالت تشتغل منذ سنوات وعقود. 

أهل الرأي الأول هم امتداد للمزاج الـ14 آذاري، وهذا المزاج تحول بعد ذوي هذا التحالف إلى شيء يمكن تسميته بـ"حزب الله سندروم"، أما أهل المزاج الثاني، فما زالوا هم أنفسهم، ممن يبحثون عما يسعفهم في غسل يد "حزب الله" وحلفائه من دم الدولة ومن فسادها.

والحال أن السعي لفصل مساري الفساد اللبناني عن بعضهما بعضا ينطوي على قدر من الفئوية دأب اللبنانيون خلال حروبهم المتواصلة على ممارستها، ثم عادوا والتأموا على القبول بها في مراحل الهدنة، وهي لم تفضِ يوما إلا إلى مزيد من الحروب ومزيد من الفساد ومزيد من القبول بأركان النظام. 

فرياض سلامة تولى في نهاية المطاف، عبر هندسات السطو والفساد، مد نظام "حزب الله" بموازنات مكنته من الاستمرار لسنوات إضافية كان من المفترض أن يتهاوى خلالها. والرجل حين قال بالأمس إنه تولى تمويل الدولة عبر سندات الخزينة لم يكن يكذب! لكن أي دولة وأي وظيفة لهذه الدولة تولى مصرف لبنان تمويلها عبر مدخرات المواطنين؟

الانجرار وراء انقسامات جديدة حول رياض سلامة، هو استجابة أيضا لحاجة "حزب الله" لعدو جديد بعد أن انفرط عقد العدو السابق

لنعد قليلا إلى الوراء، ولنستعرض الوظائف الرئيسة التي تولتها دولة الهندسات المالية تلك، وأي موقع للبنان اختارته. "حزب الله" كان القوة الأكبر في هذه الدولة، هو من قرر موقع لبنان الإقليمي والدولي، وهو من اختار للبنان رئيسه ورسم خطوط لبياناته الوزارية. هذه الدولة هي من شرّع للحزب مشاركاته في الحروب في سوريا والعراق واليمن، وهي من سهل عمليات الالتفاف على العقوبات على الحزب، وهي من غض طرفا على أدوار مالية بين لبنان والنظام السوري المعاقب دوليا، وعلى خط تحويلات مالية بين بيروت وبغداد. إنها دولة "حزب الله"، لكنها أيضا دولة رياض سلامة والبنوك التي ظهرت أسماؤها في تقارير غسل الأموال.

وإذا كانت ساعة رياض سلامة قد حانت، وأقدم "حزب الله" على غسل يديه من الوظائف التي أداها إليه الرجل، فإن الذهاب في التحليل إلى أن الحزب ينوي من وراء إطاحته تغيير طبيعة النظام الاقتصادي اللبناني في خطوة باتجاه جعله نظاما موجها يسهل على الحزب ربطه باقتصادات طهران ودمشق وبغداد، ينطوي أيضا على هرطقة مصدرها صدع نفسي أحدثه "حزب الله" بخصومه، فجعلوا يتخيلون سيناريوات تفترض أن الحزب خارج الانهيار الكبير الذي يشهده لبنان وتشهده المنطقة.

لا يملك "حزب الله" تصورا محددا للبنان في أعقاب الإطاحة بسلامة. فالحزب يتخبط أيضا بحقيقة ذوي مصادر تمويله. البيئة التي يمارس حضوره فيها أصيبت بدورها بالانهيار، وجاء كورونا ليضاعف من قوة هذه الإصابة. والحزب محاصر باحتمالات كارثية مصادرها تتعدى ما يجري في لبنان. انهيار أسعار النفط أصابه، وارتدادات كورونا على عواصم المحور ستكون أكثر تأثيرا عليه. 

معركة الدفاع عن رياض سلامة ليست أكثر من محاولة لإنتاج شروط شراكة جديدة مع "حزب الله"

أما القول بأن صرافون في الضاحية الجنوبية يتلاعبون بقيمة العملة اللبنانية، فهو افتراض لا يعني أن لدى الحزب خطة لتغيير طبيعة النظام الاقتصادي، كما أن إطاحة سلامة لا تعنيها بالضرورة. ليس لدى "حزب الله" تصورا محددا لطبيعة النظام الاقتصادي اللبناني. الفوضى قد تخدم حضوره ونفوذه، وتأمين قنوات للتهرب من العقوبات الدولية قد يكون أقصى طموحاته. بيئة الحزب أصيبت أكثر من غيرها بالـ"كابيتل كونترول"، ذاك أن المصارف اللبنانية كانت ملاذا وحيدا لودائعها، في حين أتيحت للبنانيين من غير هذه البيئة فرصة هروب إلى مصارف خارج لبنان.

"حزب الله" هو جزء من نظام الفساد في لبنان. لا بل هو القوة الأكبر فيه. هذا النظام يتخبط اليوم، وهو أصيب إصابة بليغة بفعل الانهيار المالي، وأفضت هذه الإصابة إلى انشقاقات فيه وإلى تصدعات ليست معركة إطاحة سلامة إلا أحد مظاهرها. والانجرار وراء انقسامات جديدة حول رياض سلامة، هو استجابة أيضا لحاجة الحزب لعدو جديد بعد أن انفرط عقد العدو السابق.

معركة الدفاع عن رياض سلامة ليست أكثر من محاولة لإنتاج شروط شراكة جديدة مع "حزب الله"، يستأنف عبرها حلفاء سلامة قبولهم بكونهم الشركاء الأصغر في هذه التسوية، ويستأنف عبرها "حزب الله" تصدره الدولة وأهلها.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.