A protester wearing a face mask showing the Lebanese national flag stands holding a national flag near flaming tires during a…
من تظاهرات ليل الخميس ـ الجمعة في بيروت

اقتصاد متهالك، فقرٌ وبطالة وغياب الاهتمام الدولي أو حتى الإقليمي في بلاد الأرز، عوامل تلوح بصيف قاتم وساخن في بيروت وتكشف عجز اللاعب الأقوى في لبنان، أي "حزب الله" عن إيجاد حل.

حرائق ليل الخميس من وسط بيروت إلى المصرف المركزي في طرابلس وما بينها من قطع طرق وتظاهرات تعبر عن غضب شعبي عارم والدخول فعليا في مرحلة الانهيار الاقتصادي والمالي في البلاد. سعر صرف الدولار تخطى الـ 6 آلاف ليرة هذا الأسبوع، أي أربع أضعاف القيمة المتداولة في يناير، والعجز المالي فوق 86 مليار دولار. 

الأرقام الحقيقة للبطالة تتخطى الـ 40 في المئة، ومظاهر الفقر التي تجتاح أزقة مدنه لم تكن بهذا المستوى حتى خلال الحرب الأهلية. ليس هناك مبالغة بالقول إن هذه الأزمة الاقتصادية هي الأسوأ في تاريخ لبنان منذ استقلاله.

"حزب الله" ليس السبب الأساس وراء أزمة لبنان إنما هو أحد رموزها وأي حل لأزمة لبنان سيطال موقعه وتجاوزاته فيما أوراقه باتت محدودة. الأزمة وليدة حكومات متعاقبة منذ التسعينيات أغرقت لبنان بديون من دون إصلاحات جذرية تهيئ لمعالجة مشاكل الفساد وبناء المؤسسات، وأوصلت اليوم لإفلاس تام.

الفوضى لا تناسب "حزب الله" رغم كونه الطرف الأكثر تنظيما في لبنان

تظاهرات ليل الخميس، والتي شارك فيها أنصار "حزب الله" كما معارضوه، كشفت حدود قدرة الحزب على الإمساك بالواقع اليوم. فحتى بعد تأليف حكومة حسان دياب المحسوبة على الحزب وشركائه بداية العام، الحزب غير قادر لا على استنباط حلول ولا فض الخلافات بين حلفائه ولا على كبت شارعه. وفي ليل الخميس ـ الجمعة اختار تنفيس بعض الاحتقان بإخراج تظاهرات تستهدف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة مع العلم أن الإطاحة به تتطلب أكثر بكثير من ضغط الشارع.

محدودية قوة "حزب الله" وعجزه عن إيجاد حل للمأزق اللبناني تعود لأربعة أسباب:

أولا، الحل المتعارف حوله دوليا عبر صندوق النقد الدولي مساره معقد وشبه مغلق اليوم بسبب الخلافات داخل الوفد اللبناني وعدم استعداد الحزب أو الطبقة السياسية للقيام بالإصلاحات المطلوبة. هذا الحل يبقى صوريا الأنسب لـ"حزب الله" لأنه قد يضمن أكبر نوع من الاستمرارية للواقع الحالي، لكن فعليا، فالشروط لمساعدة لبنان تستلزم ضغوطا على "حزب الله" ورقابة من الصندوق. وفي ظل الأزمة المالية الخانقة دوليا، ليس هناك استعدادات لتقديم تنازلات في هذا المجال بغض النظر عن اسم رئيس الحكومة اللبناني أو ارتباطاته الخارجية.

ثانيا، إقالة رياض سلامه أو حسان دياب لن تحل الأزمة، وهي كافية فقط لشراء بعض الوقت لـ "حزب الله" لتنفيس ضغط الشارع أو تركيب حكومة مماثلة والعودة إلى نقطة الصفر.

الرهان على شراء الوقت وتبدل المعطيات الدولية لن ينقذ بيروت ولن يسكت ثورة لن ترحم ظالميها وسارقيها

ثالثا، الفوضى لا تناسب "حزب الله" رغم كونه الطرف الأكثر تنظيما في لبنان. فبنية الحزب التحتية مركزها لبنان، وهو يستفيد من استقرار نسبي ووجود مؤسساتي ضعيف في البلاد وليس لديه القدرة على التحكم الكامل بالبلاد خصوصا أن الفوضى لن تحصن أي طرف داخلي أمام انهيار اقتصادي والاقتراب من فقدان الغذاء والدواء في لبنان.

رابعا، الحزب يواجه عقدة داخل تحالفاته. فالخلافات والمصالح المتضاربة بين تيار الرئيس ميشال عون وحركة رئيس مجلس النواب نبيه بري أغرقت "حزب الله" في وساطات وصفقات لإنقاذ التحالف الذي يبدو هشا أكثر من أي وقت مضى في الأعوام السبعة الأخيرة.

الجحيم الاقتصادي وصل لبنان وورقة الحل ليست بيد "حزب الله" ولا هو قادر على صرفها. المصلحة الوطنية تقتضي حكومة إنقاذ وتنازلات كثيرة من الحزب لإتمام الإصلاحات الأمنية والاقتصادية. عدا عن ذلك فإن الرهان على شراء الوقت وتبدل المعطيات الدولية لن ينقذ بيروت ولن يسكت ثورة لن ترحم ظالميها وسارقيها.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.