تحدثت في أكثر من مناسبة عن المضامين العنفية/ الإرهابية في تراث ابن تيمية، مُعقّبا: بالتأكيد/ بالتوثيق وبالإضافة وبالتأييد وبالتوضيح، على ما طرحه كثيرون في هذا المجال؛ حتى ظننت أن الصورة أصبحت واضحة لمن يريد معرفة الحقيقة كما هي، وحتى قدّرت أن تَمَثّلات تراثه في الأذهان لن تصبح إيجابية ـ بمعايير المقاربة: الإنسانية والشرعية والأخلاقية ـ؛ إلا لدى أولئك التقليديين الأثريين المتطرفين الذين لا يتصوّرن المعنى الوجودي لذواتهم إلا بوصفه معنى مُتَمَفْصِلا على تديّن قروسطي يتشرعن بمقولات التبديع والتضليل والتكفير والإقصاء والعنف والتشدد والانغلاق.
هكذا ظننت أن الأمور باتت واضحة، وأن الفكر التيموي لن يجد قبولا له عند أحد؛ إلا عند متطرف ديني اعتقدَ التطرف سلفا، ثم ذهب يبحث لتطرفه عن تراث قديم يتشرعن به؛ حتى لا يُرْمَى بتهمة "الابتداع". أما الأسوياء، أما الذين يقفون على خط الحياد الديني احتفاظا بالمشترك العام بين المذاهب، أما الأبرياء أصالة بحكم أصالة المبادئ الإنسانية العليا؛ فالنفور من تراث عنفي إقصائي هو المسلك الطبيعي، وبالتالي، هو المتوقع؛ لولا تجاذبات الصراع الأيديولوجي الذي يفترض ـ بالضرورة ـ تزييف كل الأشياء، وليس فقط مواقف وأقوال السابقين.
عكس ما ظننت، وعكس ما هو طبيعي وما هو متوقع، كان "الموسم الرمضاني" فرصة لطرح المسألة من جديد، وهذه المرة في فضاءات مجتمعية لم تكن هي الحاضنة التقليدية للفكر التيموي المتطرف. ففي مصر، وفي سياق البحث عن إثارة درامية، يتصارع بها المنتجون الفنيّون ومُلاّك الفضائيات على نصيبهم من "كعكة المشاهد"؛ رجاء تحقيق قدر أكبر من الأرباح المادية والمعنوية، تأتي بعض المسلسلات الشعبوية الهزيلة لتقدم الفكر التيموي الذي طالما شرعن به الإرهابيون عملياتهم الدموية القذرة، وكأنه لا علاقة له بالإرهاب، بل وأكثر من ذلك؛ كأن ابن تيمية ذاته كان من دعاة المحبة والسلام!
يتّخذ الدفاع عن ابن تيمية/ عن التراث التيموي عدة مسارات تكتيكية، يتذاكى بها أصحابها حدّ الغباء الفاضح، فضلا عن الجهل الواضح، بينما هي في غاية التهافت والافتضاح
رافق هذا، أو تساوق معه، أو ابتهج به على نحو ضمني، تيار ذو ميول تيموية بدأ يتشَكّل حديثا من رَافِدين أساسيين: من بقايا الإسلاموية الرثّة التي نُزِعت منها أنيابها في السنوات الأخيرة في أكثر من مكان، ومن بقايا القوموية المُتَعرّبة التي لم تعد صروحها الوهمية أكثر من خرائب ينعق فيها البوم صباح مساء، بعد مسيرة طويلة من الهزائم العسكرية الساحقة، ومن الفشل التنموي/ التحديثي الذريع، ومن تمخض "النضال الكرتوني" عن مجرد تهريج رخيص.
فالفلول الباقية من هؤلاء وهؤلاء، وبعد أن أصبحوا محل سخرية أجيال واعية (أجيال باتت تضع ـ بآليات المقارنة مع الآخر، كما بآليات البحث والنقد الذاتي ـ كل المقولات المُتَخَشِّبة عن الأصالة والأصول والمسلمات والمحرمات على طاولة التشريح المعرفي) لم يجدوا مفرا من الاحتماء بمتعصبي التراثيات العُصْبَوية الذين يصدرون عن المنطق نفسه (أو هي تصدر عن منطقهم) في نهاية المطاف.
هنا، وهنا بالذات، ظهرت "موضة" الدفاع عن ابن تيمية؛ بعد فترة طويلة من اقتران اسمه بالإرهاب، أي بعدما عمّده المتطرفون الإرهابيون، والأصوليون التكفيريون، كشيخ للإرهاب، فهو الذي كان يتصدّر ـ بفتاويه ومقولاته ـ بياناتهم التي يُشَرْعنون بها عملياتهم الإرهابية، ويؤكدون بها صواب مسلكياتهم الطائفية التي يقصون بها الآخرين المختلفين معهم دينيا أو مذهبيا.
يتّخذ الدفاع عن ابن تيمية/ عن التراث التيموي عدة مسارات تكتيكية، يتذاكى بها أصحابها حدّ الغباء الفاضح، فضلا عن الجهل الواضح، بينما هي في غاية التهافت والافتضاح. ولعل أهم ما يُرَوّجون له الآن ما يلي:
1ـ أن منتقدي ابن تيمية إنما ينتقون من فتاويه ومقولاته العامة ما كان فيه تصريح بالتكفير أو دعوة للقتل والتنكيل، بينما يتجاهلون بقية تراثه الأعم، وما في هذا الأعم من أفكار إيجابية ونقاشات معرفية خِصبة؛ لا علاقة لها بالإقصاء الديني/ المذهبي، ولا بتشريع الإرهاب. ثم هم يؤكدون أن هذا انتقاء مغرض يتم عن قصد؛ بغية تشويه عَلَمٍ من أعلام التراث الإسلامي السلفي/ الأثري، ما يعني ـ وفق ادعائهم هذا ـ فقدان الموضعية العلمية التي هي شرط النقد الصحيح.
هكذا يقولون مدافعين منافحين عن "شيخ إسلامهم"، وكأن الفقيه أو الواعظ أو حتى المفكر، لا بد أن تكون كل أو أغلب مقولاته إرهابية صريحة في تعبيرها عن الإرهاب؛ حتى يصح اتهامه بالإرهاب.
إن كل المتطرفين والعنصريين...إلخ مُنْتجي ومُؤَسِّسي ومُرَوّجي الأفكار اللاإنسانية، لم يكن كل ما قالوه، أو حتى معظم ما قالوه، يصب في خانة التطرف والعنصرية. فمِن مئة كتاب لمؤلف ما، يكفي أن يكون كتاب واحد منها يؤسس ويشرعن العنف والإرهاب ليوصم بكونه إرهابيا؛ ما دامت مضامين البقية الباقية من مؤلفاته لا تنقض ما في هذا الكتاب.
فمثلا، لو افترضنا أن أديبا/ ناقدا أدبيا ألّف ثلاثين أو أربعينا كتابا نقديا، وأصدر عشرين ديوان شعريا، وعشرَ روايات، ثم أصدر بيانا من عدة صفحات يدعو فيه للعنصرية العرقية، ويشرعن فيه ـ بحجاج منطقي ـ الإبادة الجماعية؛ لوجب أن يوصف بأنه عنصري مجرم حرب؛ إذ لا تلغي كثرةُ الأول قليلَ الثاني، فالبيان في النهاية يُعبّر عن موقفه، والمؤلفات الأخرى تقف على الحياد. هذا إذا كان الأمر على هذا النحو من التناسب بين قليل وكثير، فكيف إذا كان الفكر السلبي ينتظم تفاصيل هذه المؤلفات، ويحكم ـ بالكل النظري ـ منطقها العام!
كان "الموسم الرمضاني" فرصة لطرح المسألة من جديد، وهذه المرة في فضاءات مجتمعية لم تكن هي الحاضنة التقليدية للفكر التيموي المتطرف
2 ـ أيضا، يقول المدافعون عنه إن مشكلته كانت في "الفتاوى" فقط، بينما بقية مؤلفاته تتميز بالاعتدال. بل وحاول بعضهم أن يُميّز بين "فتاوى ابن تيمية" و"آراء ابن تيمية"؛ ليزعم أن الفتوى/ أي فتوى مشروطة بزمانها ومكانها وحالها، بل وبشرط السائل. وفي هذا مغالطات نتناولها من عدة وجوه:
أولا، لا فرق بين الفتوى والرأي في قول الفقيه/ الواعظ الديني. فعندما يُسْأل ابن تيمية عن "النصيرية/ العلوية" مثلا، فيقول: ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، وإن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات، وإن ذبائحهم لا تؤكل، ولا يزوجون ولا يتزوج منهم، ولا يقبرون في مقابر المسلمين...إلخ كلامه فيهم، فهو هنا يفتي، و ـ في الوقت نفسه ـ هذا هو رأيه فيهم، ولا فرق بين فتوى ورأي، فالفتوى رأي في الدين، أي ما يراه الفقيه دينا.
ثانيا، أن الفتوى ليست دائما مشروطة بزمانها ومكانها وحالها وشرط السائل. فهذا يكون في مسائل تفصيلية خاصة يندر أن تتكرر على الحال نفسها. ثم إن الفقيه نفسه/ ابن تيمية مثلا، لم يقل إن فتواه مشروطة بما سبق، بل أطلقها، وأصدرها برسم الإحاطة والتعميم، فهو يقول: مَن يقول كذا؛ فهو كافر يقتل، أو يقول: من قال كذا، استتيب، فإن تاب وإلا قتل. هكذا، على سبيل الشمول، فـ"مَنْ" تشمل كل من قال بهذا في أي زمان ومكان وحال.
ثالثا، ليس صحيحا أن ابن تيمية كان يُصدر الفتوى لتكون ظرفية، أي لتكون ابنة لحظتها، ثم يحكم عليها بالإعدام. الفتوى الخاصة جدا، المتعلقة بظرف خاص جدا تكون شفهية، أو برسالة خاصة. بينما كان ابن تيمية يكتب فتاويه في عشرات الصفحات التي يكاد بعضها يكون كتابا مستقلا، حتى وصل مجموع فتاويه (37) مجلدا ضخما. فلا معنى لكتابتها وحفظها؛ لو كانت حلولا لمشاكل عابرة لا تتكرر في الزمان والمكان.
ثم هؤلاء الذين يريدون أرْخَنَتة هذه الفتاوى/ ربطها بتاريخها الخاص؛ حتى لا يتحمل شيخهم مسؤولية الإرهاب المعاصر، هم أنفسهم الذين يتدارسون هذه الفتاوى الآن على سبيل التعليم والتعلّم، ويرجعون إليها في تحقيق كثير من المسائل الشرعية النازلة/ الطارئة. فلو أنها كانت في نظرهم مجرد نصوص تاريخية ميّتة، أو يُرَاد لها أن تكون ميتة، لوُضعت في المتاحف كنصوص أثرية، بعيدا عن إدخالها في تفاصيل الجدل الديني.
إن واقع الحال: الحال الفقهي، يشهد أنها إن لم تكن المرجع الأوحد/ النهائي ـ كما هو الحال عند بعضهم ـ فهي أحد المراجع المهمة التي يستضيء بها الباحث الشرعي التقليدي في مقارباته لمسائل تنتمي إلى الراهن، لا إلى الماضي السحيق.
3 ـ من أشهر حِيَل المدافعين عن ابن تيمية/ عن تراثه المشحون بالتطرف والإقصاء وتشريع العنف، أنهم يقولون: كان الشيخ يعيش في ظرف سياسي واجتماعي قاسٍ، كان يعيش فترة صراعات هائلة، آنذاك كانت فيها المدن الإسلامية تُسْتباح، ويُقْتل كثير من رجالها وتسبى نساؤها...إلخ، فكان هو عنيفا حادّا لأن الواقع الذي يعيش فيه كان كذلك؛ خاصة وأنه كان يشارك بنفسه ـ عمليا ـ في بعض هذه الصراعات، وتحديدا في الحرب ضد التتار، فمن الطبيعي ـ والحال كذلك ـ أن تكون أعصابه مشدودة على آخرها، فيصدر فتاوى مشحونة بالعنف واستباحة الدماء والتهديد بالقتل كجزء من منظومة العنف العام.
إن هذا الاعتذار الغبي بالظروف ينتهك به التيمويون حرمة ابن تيمية؛ في سبيل تبرئته من تهمة التشريع للإرهاب
هكذا يقولون مدافعين! ولا أدري هل كانوا يريدون أن يقولوا إن شيخهم كان في وضع عقلي/ نفسي غير طبيعي؛ نتيجة الظروف المحيطة به، وبالتالي، لا يكون مسؤولا عن أقواله/ فتاويه؟! هل يقولون إنه أصدر فتاويه، في وقت لم يكن في كامل قواه العقلية؛ نتيجة الظرف الصراعي الذي ذهب بعقله أو بجزء من عقله؟! ثم ما المراد من هذا، أي ما علاقته ـ موضوعيا ـ بتراثه الذي أصبح حاضرا بين أيدينا، هل يريدون إصدار شهادة من مستشفى الأمراض النفسية/ العقلية بأن ظروفه كانت صعبة لدرجة أنه بات غير مسؤول عما يقول، ثم يضعون هذه الشهادة الطبية بين كل صفحة وصفحة من تراثه الضخم؛ ليُحذّروا القارئ من أخذها على محمل الجد؟!
إن هذا الاعتذار الغبي بالظروف ينتهك به التيمويون حرمة ابن تيمية؛ في سبيل تبرئته من تهمة التشريع للإرهاب. إنهم كالمحامي الذي يحاول الدفاع عن مُوَكِّله (الذي اجتمعت كل القرائن/ كل الأدلة على ادانته) باللجوء إلى خطة الدفاع الأخيرة التي بإمكانها نفي أدلة الإدانة بالجملة، وهذه الخطة ليست أكثر من محاولة إثبات أن مُوَكِّله/ المُتَّهَم كان في وضع نفسي/ عقلي يجعله غير مسؤول عن سلوكه، أو على الأقل، غير مسؤول عن سلوكه زمن ارتكاب العمل المُجَرَّم قانونيا.
ثم ليت هذا ينفع، فالظروف لا تُبَرِّئ مقولات الفقيه/ تراث الفقيه، حتى وإن بَرّأت ـ على سبيل الإمكان والافتراض ـ شخصه. إنه دفاع متهافت، إذ لو كان التعلل بالظروف يقلب الأقوال أو الأفعال من كونها سلبية لتكون إيجابية؛ لأمكن للمدافعين عن سيد قطب أن يتعللوا بظروفه التي كانت أصعب من ظروف ابن تيمية بكثير، وأن يزعموا أن الفكر القطبي التكفيري لم يكن إلا ابن ظروف السجن والتعذيب. بل ولأمكن البحث حتى في سيرة هتلر وستالين عن ظروف النشأة القاسية، وفي حال هتلر عن الدمار الهائل والإذلال المُسْتَفِز الذي لحق بألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وكان هتلر بنفسه شاهدا عليه. فهل يمكن أن يعتذر أحد عن الفكر النازي بالظروف، ثم يتوهم أن بمقدوره الخروج بصك براءة؛ لا للأشخاص فحسب، وإنما للأشخاص وللأفكار أيضا؟!

