Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei delivers a televised speech, marking the 31th anniversary of the death of Iran's…
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي

تفقد الدول وظيفتها عندما يصبح حكامها خاطفين ومواطنوها رهائن.

هذا هو واقع الدول التي يتم إلحاقها، بالقوة، في فلك "الجمهورية الإسلامية في إيران"، ومن بينها، بطبيعة الحال، لبنان.

المواقف السياسة التي يطلقها "حزب الله" والحاكمون بقوته، مصاغة بأدبيات الخاطفين.

الأمين العام للحزب حسن نصرالله لا يتوقف عن التهويل، إلا عندما يأخذ نفسا. يُهدّد الرهائن إن تمردوا، ويُهدد من يمكن أن يفكر، لو لوهلة وجيزة، باللجوء إلى القوة للمساعدة على تحريرهم.

الحاكمون باسمه الذين يوليهم ثقته لإدارة المعتقلات، يحاولون إقناع الرهائن، بالحسنى أم بالبطش، أن مصلحتهم تكمن بالهدوء، "لأننا جميعا في مركب واحد".

الرهائن أنفسهم الذين أعياهم التعب والفقر والسرقة والرعب، انقسموا على أنفسهم. بعضهم يسعى إلى التمرّد على السلاح الذي يأسرهم والانقضاض عليه، ولكن بعضهم الآخر يتبرأ من هذا المسعى، لأن الخاطف مستعد أن يُطلق النار على الرؤوس، وهم بين أن يكونوا رهائن وبين أن يكونوا جثثا، اختاروا أن يبقوا أحياء، حيث يمكنهم أن يُنظّموا حفلات المصارعة، ويأكلوا فتات الخبز، ويتنافسوا في "لعب الورق" وفي "دق طاولة" وفي "مباراة كرة قدم"، ويتسلّوا بحفلات الزجل المسائية، ويتقاتلوا على تحديد الأقوى بينهم.

خاطف الشعوب، لا يتطلّع إلى المقايضة، فمعه الرهائن رهائن إلى الأبد، لأنه إذا حرّر الرهائن مقابل السلطة، فهؤلاء سينقلبون عليه، وإذا قايضهم بالمال فهؤلاء سيثورون عليه

في المعتقلات حكماء وخطباء ورجال دين. كثيرون بينهم متعاطفون مع الرهائن، ولكن أي واحد منهم لا يشذ عن القواعد التي وضعها الخاطفون.

هؤلاء لا ينكرون أن الرهائن معذّبون، مهانون، قلقون، فقراء، وجائعون، لكنهم يدعونهم إلى التحلي بالصبر، وإلى التأمّل بفوائد الاستسلام ورحمات الموت، وإلى التطلع إلى وعود جنة الخلد للمعذبين على الأرض.

ويلفت هؤلاء نظر الرهائن إلى مزارع الخِراف التي تجاور معتقلاتهم، ويدعونهم إلى الحمد والشكر، أن الخاطفين أرحم من الرعاة. الرعاة يقودون كلّ يوم مجموعة من الخراف، رغما عنها، إلى الذبح. الخاطفون لا يفعلون ذلك، بل يجنّدون الأسرى تجنيدا.

والتجنيد، بالنسبة لهم، ليس مثل الاقتياد.

التجنيد هو خيار بين البقاء في المعتقل أو بين الذهاب إلى المسلخ.

وعلى الطريق إلى المسلخ، يذوق الأسرى المجنّدون طعم الحرية، ويشعرون بلذة القوة، ويختارون أسرى جددا، ويُسمح لهم، في كثير من الأحيان، أن يُطيلوا الطريق، وأن يتنّعموا بهالات الدولارات في جيوبهم، وأن يتغنّوا بحذاء القائد، وبلثغته، وبطلّته، وبحكمته، وببطشه، وبحروبه التي يستحيل أن تنتهي.

والأسرى يملكون حقّ التفكير بما هو معروض عليهم من خيارات. لهم أن يختاروا كيف ينسون ماضيهم، حيث البحبوحة، حيث الحرية، حيث العمل، حيث السياحة، حيث النزهات، حيث القهقهات، حيث الحب، وحيث الطموح. لهم أن يقارنوا بين أن يكونوا جماعة واحدة تُدار من الخاطف الأكبر، أو بين يكونوا جماعات لا مركزية، يديرها خاطفون ثانويون يختارهم الخاطف الأكبر، أو بين أن يكونوا فرقا متناحرة، بإمرة قيادات تستظل سقف الخاطف الأكبر.

الدول تمتنع عن مفاوضة خاطف الأفراد، ولكنّها تقيم علاقات دبلوماسية مع خاطف الشعوب

والأسرى وجدوا في هذه النقاشات متنفّسا يُلهيهم عن مآسيهم ويُنسيهم عذابات السعي إلى الهدف الأسمى.

يُراقبهم الخاطف بسعادة مطلقة، وهم يتحاججون، وهم يتشاتمون، وهم يتناحرون، وهم يعنّفون من يعقّلهم بأن المشكلة ليست في النظام الأمثل لإدارة المعتقلات بل في وجود المعتقلات أصلا، وأن الهدف الواجب التركيز عليه، ليس في وضعية الرهائن، بل في استعادة الحرية.

ويكافئ الخاطفون الأسرى بإبعاد العاقلين من بينهم وإنزال أشدّ العقوبات بهم. يضعونهم في زنزانات إفرادية. لا يجدون من يخاطبونه، فيناجوا الفئران والجرذان. يرمون لهم الخبز المعفّن طعاما والمياه الآسنة شرابا. ويُخيّرونهم، كتسلية، بين تنظيف مراحيض الحرّاس وبين تلميع أحذيتهم الموحلة.

والمعتقل فيه دبلوماسيون معتمدون. هؤلاء يُسمح لهم بأن يجولوا لتفقّد حال الرهائن. يقطبّون جباههم وهم يطبعون تقاريرهم. ينقلون إلى دولهم انطباعاتهم عن المعتقلات والأفكار التي يسرّها إليهم الناطقون باسم الرهائن. ويبلغونهم بأنّ الخاطفين ودودون معهم وضيافتهم كريمة ومعاشرتهم مسليّة.

وفي نهاية كل برقية، يطلب الدبلوماسيون تعليمات عواصمهم، فتأتيهم مكرّرة: اطلبوا من الرهائن أن يتحلّوا بالحكمة، وبأن يشكروا الله على ما يُعطى لهم من طعام، ومن نِعمة الاجتماع بكم. وشدّدوا على الخاطفين أن يكونوا أقل بطشا وأكثر رحمة، ونحن في المقابل، سنساعدهم بإيهام الأسرى بأن الفرج آت من عندنا، فينتظروا بسكينة وهدوء.

إنّ خاطف الشعوب يمتاز عن خاطف الأفراد. خاطف الأفراد يريد المقايضة بأفراد آخرين، أو بالمال. شروطه، صعبة كانت أم سهلة، معروفة، وبنتيجتها تستعيد الرهينة الحرية التي افتقدتها.

ندما تؤخذ الشعوب رهائن توضع بين خيارين: "تأبيد العبودية" أو تصفية الخاطف

أما خاطف الشعوب، فلا يتطلّع إلى المقايضة، فمعه الرهائن رهائن إلى الأبد، لأنه إذا حرّر الرهائن مقابل السلطة، فهؤلاء سينقلبون عليه، وإذا قايضهم بالمال فهؤلاء سيثورون عليه.

هموم الفرد الرهينة محدودة الزمن بحدود الفترة اللازمة لاستجابة طلبات الخاطف، في حين أنّ هموم الشعوب الرهينة تتوالد وتدوم وتتأبّد.

الدول تمتنع عن مفاوضة خاطف الأفراد، ولكنّها تقيم علاقات دبلوماسية مع خاطف الشعوب.

والشعوب تسعى إلى اعتقال خاطف الأفراد وتحاكمه وتنبذه، بينما تضعف أمام خاطفها وتجد له التبريرات وتخضع لإرادته، وتكتفي بتنظيم جنازات حاشدة لمن يسقط منها مذابحه.

عندما تؤخذ الشعوب رهائن توضع بين خيارين: "تأبيد العبودية" أو تصفية الخاطف. التفتيش عن خيار ثالث مجرّد... وهم!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.