A man bakes bread inside a bakery in Sidon, southern Lebanon July 1, 2020. REUTERS/Ali Hashisho
أدى تراكم الفشل هذا إلى تدهور كارثي على المستويات المالية والاقتصادية والمعيشية

عندما شكّل "حزب الله" الحكومة الحالية، كان مضطرا. لم تكن أمامه خيارات كثيرة. كان عليه، إما أن يرضخ لشروط لا تناسبه طلبها مرشحون "طبيعيون" لترؤس حكومة تحل مكان الحكومة المستقيلة لمصلحة الشارع المنتفض، وإما أن يلجأ إلى حكومة تضمه وتابعيه وحلفاءه، مؤلفة من شخصيات ممسوكة، جرى تمويه حقيقتها السياسية بأقنعة التكنوقراط.

"المرشحّون الطبيعيون" لترؤس الحكومة، كانوا مقتنعين، بفعل الخبرة المرّة، أن كل حكومة لا تتمتّع بميزتين، هي حكومة ستولد ميتة.

الميزة الأولى أن تتشكّل، فعليا لا تمويها، من اختصاصيين مستقلين وذوي خبرة مشهود لها في مجالاتهم، قادرين على التفاعل الإيجابي مع الداخل والخارج.

الجثة الحكومية تتحلّل، وتفوح منها الروائح النتنة، وتنشر في الأجواء أخطر أنواع الميكروبات والفيروسات

الميزة الثانية، أن عدم عداء الحكومة لـ"حزب الله" لا يعني أن على "حزب الله" أن يبقي "متمترسا" مع "الحرس الثوري الإيراني"، بطريقة حوّلت الوعد اللبناني الرسمي بتحييد لبنان عن صراعات المنطقة ومحاورها، إلى سخرية كونية.

ولكن "حزب الله" لم يكن مستعدا لهذا التراجع الذي من شأنه أن يفتح كوّة في الحائط المسدود الذي بدأ يضغط بشكل خطر على لبنان، شعبيا وماليا واقتصاديا واجتماعيا، فهرب إلى الأمام بتشكيل هذه الحكومة من شخصيات تعتبر بالمعايير الديموقراطية "خطرة جدا" لأن لديها الكثير ممّا ترجو ربحه وليس لديها حتى القليل لتخشى خسارته.

في هذا الخيار، ركز "حزب الله" على وضعيته كجزء من المجهود العسكري الإيراني في "الأمة الإسلامية"، وأهمل وضعية دولة لبنان التي تحتاج إلى إنقاذ سريع وفعّال.

"الشرق" للتمويه

وحتى يبرئ نفسه من كارثة "بلا قعر" وقعت فيها البلاد، أطلق الحزب نظرية سمّاها "التوجه شرقا"، أي استبدال الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والخليج العربي، بكل من الصين وإيران والعراق وسوريا، متبنّيا بذلك، السيناريو الذي سبق واعتمده الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، على سبيل المثال لا الحصر، عندما واجه الولايات المتحدة الأميركية بلجوئه إلى الاتحاد السوفياتي.

وهذا سيناريو لم يوتِ سوى ثمار كارثية في مصر التي كانت مهووسة بالتفتيش عن موارد أسلحة، مع أن العالم كان يعيش في ظلّ ثنائية قطبية شملت بين ما شملت التوجهات الاقتصادية، فماذا يمكن أن تكون عليه الحال في عالم كالذي نعيشه، حيث المشكلة ليست في سباق التسلّح بل في لقمة العيش؟

إن بكين، ولو كانت تحاول أن تنتزع قيادة العالم من واشنطن، إلا أنها في تعاطيها التجاري والاستثماري والتنموي مع دول العالم، تعتمد النظام نفسه الذي يعتمده الغرب، في حين أن سوريا وإيران تعيشان أسوأ أيامهما المالية والاقتصادية والاجتماعية، في ظل عقوبات ضاغطة، بينما العراق يمر بأزمة عميقة على كل المستويات، ويحتاج إلى العملة الصعبة غير المتوافرة في لبنان وإلى الغذاء الذي لا يمكن للبنان أن يوفّره للمقايضة مع الموارد النفطية، بلا توافر عملات صعبة لديه، لأن صناعته تطلّب استيراد مواد أولية كثيرة.

دياب..."الطروادي"

وما طرحه "حزب الله" حتى لا يُدخل تغييرات على وظيفته العسكرية في الإقليم، بدأ رئيس الحكومة حسّان دياب، ومن أجل إطالة بقائه في موقع عرف أن خسارته باتت محسومة، التلويح باعتماده، غداة إقدامه على شنّ هجوم غير مسبوق في تاريخ لبنان على البعثات الدبلوماسية لدول تربطها بلبنان ما سمّاه بنفسه "الأخوة والانتماء والصداقة"، متّهما إياها بالتآمر على البلاد.

وحسّان دياب الذي ينظر إليه بعض الداخل وكل الخارج على أنه "حصان طروادة" لـ"حزب الله" عجز عن نيل موعد واحد في الخارج وعن  إقامة تواصل تنسيقي مع أي دولة في العالم، فيما حكومته فشلت في توحيد القوى التي تشكلها على تشخيص واحد للأزمة وأرقامها، مما أضعف موقف لبنان كثيرا أمام وفد صندوق النقد الدولي، ناهيك بما قدّمته هذه الحكومة من أدلة على عجزها عن الإصلاح وتجلّى ذلك، في مناسبات كثيرة، ومن بينها إدارة أكبر ملف هدر في لبنان، وهو الكهرباء، بحيث تراجعت، لمصلحة رئيس الجمهورية، عن قرار رفض إقامة معمل كهربائي مكلف للغاية وغير ضروري أبدا، في بلدة سلعاتا، واعتمدت "المحسوبية" و"المحاصصة" في التعيينات الإدارية والمالية، وأفشلت مساعي مجلس القضاء الأعلى لإصدار تشكيلات قضائية تعيد شيئا من الثقة المفقودة في قضاء متّهم بأنه يتخذ قرارات غب الطلب لمصلحة "حزب الله" هنا ولمصلحة فريق رئيس الجمهورية، هناك.

وأدى تراكم الفشل هذا إلى تدهور كارثي على المستويات المالية والاقتصادية والمعيشية.

ثلاثية "حزب الله"... المنهارة

وإذا كان قد جرى إحباط الانتفاضة الشعبية بالقمع هنا وبالحيلة هناك، فإن البلاد سقطت فريسة الفوضى، بحيث يغير الغاضبون على الشوارع والساحات والوزارات، وسط ارتفاع كبير في معدّل الجريمة والانتحار.

وبرعاية "حزب الله" أصيبت "ثلاثيته" الشهيرة بضرر كبير: الشعب، الجيش و"المقاومة".

إن الشعب يشكو من مصّ دمائه، والجيش يشكو من "أكل لحمه"، فيما "المقاومة" ـ وهو الاسم الذي يطلقه "حزب الله" على ميليشياته المسلّحة ـ تتباهى بأنها الوحيدة القادرة على توفير الدولارات، حتى بدا أنه لتحيا "المقاومة" بات لزاما أن يموت الشعب ويتضعضع الجيش.

"حزب الله" سوف يذهب بنهجه الى الآخر، بغض النظر عن الكلفة الباهظة على اللبنانيين الذين لا يعيرهم اهتماما أكبر من السوريين والعراقيين واليمنيين والإيرانيين

وهكذا، أصبحت الحكومة اللبنانية جثّة سياسية، لكنّ دفنها مرجأ حتى العثور ـ وهو متعثّر حاليا ـ على من يتولّى هذه المهمة.

وصعوبة إيجاد حكومة بديلة عن "الحكومة المتوفاة"، تكمن في الأسباب نفسها التي أنتجتها.

وفي الانتظار، فالجثة الحكومية تتحلّل، وتفوح منها الروائح النتنة، وتنشر في الأجواء أخطر أنواع الميكروبات والفيروسات.

خيارات "حزب الله"

وهذا يعني أن "حزب الله"، وبنتيجة رعايته لهذه الحكومة، دخل في مأزق حقيقي، فما هي الخيارات المتاحة أمامه للخروج منه؟

البعض يتحدّث عن حرب مع إسرائيل، لكنّ كثيرين يستبعدون ذلك، فالحزب لديه قدرة قتالية وصاروخية، ولكن يفتقد إلى الإمكانات الهائلة التي تتطلبها الحرب نفسيا وشعبيا ووطنيا وماليا، فيما السلطة التي يفترض أن تحمي لبنان، في الأروقة الدولية، ساقطة معنويا.

وإسرائيل "الموحّدة" بحكومة والثرية نسبيا والتي تقيم علاقات مميّزة مع الصين وروسيا، تُدرك ذلك.

البعض الآخر يتحدّث عن "عقلنة" الحزب لما فيه مصلحة لبنان المالية والاقتصادية والمعيشية، ولكنّ كثيرين يستغربون هذا الطرح، فالحزب بعقيدته ودوره ليس لبنانيا، بل هو إيراني بامتياز، وما يأمر به "الولي الفقيه" هو الذي يسري وليس ما تفترضه المصلحة الوطنية.

ويبقى الخيار الثالث، وهو "الهروب إلى الأمام"، أي أن "حزب الله" سوف يذهب بنهجه الى الآخر، بغض النظر عن الكلفة الباهظة على اللبنانيين الذين لا يعيرهم اهتماما أكبر من السوريين والعراقيين واليمنيين والإيرانيين، فجوع هؤلاء مجرد تضحية ضرورية، من أجل انتصار الجمهورية الإسلامية في إيران.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.