Young women clink bottles of beer as they share an aperitif drink by the Colosseum monument in Rome on May 21, 2020, while the…
شاباتان أمام المدرج الروماني (كولوسيوم) في روما

حين يأتي ذكر اسم أوروبا، وبشكل خاص خلال الأشهر الفائتة من انتشار جائحة كورونا، سواء جاء هذا الذكر ضمن حديث عابر مع أحد ضيوف البرامج للتعليق على حدث ما، أو ورد ضمن صياغة بعض التقارير الإعلامية بأنواعها، أو ضمن منشورات وتعليقات وسائل التواصل الاجتماعي، يترافق ذكر اسم أوروبا بشكل مستمر بوصفها بالقارة العجوز، وكأن هذا الوصف، بات لازمة لا بد من ذكرها في كل مرة، أو بالأصح لقبا، التصق بها كوشم أبدي لا فكاك منه.

لا يعني وصف أوروبا بالقارة العجوز لكونها القارة الأكثر قدما زمنيا فوق سطح الأرض، أي تم تنصيبها جدّة للقارات (الختيارة)، لكن لسبب واحد ووحيد ومعروف، وهو ارتفاع نسبة معدلات الشيخوخة بين سكانها مع تناقص في معدلات الخصوبة، الأمر الذي أثار قلقا وخلق مخاوفا وتحذيرات من احتماليات تغييرات ديمغرافية جوهرية مستقبلية، وتضرر سوق العمل والإنتاج.

وهي مخاوف تعاني منها دول كثيرة في العالم، سبق للأمم المتحدة أن حذرت منها في تقريرها السنوي نهاية سنة 2019، حيث ذكرت أنها المرة الأولى في التاريخ التي يزيد فيها عدد كبار السن في العالم عن عدد الأطفال دون الخامسة، مما يعني شيخوخة العالم بأسره، ولا يخص أوروبا وحدها.

هذه العجوز ما زالت خلاقة، ويمكن أن يطلق عليها وصف القارة الناضجة أو الحكيمة، كقيمة فعلية لمنجزها، وليس إلى شيخوخة سكانها

إحدى الدول الكبرى التي يحوم حولها هذا الخطر أيضا، اليابان، والتي تقف على مسافة متقاربة من أوروبا من حيث ارتفاع نسبة عدد كبار السن وانخفاض عدد المواليد، لكن أحدا لم يطلق يوما على اليابان وصف الدولة العجوز، كما أن جميع التوقعات تشير إلى أن دولا متقدمة مثل كندا، وبسبب ارتفاع مستوى الخدمات الصحية فيها، والرعاية القصوى التي يحظى بها المواطن الكندي، سترتفع فيها معدلات كبار السن في المستقبل القريب، وبالتالي ستصبح دولة مضافة إلى قائمة الدول العجوز، مما يوحي أن من أطلق على القارة الأوروبية تحديدا هذا الوصف وألصقه بها، ربما كان يتقصد الغمز من قناة الأوربيين لغاية في نفس يعقوب.

هل ينطبق مفهوم "الشيخوخة" على أوروبا بشكل حقيقي؟

منذ أكثر من نصف قرن تقريبا وحتى اليوم، تخرج من جعبة هذه العجوز الأوروبية، أعظم الأفكار التي تشكل من حين إلى آخر منعطفات تاريخية، إما على شكل تيارات فكرية أو فلسفية أو تنويرية، قادرة على التأسيس لمتغيرات، تطال الفكر الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، أو تعيد طرح الأسئلة، وإنشاء حراك فكري، أو ثوري، يدفع أحيانا إلى تغيير ثوابت لا تخص الأوروبيين فقط، بل في مرونتها وقابليتها لأن تصير كونية، وإمكانية تبنيها من العديد من الدول والأفراد.

كما تخرج منها بين الحين والآخر، أفكار خلاّقة مرادفة، تمتص فحوى المتغيرات، يعيد إنتاجها نخبة من المبدعين من كتّاب الأدب، بحيث يساهم نشر مطبوعاتهم الأدبية، في تيسير نشرها، وتلقفها من عشاق الأدب والأفكار الجديدة عبر العالم.

حين تتغير الفصول، يترقب المهتمون في معظم دول العالم، دور الأزياء الأوروبية التقليدية والشهيرة، لتحدد كصانعة ومنتجة محترفة، الخطوط العريضة للموضة الفصلية أو حتى السنوية، والموضة ليس لونا أو قصا للقماش وتصميمه فقط، هي أيضا فلسفة وتعبير، يعكسان مرحلة زمنية، تسبر عمق متغيرات المجتمع النفسية والثقافية، والسياسة أحيانا، تُعكس بتصميم ولون الأزياء، وتساهم في أحد أشكال التغيير على الأرض.

هذا غيض من فيض عن حكاية هذه العجوز الأوروبية، التي راكمت بخبراتها العريقة كنوزا ثمينة، يصعب تعدادها هنا، لكن أهم ما يجب عدم تلافيه أو تجنب الاضاءة عليه، هو الذائقة الأوروبية، وتحديدا الفنية، التي تتجلى في نتاجها الثقافي الرفيع، ويتوزع بين الفن التشكيلي وفنون الحركة والغناء وغيرها، والسينما التي تعنى بنوعيتها الإنسانية، وتحرص على ألا يكون منتجا عابرا، ومهرجانات مثل مهرجان برلين، أو مهرجان كان، خير مثالين على ما تقدم.

هذه هي العجوز التي ما زالت خلاقة، والتي يمكن أن يطلق عليها وصف القارة الناضجة أو الحكيمة، كقيمة فعلية لمنجزها، وليس إلى شيخوخة سكانها. إضافة إلى أن أي دولة يرتفع فيها معدل عمر الانسان، هو دليل عافية، تؤكد أنها دولة تعنى بمواطنها، وتستحق الاحترام. 

منذ أكثر من نصف قرن تقريبا وحتى اليوم، تخرج من جعبة هذه العجوز الأوروبية، أعظم الأفكار التي تشكل من حين إلى آخر منعطفات تاريخية

أما فيما يخص نقص عدد المواليد أو انخفاض معدل الشباب، فهو أمر له حلوله الكثيرة، تجرب بعض الدول أن تطبقها، مع الأخذ بعين الاعتبار، ألا تكون الحلول على حساب كبار السن واعتبارهم عالة على المجتمعات.

كثيرا ما تم تداول هذه النقاشات منذ بدء جائحة كورونا في الانتشار، والتي دفع ثمنها كبار السن كأكبر عدد لضحايا الفيروس، مما عزز فرضيات المؤامرة التي تناقلها أو تبناها البعض في هذا السياق، مما أشاع حالة لاأخلاقية عامة، طالت مفهوم شيخوخة الأحياء، والتي يجب تقديرها، وليس المشاركة والمساهمة في تجريحها معنويا أو كسر قلوبها أو التلميح المستمر بعجزها، انطلاقا من احترام وتقدير مجمل الرحلة الإنسانية في الحياة، والتي يجب أن تكون موضع اهتمام وحرص ومحبة، في كل مراحلها العمرية.

قد يكون ألطف ما حدث خلال هذه الفترة التاريخية المصيرية التي ما زلنا نشهدها من انتشار جائحة كورونا، هو تلك الحالات المدهشة لبعض كبار السن ممن تجاوزوا التسعين من العمر، وتعافوا من إصابتهم بفيروس كورونا، الأمر الذي يعيد النظر في قوة الإنسان ومقدراته الحقيقية بعيدا عن سنه البيولوجي، كما يعيد النظر بالتالي، في مفهوم الشيخوخة برمتها، والتي يمكن، في كثير من الحالات أن تكون منتجة أو فعالة شأنها شأن جميع الأعمار، والأسماء والشواهد كثيرة في هذا الصدد، لساسة دول وزعماء أو شخصيات عامة ونجوم فن واقتصاد ومجتمع وغيرهم، عبر التاريخ، أو في وقتنا الحاضر، ممن تجاوزوا الثمانين من أعمارهم وما زالوا في قمة العطاء.

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة