Iraqi demonstrators stage a symbolic funeral for slain Iraqi jihadism expert Hisham al-Hashemi, who was shot dead yesterday…
متظاهرون عراقيون يقيمون تشييعا رمزيا للهاشمي في ساحة التحرير

ربما علينا أن نبدأ من حيث أراد القاتل منا أن نبدأ، أي من الخاتمة التي اختارها لقصة هشام الهاشمي، الرجل الذي قُتل مساء يوم الاثنين أمام منزله في منطقة زيونة في بغداد. لقد قرر القاتل إنهاء حياة هشام في هذا اليوم وفي هذه الساعة وفي هذا المكان. هذه التفاصيل لا تعني للقاتل أكثر من كونها شروط عملية لمهمته، والمدينة، أي بغداد مفتوحة له ليفعل فيها ما يشاء. حين اقترب من سيارة هشام لم يكن قد أعد سلاحه لإطلاق النار. فعل ذلك عندما وصلت السيارة إلى محاذاته. هذا ما أظهره شريط الفيديو. لم تكن المهمة صعبة. الجريمة وقعت بمنتهى السهولة، كأننا أمام واقعة عادية تماما، تجري في أول المساء.

لكن كم يبدو قاسيا وحقيرا قرار بقتل رجلٍ بهذه السهولة بهدف إيصال رسالة إلى رجل آخر. الحاجة إلى العدالة تبدو هنا مضاعفة. قصة هشام لا تستحق هذه النهاية حتى لو كتب النهاية ألد خصومه وألد أعدائه. لكن القاتل أراد من وراء هذه النهاية أن يوصل رسالة لرجل آخر، رجل ما زال على قيد الحياة، رجل لن يقتله. هذا منتهى الجريمة ومنتهى انعدام الأخلاق، فما فعله القاتل هائل. لقد أنهى حياة رجل، وافتتح زمنا لمأساة غيابه. 

قد يبدو هذا الكلام نوعا من الصراخ والندب، وهو كذلك على كل حال، لكن كيف يمكننا أن نبلع جريمة، وكيف يمكننا نهضمها إذا ما كانت شديدة القرب منا. القاتل لا يقيم وزنا لما أصابنا، لكنه هذه المرة قتل من لا يعنيه موته.

قد يكون طلب العدالة في العراق في هذه الأيام ترفا غير واقعي، لكنه الأفق الوحيد أمام الضحية. أطفال هشام لديهم الآن قصتهم وقضيتهم، والعدالة تلوح من حيث لا ندري

حين تصبح الجريمة بابا لمقاومة حالٍ من الاستعصاء يعيشها القاتل، يصبح القتل فعلا مسعورا ومهددا للجميع. ويبدو أننا أمام مرحلة من هذا النوع. الضحايا لا يُقتلون لأن القاتل يريد شطبهم، إنما يقتلون لكي يستعاض بجثامينهم عن الكلام وعن الإفلاس وعن الفشل وعن انسداد الأفق. وبهذا المعنى كلنا في هذا المشرق مرشحون لأن نكون رسائل. فالأفق مقفل والكارثة تتسارع خطواتها، ومن غير المهم أن يصل هشام إلى أطفاله الثلاث في المنزل الذي قتل تحت شرفته. على هذا النحو تتحول رواياتنا الصغرى إلى تفاصيل يمكن أن تطحنها الرواية الكبرى، رواية الفشل والاستبداد والجريمة المنظمة.

هذا هو المعنى الحقيقي لغياب العدالة، ولانعدامها في ثقافة القاتل. القصة الصغرى هي ميدان العدالة الأول. حين يشعر القاتل أن بإمكانه أن يقتل، فذلك ناجم عن معرفته بأن العدالة مختلة، وأن لا مكان لها في القصة الكبرى. أن تقتل يعني أنك بلا قضية وبلا قيم، وأن الحق لا يمثل شيئا بالنسبة إليك. ولا بد هنا من العودة إلى ما يعنيه غياب هشام عن أولاده، فالكلام عن قيمة الرجل كباحث وكصاحب رأي سينساه القاتل بعد أيامٍ، وربما ننساه نحن قراء هشام ومتابعيه، لكن وقع الغياب ووقع الجريمة سيلازم العائلة والأطفال طوال حياتهم، وهذا ما لا قيمة له على الإطلاق في وعي القاتل، ولم يكن اعتبارا من اعتباراته حين كان يعد للجريمة.

حين تصبح الجريمة بابا لمقاومة حالٍ من الاستعصاء يعيشها القاتل، يصبح القتل فعلا مسعورا ومهددا للجميع

العدالة هنا، في حال وجدت، كان لها فعلا تعويضيا. القاتل كان مكشوف الوجه، وأقدم على فعلته تحت عدسات كاميرات الحي. مهمة جلبه لن تكون مستحيلة إذا ما توفرت قيم العدل، وتقدمت على قيم السياسة والمذهب والانقسام.

قد يكون طلب العدالة في العراق في هذه الأيام ترفا غير واقعي، لكنه الأفق الوحيد أمام الضحية. أطفال هشام لديهم الآن قصتهم وقضيتهم، والعدالة تلوح من حيث لا ندري. 

بالأمس عثر المخرج السوري فراس فياض على جلاده في برلين، وواجهه في محكمة ألمانية. قال فراس إنه أحس في هذه اللحظة بأنه بدأ رحلة الشفاء، وأن العدالة ستتولى مداواة الجروح التي لم تندمل على رغم انقضاء سنوات على المأساة.

الانتقام لهشام لن يكون فعلا مجديا إذا ما تم في ظل ثقافة القاتل وفي ظل منطقه. العدالة التي ستُشفي الأطفال الذين قتل والدهم تحت شرفة المنزل الذي كانوا فيه، هي أن يوفر لهم العراق فرصة للاقتصاص ليس من القتلة فحسب، إنما من قيم القتلة ومن ثقافتهم. 

لكن، ليس هذا ما نحن بصدده في العراق وفي سوريا وفي لبنان. فالجريمة هي الأفق، ووراء هشام عشيرة وطائفة وأهل، سينتظرون أن يتيح الزمن لهم فرصة لكي ينتقموا، والزمن دوار في هذه المنطقة البائسة، وابن خلدون ما زال يصلح لتفسيرنا.

إنبوب النفط العراقي

رغم حالة الغموض التي تكتنف مسار العلاقات بين العراق وسوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي، يبرز بين حين وآخر حديث عن محاولات لفتح صفحة جديدة من التعاون بين البلدين.

إحدى أهم الخطوات في هذا المجال المساعي لإحياء خط أنابيب النفط العراقي المار عبر سوريا.

وبدأت الحكومة العراقية رسميا، في أبريل الماضي، محادثات مع الجانب السوري لاستئناف تصدير النفط عبر ميناء بانياس السوري المطل على البحر المتوسط. وقد زار وفد عراقي رفيع المستوى دمشق لمناقشة خطط إعادة تأهيل الخط الذي ظل معطلا لعقود بسبب الحروب والإهمال.

وفي 25 أبريل، أعلن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي أن وفدا حكوميا برئاسة حميد الشطري، رئيس جهاز المخابرات، وصل إلى دمشق بتوجيه من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، والتقى بالرئيس السوري أحمد الشرع وعدد من المسؤولين السوريين.

وذكر البيان أن المباحثات شملت قضايا متعددة من بينها مكافحة الإرهاب، تعزيز أمن الحدود، والأهم من ذلك، بحث إمكانية إعادة تشغيل خط أنابيب النفط الواصل بين كركوك وبانياس.

مصالح استراتيجية مشتركة

يقول مظهر محمد صالح، مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الاقتصادية، لقناة "الحرة" إن بغداد ودمشق تتشاركان الرغبة في استئناف تشغيل الخط، الأمر الذي سيعود بالنفع على البلدين وعلى لبنان أيضا.

"المناقشات بين الحكومتين مستمرة منذ فترة، وقد شهدت مؤخرا تقدما ملموسا على مستوى اللجان الفنية".

ويضيف صالح أن التركيز الحالي منصب على الجوانب اللوجستية والفنية والقانونية، لا سيما إعادة تأهيل البنية التحتية وضمانات الأمان اللازمة لتشغيل الخط بشكل مستدام.

ويؤكد أن إعادة تشغيل الخط ستسهم في تسريع خطة العراق لتنويع مسارات تصدير النفط، خصوصا نحو الأسواق الأوروبية:

"خط كركوك–بانياس يمنح العراق مرونة استراتيجية وتكلفة أقل، خاصة في ظل التحول الإقليمي نحو الاستقرار والتنمية المستدامة".

ويشير صالح إلى أن هذا المشروع يمكن أن يعزز الاستثمار في قطاع النفط العراقي ويساعد البلاد على الوصول إلى هدف إنتاج 6 ملايين برميل يوميا، تماشيا مع الطلب العالمي المتزايد في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية.

خلفية تاريخية

أُنشأ خط أنابيب العراق–سوريا عام 1934، بطول نحو 900 كيلومتر، ويمتد من حقول كركوك شمالي العراق مرورا بالأراضي السورية. وكان ينقسم إلى فرعين: أحدهما ينتهي في بانياس، والآخر في ميناء طرابلس في لبنان.

وقد شكل هذا الخط مسارا حيويا لتصدير النفط خلال القرن العشرين، حتى أوقفه النظام السوري عام 1982 أثناء الحرب العراقية–الإيرانية. ومنذ ذلك الحين، اعتمد العراق على مسارات أخرى مثل خط العراق–تركيا (ITP).

لكن أجزاء كبيرة من خط كركوك–بانياس تعرضت للدمار والسرقة، خاصة في المناطق السورية المتأثرة بالحرب، ولم يضخ العراق أي نفط عبر الأنبوب منذ أكثر من 40 عاما.

تحديات

يرى خبير الطاقة غوفيند شيرواني أن محاولات إحياء خط كركوك–بانياس مدفوعة حاليا باعتبارات سياسية أكثر من كونها اقتصادية أو تقنية.

وفي حديثه لـ"الحرة"، يحدد شيرواني ثلاثة عوائق رئيسية:

أولها الأمن، إذ يمر الخط عبر مناطق لا تزال خارج سيطرة الحكومة السورية، حيث تنشط خلايا داعش وجماعات مسلحة أخرى".

ويحذر شيرواني من أن ضمان الأمن الكامل على طول المسار شرط أساسي لأي تقدم.

العائق الثاني يتجسد في الحالة الفنية. ويشير خبير الطاقة إلى أن الخط الحالي "قديم، متآكل، وتعرض للتلف في عدة مناطق بشكل لا يمكن إصلاحه". هناك حاجة لإنشاء خط جديد كليا أو تعديل المسار بناء على الوضع الميداني.

وأخيرة العائق المالي، فبناء خط جديد بطول 800 كيلومتر سيستغرق من سنتين إلى ثلاث سنوات، وسيتطلب ميزانية تتراوح من 4 إلى 5 مليارات دولار، تشمل الأنابيب ومحطات الضخ ومراكز المراقبة والأمن.

خيارات بديلة

تزامنت عودة الاهتمام العراقي بالمسار السوري مع استمرار المفاوضات بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان والشركات الدولية لاستئناف صادرات النفط عبر تركيا، والتي توقفت منذ أكثر من عامين بقرار من محكمة التحكيم الدولية في باريس لصالح العراق في نزاعه مع تركيا بشأن صادرات نفط الإقليم.

وأوضح شيرواني أن مقارنة خطي بانياس وجيهان التركي أمر طبيعي، لكنه أضاف: "خط جيهان جاهز من الناحية الفنية، والعوائق أمامه محدودة تقنيا وماليا، أما خط بانياس فهو مشروع جديد تماما ويتطلب دراسة جدوى اقتصادية كاملة".

ومع ذلك، يرى شيرواني أن كلا المسارين مهمان ويتوافقان مع سياسة العراق الرامية إلى تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على الممرات المهددة في منطقة الخليج، خاصة مع التوترات المستمرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما الإقليميين.

وبحسب خبراء اقتصاديين تحدثوا إلى "الحرة"، فإن إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس قد تحقق عوائد مالية كبيرة لسوريا، من خلال خلق آلاف من فرص العمل، والمساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، إضافة إلى دعم سوق الوقود المحلي عبر تكرير النفط العراقي بأسعار مخفضة في مصفاة بانياس.

العقبة الإيرانية

يؤكد المستشار الاقتصادي السوري، أسامة القاضي، أن المشروع اقتصادي في جوهره، لكنه معقد سياسيا وأمنيا، خاصة بسبب النفوذ الإيراني في العراق.

يقو القاضي إن المشكلة لا تتعلق بالبنية التحتية فقط، بل بوجود فصائل داخل العراق تعارض الحكومة السورية الجديدة، وتعتبرها دمشق أدوات إيرانية.

"طالما بقيت هذه الأطراف نشطة، لا أعتقد أن المشروع سيمضي قدما، حتى وإن تم توقيع الاتفاق".

ويرى القاضي أن على بغداد اتخاذ موقف واضح ضد التدخلات الخارجية. ويلفت إلى أن التوترات الطائفية ما زالت تعيق التعاون الإقليمي.

تفاؤل حذر

رغم أن إعادة إحياء خط كركوك–بانياس يمثل فرصة استراتيجية واقتصادية وجيوسياسية لكلا البلدين، لا تزال العقبات أمام تحقيقه كبيرة. ويعتمد التقدم في هذا المشروع على حلول هندسية واستثمارات مالية، إلى جانب تحسين الوضع الأمني وتسوية النزاعات السياسية العالقة.

في الوقت الراهن، يُعد المشروع اختبارا لإمكانية الاندماج الاقتصادي الإقليمي، وقدرة الدول الخارجة من النزاعات على التحول نحو تعاون مستدام.