An Iraqi Kurdish man drags a donkey up a mountain during Nowruz Day, a festival marking the first day of spring and the new…
ينقل مشاعل للاحتفال بعيد النوروز على ظهر حمار في جبال دهوك

تبدو مدينة أربيل شبه خالية، مثل غيرها من المدن الرئيسية في إقليم كُردستان العراق. فقُبيل بدأ تطبيق "حظر التجول" وإيقاف عمل المؤسسات التعليمية والخدمية في معظم مدن الإقليم، تفاديا لانتشار جائحة كورونا، غادر عشرات الآلاف من سكان هذه المدن نحو المناطق الجبلية، ولم يبقَ في المدن إلا النازحون وطبقة العمالة الأجنبية، مع القليلين من أبناء المدينة، من أفراد الأجهزة الأمنية والصحية.

غادر سكان المدن لأنهم يعتقدون بأن الأرياف أكثر أمانا في هذه الظروف، فمجال التداول والاحتكاك الاجتماعي أصغر بكثير مما في المدن، كما أن "الغرباء" والقادمين الجدد، الذين قد يكونون حالمين لفيروس كورونا، غير موجودون بالأساس.

في جبال إقليم كردستان، حيث قد تطول إقامة هؤلاء لأسابيع كثيرة، وربما لشهور وسنوات، سيكتشف المغادرون بأن أماكن إقامتهم الجديدة ليست قرى، بل مجرد مصايف واستراحات ومزارع سياحية، بنوها خلال السنوات الماضية، بعد أن هاجروا وأهملوا و"حطموا" الآلاف من قُراهم التقليدية التي كانت، بشكل جماعي. 

ففي هذه البيئة الجبلية الراهنة، لا يوجد قطعان ماشية، تلك التي اشتهرت بها جبال كردستان تاريخيا، ولم يعد ثمة زراعات تُذكر، خلا بعض الأشجار شبه البرية، وطبعا ليس من أية ثقافة اجتماعية أو إنتاج اقتصادي ريفي بكل أنواعه، وطبعا دون شبكة خدمات عامة ريفية، لا تقليدية ولا حديثة.

تضخمت مدن الإقليم وجرى توسعتها، دون أن يتم الاهتمام بتنمية المناطق والسلاسل الريفية

حتى العام 2003، كان إقليم كُردستان المنطقة الأكثر ثراء بالبيئة الريفية في العراق، حتى أن بعض الدراسات الاقتصادية العراقية في الثمانينيات، كانت تقول بأن الثروة الزراعية والحيوانية لتلك المنطقة تكفي عشرة أضعاف سكان العراق. 

حتى سنة القطيعة تلك (2003)، كانت مدن الإقليم الثلاث الرئيسية، أربيل دهوك والسليمانية، إلى جانب العشرات من البلدات الأصغر حجما، كان مشغولة فقط بقرابة خُمس سكان الإقليم، بينما كانت السلاسل الجبيلة عامرة بآلاف القرى، والملايين من سكانها. هؤلاء الذين كانوا ينتجون مختلف أنواع حاجاتهم، بل ويصدرون الفائض منها، بأسلوب وديناميكية كانت تؤمن لهم دورة حياتهم كاملة، بقدر كبير من الطمأنينة.

آلاف القرى الجبلية تلك، كانت وعاء ديموغرافيا وفضاء إنسانيا شديد الصلابة. إذ بسبب وجودها، تمكنت العشرات من الثورات وحركات التحرر القومية الكردية من الصمود لعقود. فهذه القرى كانت تؤمن لتلك الحركات نسغ الحماية والاستمرار، وتمدها بالمقاتلين والمخابئ والذخائر والمؤن. 

Police officers walk along the Red Square, with St. Basil's Cathedral and the Kremlin's Spasskaya Tower in the background,…
كورونا يعيد روسيا إلى طاولة أوبك
من دون تردد أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة بشأن أسواق الطاقة. وأقر بوتين دون مواربة أن اجتماع الإثنين المقبل للدول المنتجة للطاقة الذي دعت إليه الرياض بعد التفاهم مع واشنطن سيؤدي إلى الاتفاق على خفض الإنتاج مجددا إلى أقل من 10 ملايين برميل

وكلما كانت السلطات الشمولية المركزية تريد أن توجه ضربة لتلك الحركات والثورات، فإنها كانت تنتقم من تلك البيئات القروية، الجبلية منها بالذات. ففي أواخر الثمانينيات فحسب، وأثناء حملة الأنفال المريعة، كان النظام العراقي قد حطم أكثر من أربعة آلاف قرية جبلية. لكن السكان أعادوا تشييدها وإعادة الحياة لها بعد سنوات قليلة تالية.

نفس هذه البيئة الريفية، ظلت لعقود عديدة حصنا للغة والثقافية والذات الكردية، التي كانت كثيرة الهشاشة والضعف في مواجهة حملات التعريب، التي كانت تخوضها الدولة العراقية بكل أدواتها ومؤسساتها وأشكال إغرائها. فالقرى حافظت على مساحة عزلة واضحة عن سطوة جبروت الأنظمة العراقية، وسعيها الدؤوب لإخضاع الكرد وإجبارهم على الإذعان لشرط النظام السياسي وشكل الدولة العراقية.

♦♦♦

بعد العام 2003، تراكبت شروط سياسية واقتصادية مختلفة، خلقت بجموعها ظرفا "مثاليا" للقضاء على تلك البيئة الجغرافي وذلك النسيج الجغرافي. ذلك التحطيم طال بتأثيراته النموذج الاقتصادي والثقافي والحياتي للسكان إقليم كردستان، بشكل جعلهم أقل قابلية لإنتاج حاجاتهم الحياتية، حتى الأشياء الأبسط منها، وبالتالي أكثر اعتمادا وخضوعا لما قد يُفرض عليهم من الموردين.

ففي ذلك الوقت، ولما تجاوز العراق مرحلة العقوبات والحصار الاقتصادي المديد الذي كان مفروضا عليه وطال لعقد ونصف، صارت كميات هائلة من "الأموال الجاهزة" تتدفق عليه، من مبيعات النفط والإفراج عن أمواله المحتجزة والمساعدات المالية الدولية. تلك الأموال التي قصمت ظهر الأنماط التقليدية للحياة العراقية، ومنها إقليم كردستان بالذات، الذي صار مجتمعا استهلاكيا بكثافة، ودون أية إنتاجية في أي مجال.

كانت القوى السياسية المتنافسة في إقليم كردستان، مثل غيرها من القوى العراقية، تخوض منافسة رهيبة لتأمين ولاء القواعد الاجتماعية، لتستخدمها في مختلف عمليات الاقتراع التي تتالت، ولتثبت هيمنتها الكلية على الحياة العامة. لتحقيق ذلك، خطت استراتيجية ثلاثية الأبعاد.

دشنت أسس الاقتصاد الريعي، القائم على استعادة تقليدية لنماذج الدول النفطية، الخليجية منها بالذات. فالقوى السياسية صارت توزع جزء واسعا مما تحصل عليه من عائدات الثورة النفطية على القواعد الاجتماعية. فقد حصل نوع من التواطؤ غير المعلن بين الطرفين، تحصل القواعد الاجتماعية على نوع من البحبوحة الاقتصادية لأول مرة في تاريخها الحديث، ومن الثروة النفطية التي كانت تقع تاريخيا في مناطقها الجغرافية، لكنها حُرمت منها على الدوام، بل كانت وبالا مطلقا عليهم، لأنها كانت تقوي من أركان الدولة المركزية، وصارت بعد العام تتلقى عوائده. مقابل ذلك، فإن تلك القواعد سلمت بشرعية وأحقية تمثيل هذه الأحزاب السياسية للأكراد في الدولة والسلطة العراقية الحديثة، سواء في المركز أو سلطة ومؤسسات الحُكم الفيدرالي المحلية.

كان ذلك النموذج من الريعية الاقتصادية يؤدي موضوعيا لأن يتخلى عشرات الآلاف من أبناء تلك الأرياف عن مناطقهم ونمط عيشهم وأسلوب إنتاجهم، طالما ثمة مدفوعات و"عوائد" مالية يوفرها نمط نظام الاقتصاد السياسي في البلاد، وبأريحية بالغة.

كذلك فإن القوى السياسية استشعرت حاجة ملحة لتوسيع وتعزيز بناها التنظيمية والاقتصادية والإعلامية والخدمية، التي صارت تتطلب وتستقطب مئات الآلاف من طالبي الدخول إلى المجال العام، الذي كان يوفر لهم مزيجا من السلطة الذاتية مع الصعود الاجتماعي والحضور السياسي.

شُيدت المئات من المؤسسات الخدمية والترفيهية والثقافية المسطحة، التي كانت بحقيقتها غطاء لبطالة مقننة، تسعى لأن تجذب وتربط القواعد الاجتماعية بالقوى السياسية، وأن تعزز من سلطة وحضور هذه الأخيرة في كافة أشكال وديناميكيات الحيز العام.

ولأجل تحقيق "نمو" مباشر وسريع ومرئي، تقصد النموذج الاقتصادي في الإقليم توسيعا هائلا للمدن الرئيسية، معيدة تجربة المدن/الصروح التي أفرزتها الأنظمة الخليجية، والتي تحولت بالتتالي إلى نموذج الاقتصادي الميركنتلي (الإتجاري). 

أثناء حملة الأنفال المريعة، حطم النظام العراقي أكثر من أربعة آلاف قرية جبلية. لكن السكان أعادوا تشييدها

إذ تضخمت مدن الإقليم وجرى توسعتها وتقديم الخدمات وشروط الحياة السليمة فيها، دون أن يتم الاهتمام بتنمية المناطق والسلاسل الريفية، التي صارت مهملة ومحطمة بالتقادم. ما عدى بعض المنعمين من أبناء هذه السياسيات الاقتصادية، الذين أعادوا بناء بعض الدور السكنية في المناطقة الجبلية، على أشكال مصايف ومزارع سياحية. فالأهم أنها دون إنتاج وشبكة خدمات، وأولا دون أواصر تواصل وقابلية للحياة بذاتها دون الاعتماد التام على ما يُدفع لها من رواتب وما يصلها من مستوردات.

 دون شك، فإن هجرة الريفيين إلى المدن هي ظاهرة عالمية منذ أوائل القرن المنصرم. لكن ما جرى في إقليم كردستان كان نموذجا إطلاقيا من ذلك، ساهمت وأسست له السياسات والتوجهات الاقتصادية، التي ما انشغلت بخلق توازن ودعم موضوعي لمكامن القوة الاقتصادية والبيئة المحلية الثرية والمتنوعة التي في جغرافيا الإقليم. 

فقد كانت تلك السياسات غير منتبهة ولا مبالية بما قد يحدث ذلك من هشاشة على مناعة إقليم كردستان، المحاط بـ"أعداء" من كل حدب، يسعون في كل حين لتحطيم تجربته، ولا يتوانون عن استخدام كل شيء في سبيل ذلك.

في الأزمات تظهر مكامن القوة الحقيقية للأنظمة والمجتمعات، فثلما لجأت الدول الصناعية إلى استنفار مصانعها ومراكز دراستها الصحية لإيجاد أدوات مناسبة لتجاوز محنة كورونا، ومثلما سعت الأنظمة والمجتمعات الانضباطية لتشديد آليات حصار المصابين، فإن أبناء كردستان لجأوا إلى ما ظل يحميهم لقرون طويلة، جبالهم وقراها، لكن هيهات!

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.