An anti-government protester walks next to security forces holding a Lebanese flag during ongoing protests, outside the…
تظاهرة أمام المحكمة العسكرية في بيروت

في لبنان اعتقاد سائد مفاده أن أي اتصال يقوم به أي لبناني مع أي إسرائيلي، خارج عن القانون ومحظور. في التشريعات اللبنانية "قانون مقاطعة إسرائيل"، وهو تبني لبناني لقرار جامعة الدول العربية للعام 1951، الذي يحرّم أي نشاطات مالية أو تجارية مع إسرائيل، وينص على مقاطعة أي شركات عالمية تتعامل مع إسرائيل.

منذ صدور قرار المقاطعة العربية، تضاعف حجم الاقتصاد الإسرائيلي عشرات الأضعاف، لتصبح إسرائيل صاحبة رابع أكبر اقتصاد في المنطقة، بعد السعودية وتركيا والإمارات، متقدمة على إيران ومصر والعراق. 

ومنذ صدور القرار، تلاشى قرار مقاطعة الشركات التي تتعامل مع إسرائيل، فإيران مثلا، تشتري الطائرات وقطع الغيار من شركتي بوينغ الأميركية وإيرباص الأوروبية، من دون أن تتحرج أن الشركتين تتعاملان مع إسرائيل. حتى على صعيد الأفراد، لا يقاطع المقاطعون فيسبوك، الذي يعمل في إسرائيل، ولا شركتي آبل وسامسونغ، اللتين تبيعان بضائعهما في إسرائيل، ولا شركات كثيرة أخرى تفعل الشيء نفسه.

في تاريخ الحروب، يندر أن منعت الدول المتخاصمة مواطنيها من التواصل وإقامة علاقات وصداقات مع مواطني الدولة العدوة

في لبنان أيضا، ينص قانون العقوبات، في الشق المتعلق بـ "الصلات غير المشروعة مع العدو"، بالسجن "سنة على الأقل… لكل لبناني وكل شخص في لبنان من رعايا الدول العربية يدخل مباشرة أو بصورة غير مباشرة وبدون موافقة الحكومة اللبنانية المسبقة بلاد العدو حتى وإن لم يكن المقصود من دخوله أحد الأعمال" التجارية. ومن نافل القول إن قانون العقوبات اللبناني يعاقب "بالأشغال الشاقة المؤبدة" سرقة وثائق أو معلومات تتعلق بسلامة الدولة "لمنفعة دولة أجنبية".

هذا يعني أن القوانين اللبنانية تحظر التجارة مع اسرائيل أو مواطنيها، وتحظر زيارة إسرائيل، أو التجسس لمصلحتها ـ أو لمصلحة أية دولة أجنبية ـ على دولة لبنان. عدا عن ذلك، تخلو القوانين اللبنانية من أي عقوبات على لبنانيين ممن قد يتصلون بإسرائيليين، عبر وسائل الاتصالات، أو مقابلتهم شخصيا ومصادقتهم في دولة ثالثة. حتى قوانين حظر زيارة لبنانيين إسرائيل، وزيارة إسرائيليين لبنان، سبق أن تم تجاوزها مرارا، مثل في زيارة بطريرك الموارنة بشارة الراعي إلى إسرائيل، وزيارات الإسرائيلي عزمي بشارة، يوم كان عضوا في الكنيست، إلى لبنان.

في تاريخ الحروب، يندر أن منعت الدول المتخاصمة مواطنيها من التواصل وإقامة علاقات وصداقات مع مواطني الدولة العدوة. مثلا، يندر أن تمنع الولايات المتحدة مواطنيها من زيارة دول مصنفة عدوة، مثل إيران أو كوريا الشمالية، كما يندر أن تمنع الولايات المتحدة إيرانيين أو كوريين شماليين، ممن يحملون تأشيرات، دخول الأراضي الأميركية، ولا سبب مقنع لما يتمسك لبنان بقوانين ضد العلاقات مع إسرائيليين وزيارة إسرائيل. مكافحة الجاسوسية أمر مشروع لكل دولة، لكنها لا تعني منع شعبين من التواصل بشكل تام.

لي في اسرائيل أصدقاء راكمتهم منذ هجرتي إلى الولايات المتحدة. أحدهم ماروني من القرى الشمالية المعروفة بالسبعة، التي يدعي بعض اللبنانيين أنها لبنانية محتلة. يخبرني أن بعض الموارنة الإسرائيليين يزورون مواقعهم المقدسة في لبنان، غالبا بجوازات غير إسرائيلية، ويعانون أثناء زيارتهم لبنان من محاولاتهم كبت كلمات عبرية تتفلت منهم أثناء أحاديثهم مع بعضهم البعض.

ولي في الجولان صديق سوري، يواظب على دعوتي لأزوره في مجدل شمس، وهي إحدى الأماكن التي أتشوق زيارتها، لكني أمتنع عن ذلك لتفادي أي مسؤولية قانونية عند زيارتي لبنان.

ولي في حيفا صديقة إسرائيلية من يهود العراق، تصادقت وعائلتي معها وعائلتها في واشنطن. كنا نسهر ونتسامر ونتحدث في الصراع، وفي الثقافة، وفي الأديان، وفي التطرف، اللبناني كما الإسرائيلي، وفي الاعتدال في البلدين كذلك، وفي محبي السلام على جهتي الحدود، وفي مبغضيه.

ولي في القدس صديق يذكرني دائما أن غرفتي جاهزة في بيته يوم أزوره. هو إسرائيلي ساع للسلام ومؤلف كتاب "رسائل إلى جاري الفلسطيني". قرأت كتابه وكتبت اليه رسالة مفتوحة، ونشأت بيننا صداقة، وصرنا نتحادث بالفيديو عبر الإنترنت. يوسي كلاين هاليفي ليس راضيا عن مواقف رئيس حكومته بنيامين نتانياهو، ولا أنا راض على سياسة حاكم لبنان حسن نصرالله.

لا أدري لما يتصور الممانعون في لبنان أن كل الناس عسكر، إما يقاتلون وإما يتجسسون، وكأنه لا يصدف أن يكون البشر مواطنين عاديين، لهم آراء في الصراع مع إسرائيل بدون أن يكونوا منخرطين فيه، يمكنهم التواصل مع إسرائيليين، والاختلاف معهم في الرأي، فخلاف الرأي لا يفسد في الود قضية. 

وطالما أن المواطنين ـ لبنانيين أو إسرائيليين ـ غير متورطين في أعمال قتالية أو جاسوسية، لا سبب لمنعهم من التواصل وزيارة بعضهم البعض، وإقامة صداقات على صعيد إنساني، واجتماعي، وثقافي، فحروب إلغاء الآخر، واقتلاعه، ومحو هويته وثقافته، وإبادة سلالته، هي من الحروب البربرية التي تنتمي إلى زمن ولى.

مصداقية القضاء اللبناني منعدمة، فهو قضاء ما يزال يبحث عن قتلة رئيس حكومة سابق بطنين من المتفجرات في بيروت قبل 15 عاما، وعن قتلة سياسيين وصحافيين وعسكر

في لبنان، قامت السلطات باعتقال ناشطة اسمها كيندا الخطيب بتهمة التعامل مع إسرائيل. ما تزال التهمة غير واضحة، لكن وسائل الإعلام أشارت إلى زيارة يمكن أن تكون كيندا قامت بها لإسرائيل. وكيندا من معارضي "حزب الله" على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يقلّص من فرضية كونها تتعاطى الجاسوسية، فالجواسيس غالبا ما يتصرفون كأهل البيت، ويتفادون لفت الأنظار إلى آرائهم. وكيندا من قضاء عكاّر شمال البلاد، الذي يبعد كثيرا عن "حزب الله" والعاصمة والجنوب وأي ما يمكن أن يفيد إسرائيل.

ثم أن مصداقية القضاء اللبناني منعدمة، فهو قضاء ما يزال يبحث عن قتلة رئيس حكومة سابق بطنين من المتفجرات في بيروت قبل 15 عاما، وعن قتلة سياسيين وصحافيين وعسكر. وقبيل اعتقال كيندا، وقع انفجار قرب موكب رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، وما يزال القضاء غافلا عن الأمر. هو قضاء له مئة عين لترصد أي اتصال ودي بين لبنانيين وإسرائيليين، ولا عين واحدة لتكشف القتلة أو الفاسدين من علية القوم.

تنص المادة 288 من قانون العقوبات اللبناني: "يعاقب بالاعتقال المؤقت من خرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب". نصرالله يصرخ ليل نهار مهددا إسرائيل بالحرب والدمار، والقضاء لا يرى في ذلك خرقا لتدابير حياد لبنان. العدالة لا يمكنها أن تكون مجتزأة. إما شاملة، أو لا تكون.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.