Iranian Foreign Minister Mohammad Javad Zarif attends a joint press conference with his Russian counterpart following their…
وزير الخارجية الإيراني محممد جواد ظريف

جمود إقليمي وانكماش سياسي يحيط الملفات التي تدور في فلك إيران والسبب هو انتظار طهران اليوم للانتخابات الأميركية خلال 39 يوما، وما سيترتب عن ذلك في حال فوز الرئيس دونالد ترامب بولاية ثانية أو هزيمته أمام المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن.

الضغوط الإقليمية والاقتصادية من إدارة دونالد ترامب تنهال على إيران آخرها الخميس عقوبات أميركية على قاضيين وثلاثة سجون لارتباطهم بإعدام الشاب والمصارع نويد أفكاري في 12 سبتمبر. هذه العقوبات أتت بعد أيام من تلك الأممية عبر استخدام "سناب باك" الاثنين واستهدفت 27 كيانا وفردا إيراني مرتبطين بحسب واشنطن بالبرنامج النووي الإيراني ونقل وبيع الأسلحة.

في إعلانه عن العقوبات قال المبعوث الأميركي أليوت أبرامز "نحن دائما منفتحون للدبلوماسية إنما على إيران أن ترد بالدبلوماسية وليس بالعنف وذرف الدماء والابتزاز". أبرامز يقصد الهجمات الصاروخية المتزايدة في العراق على المنطقة الخضراء، الجمود الحكومي في لبنان، تثبيت الحضور في سوريا وغزة، وعمليات تهريب السلاح إلى اليمن وتدريب المقاتلين على يد الحرس الثوري.

بايدن يريد إعادة واشنطن إلى الاتفاق بالتنسيق مع الأوروبيين في حال التزمت به إيران، لكن المشكلة اليوم أن العديد من بنوده مثل حظر بيع الأسلحة يفقد صلاحيته قبل نهاية العام

اليوم، إدارة ترامب وإيران تمارسان الشوط الأخير بينهما في لعبة شد الحبال. ترامب يضغط بعصا العقوبات وإيران تضغط بأوراقها الإقليمية التي ضعفت بفعل أزمتها الاقتصادية والوباء. فالعملة الإيرانية وصلت إلى أدنى مستوياتها يوم الأربعاء مع تداول الدولار بعتبة 280 ألف ريال (28 ألف تومان) في سوق طهران للصيرفة. ولذلك، فإن ترامب والنظام الإيراني يدركان بأن لا مهرب من المفاوضات، وكلاهما يعرف الحاجة للآخر للوصول إلى اتفاق. إنما اليوم إيران تلعب لعبة الوقت وتنتظر ما سيترتب على انتخابات 3 نوفمبر الأميركية لتقرير خطواتها المقبلة.

المفاوضات مع إيران آتية لا محال سواء فاز ترامب أم بايدن، إنما الشروط والإطار الناظم للاتفاق سيختلف بين الرجلين. ترامب يظن نفسه صانع الصفقات ويعطي أولوية لأوراق مختلفة في المفاوضات مع إيران، مثل الصواريخ الباليستية، الرهائن الأميركيين الثلاث، ومشاركة دول الجوار وأمن إسرائيل. أما بايدن فيرى الملف من زاوية مكافحة الانتشار النووي، مع زيادة إيران نسب التخصيب عشر مرات عن تلك المسموح بها بالاتفاق النووي الموقع في 2015. بايدن يريد إعادة واشنطن إلى الاتفاق بالتنسيق مع الأوروبيين في حال التزمت به إيران، لكن المشكلة اليوم أن العديد من بنوده مثل حظر بيع الأسلحة يفقد صلاحيته قبل نهاية العام.

المفاوضات مع إيران آتية لا محال سواء فاز ترامب أم بايدن، إنما الشروط والإطار الناظم للاتفاق سيختلف بين الرجلين

أي مفاوضات جديدة مع إيران يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الإقليمية والدفاعية والأمنية داخل الاتفاق السابق. فملف الصواريخ الباليستية، الوجود الأميركي في سوريا والعراق وحرب اليمن سيكونون على طاولة أي مفاوضات مقبلة مع ترامب أو بايدن.

إدارة ترامب تدرك نفوذ إيران الإقليمي ولو أنها تحاول إضعافه، والدليل هو دعوة المبعوث أفغانستان زلماي خليل زاد لطهران للجلوس على طاولة الحوار لإنهاء الحرب هناك. إيران أيضا تدرك نفوذ أميركا الإقليمي، وتريد استمهال أي مقايضة سواء كانت في لبنان أو أفغانستان أو اليمن بانتظار نتائج الانتخابات.

على هذه الوتيرة نحن أمام مرحلة جمود إيراني ـ أميركي حتى الانتخابات في نوفمبر، وسينعكس ذلك مماطلة في لبنان، تذبذبا أمنيا في العراق، شدا للعضلات في اليمن وسوريا واستمهالا للمفاوضات أفغانستان. أما بعد الانتخابات، فتعيد إيران قراءة أوراقها وخياراتها في حصد تنازلات من الرئيس المقبل سواء كان خصمها الحالي ترامب أو بايدن.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.