Iraqi soldiers wave near a tank after the destruction of Iranian positions in the strategic Faw peninsula of Southeast Iraq…
جنود عراقيون يحتفلون بتغلبهم على الجيش الإيراني في إحدى محطات الحرب الطويلة

مرت أربعة عقود كاملة على اندلاع الحرب الإيرانية العراقية. أثناء سنواتها الثمانية الطويلة (1980 ـ 1988) دُمرت كل أشكال الحياة في بلدين كبيرين كالعراق وإيران. تحطمت الطبقات الاجتماعية المدنية الوسطى فيهما، تراجعت التنمية وتلاشى ما راكمه اقتصادهما لعقود كثيرة. سُفكت دماء مئات الآلاف من الضحايا، ومُحقت مدن وتلوثت مناطق بيئية شاسعة، تراجع التعليم وصعدت الطائفية والنزعة القومية. 

لكن، وبعد كل ما جرى، لم يتمكن المؤرخون المختصون من تحديد الأسباب السياسية والأيديولوجية والاقتصادية التي دفعت نظامي البلدين إلى الدخول في تلك الحرب العدمية الماحقة.

في نقاش أسباب تلك الحرب، ثمة صراع كاريكاتوري متمركز حول التاريخ والجهة التي بدأت تلك الحرب. إذ ما يزال المؤرخون المؤيدون لنظام صدام حسين يعتبرون أن الرابع من شهر سبتمبر من العام 1980، حينما اخترقت طائرة حربية إيرانية المجال الجوي العراقي، الإعلان الرسمي لبدء الحرب، وبالتالي يحملون إيران كل تبعات ومسؤولية ما جرى. على النقيض منهم تماما، فإن المؤرخين الإيرانيين يعتبرون الثاني والعشرين من شهر سبتمبر من ذلك العام هو تاريخ اندلاع الحرب، حينما بدأ العراق بشن ضربته الجوية الأولى على إيران، وبذا تحميل النظام العراقي كامل مسؤولية تلك الحرب.

إن تلك الحرب تبدو وكأنها أنقذت الجميع، أو على الأقل أمدت من سنوات حُكمهم وكرست أنظمتهم السلطوية

التهميش المريع للأسباب الموضوعية للحرب، كما يحدث عادة في القراءات التأريخية التحليلية اللاحقة لمعظم الحروب، وتحوله إلى مجرد خلاف على التوقيت والجهة التي ابتدأت الحرب، إنما يخفي حقيقة بسيطة، تقول بأن الحرب ما كان لها من سبب حقيقي وجيه، ذو مضمون وقيمة، يُستحق أن تُبذل في سبيله كل تلك التضحيات. حيث لم تكن الخصومة التفصيلية بين البلدين سوى خلاف قانوني جغرافي على تقاسم مياه وأراضي "شط العرب"، الذي لم تكن مساحته البحرية تتجاوز بضع كيلومترات بحرية، وكان يمكن حله عبر بعض المحاكم الدولية ذات الاختصاص.

الأمر الذي يعني بأن تلك الحرب الطويلة والعبثية كانت استجابة للحاجات والمتطلبات السلطوية لنظامي حُكم البلدين، وتطلعاتهما لتكريس نفوذيهما الداخليين. وأنهما خاضا حربا مريرة لا سبب موضوعي لها، خلا التطلعات المستبطنة للنظامين الحاكمين.

قبل تلك الحرب بعام واحد فحسب، كان صدام حُسين قد أخذ السُلطة عبر انقلاب "أبيض" على الرئيس أحمد حسن البكر، كانت حملات تصفية "الأخوة/الأعداء" جارية على قدم وساق في كل مؤسسات الدولة العراقية، في الجيش والمؤسسات الحكومية، داخل حزب البعث وحتى ضمن "عُصبة التكريتيين" المناطقية والعائلية، التي كان البكر قد أتى بها منذ انقلاب البعث الثاني عام 1968 وسلمها كافة مفاصل مؤسسات حُكم دولة كُبرى كالعراق. كان النظام الحاكم في العراق يتحول من مرحلة حُكم حزب البعث و"عُصبة التكارتة" إلى مرحلة حُكم صدام حسين، كقائد و"نصف إله".

لأجل ذلك، كان نظام صدام حُسين يحتاج إلى شيء كتلك الحرب القاسية، ليتمكن في ظلالها من تكريس الانقلاب ومحق الأنداد الداخليين، وإلى حدٍ ما تجاوز العار الذي كان العراقيون يحملونه إياه، بسبب مسؤوليته عن اتفاقية الجزائر الشهيرة مع الشاه عام 1975، والتي تخلى بموجبها عن السيادة العراقية على "شط العرب"، مقابل عدم الاستجابة للطموحات الكردية الداخلية، التي كانت تسعى فقط لخلق نوع من المساواة القومية ضمن البلاد.

مثل صدام تماما، فإن الخميني وطبقة رجال الدين المحيطيين به، كانوا في أوج انقلابهم الدموي على شركائهم في الثورة على نظام الشاه، التي خاضوها مشتركين قبل ثمانية عشر شهرا فحسب. كان الخمينيون يخوضون صراعا أهليا مديدا ومطلقا، للاستيلاء الكامل على البلاد. ذلك الصراع الذي تطلب محق كل القوى السياسية اليسارية والقومية الإيرانية، وطبعا القوميين الأكراد والأذريين والعرب، وفي الطريق كل الطبقات الاجتماعية المدنية والاقتصادية البرجوازية والعسكرية الاحترافية، التي كانت تملك حسا داخليا مواليا لنظام الشاه، وتشكل تهديدا حقيقيا لما كان الخميني يحاول تكريسه.

كانت الحرب الفردوس التي مُكن عبرها تحقيق كل ذلك بسلاسة استثنائية. فقد كانت الصوت الذي لا يمكن أن يعوله أي صوت، وعسكرة تامة للحياة العامة، وأعفت النظام الجديد من أية التزامات أدبية لإجراء انتخابات نزيهة أو نشر للحريات العامة أو حياة سياسية ديمقراطية، وطبعا ربطت ملايين الإيرانيين من أبناء الطبقات الأكثر فقرا وبساطة بالنظام الجديد، باعتباره مدافعا عن البلاد في هذه الحرب.

على جنبات هذين النظامين، كان للنظام السوري ونظيره الأردني والتركي، وما يقابلهم من أنظمة خليجية ومصرية ولبنانية، حاجات ومتطلبات مماثلة من تلك الحرب.

فنظام حافظ الأسد اعتبر الحرب بوابة لتكريس شراكة استراتيجية مع نظام سياسي ودولة قوية كإيران، والأردن قرأها كنافذة لتدفق المساعدات الخليجية والعراقية عليه، وتركيا رأتها أعظم فرصة لإضعاف خصمين إقليميين لدودين، وممالك الخليج اعتبرتها مناسبة لاكتساب شرعية الدفاع عن العالم العربي/السُني، مصر السادات عدتها مناسبة لتتناسى المنطقة تبعات الاتفاقية التي عقدتها مع إسرائيل.

مثل صدام تماما، فإن الخميني وطبقة رجال الدين المحيطيين به، كانوا في أوج انقلابهم الدموي على شركائهم في الثورة على نظام الشاه، التي خاضوها مشتركين قبل ثمانية عشر شهرا فحسب

بهذا المعنى، فإن تلك الحرب تبدو وكأنها أنقذت الجميع، أو على الأقل أمدت من سنوات حُكمهم وكرست أنظمتهم السلطوية، غيرت من لعبة الحياة وشكل التوازنات ونوعية الديناميكيات الداخلية، لتكون أكثر ملائمة واستجابة لتطلعات قوى الحُكم واستطالاتها الداخلية.

نفذ السلطويون الحاكمون كل ذلك تماما، وإن بغير تخطيط ووعي مسبق، لكن بحاسة سلطوية مستبطنة وشديدة الذكاء، استجابت لها مختلف الأطراف، سواء بفاعلية "الانعكاس العصبي" الفعال من أي جهاز سلطوي كالذي لهذه الأنظمة، أو جراء وعي منتبه لحركة الحاضر، وقادر على الاستفادة الجمة منه. هؤلاء السلطويون الذين يستطيعون فعل أي شيء، وكل شيء، بغض النظر عن الخسائر والضحايا والتأثيرات، لكن فقط لاستدامة أنظمتهم.

توسيعا للرؤية، يمكن استنتاج وقراءة الديناميكيات التي دفعت لاندلاع واستمرار الحرب الإيرانية العراقية لتغدو بمثابة نظرية عمومية في المنطقة، منذ أواسط الستينيات وحتى الراهن. نظرية تقول إنه ما أن يقع نظام سلطوي ما في أزمة خانقة ومهددة لاستقرار حُكمه، حتى يلجأ لإضرام نيران حرب ما، يمكن لها أن تنقذه.

كل حروب الناصرية والصدامية والأسدية والقذافية، نزولا للحروب الأهلية الفلسطينية واللبنانية والسودانية، كانت صورا مستنسخة عن ذلك، عن أبواب جحيم كانت تفتحها أنظمة وقوى سياسية في وجه بعضها البعض، تؤدي بالمجتمعات وكل أشكال الحياة، ولا تكرس شيئا، إلا فيروس السلطوية.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.