Turkish demonstrators participate in a demonstration in support of Azerbaijan against Armenia in Ankara on October 1, 2020. -…
تظاهرة في تركيا دعما لأذربيجان في الحرب مع أرمينيا

بعد تفكك الاتحاد السوفياتي اندفعت تركيا وإيران لملء الفراغ في ما كان يعرف بالمجال الحيوي السوفياتي أو الفضاء الإسلامي جنوب روسيا الممتد من آسيا الوسطى إلى بلاد ما وراء القوقاز.

وفي الوقت الذي تمكنت أنقرة من إعادة تمددها في ما كان يعرف بالعالم التركي (آسيا الوسطى) والتي تتقاطع معه عرقيا ومذهبيا، كانت إيران أسيرة هواجسها الجيوسياسية والتعارض القومي والمذهبي مع جوارها الشمال الشرقي والشمال الغربي، وقد شكلت أذربيجان معضلتها الأساسية بعدما طغى الطابع القومي على العقائدي في تشكيل هوية الدولة الأذربيجانية التي نالت استقلالها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي سنة 1991.

لم تستطع طهران منافسة أنقرة المدعومة أميركيا في آسيا الوسطى والقوقاز، وانشغلت في الدفاع عن حصتها في مياه بحر قزوين الغنية بالغاز والنفط، وشكلت إطارا للعمل المشترك مع روسيا الضعيفة حينها، التي وجدت في جمهورية أرمينيا الفقيرة موطئ قدم دائم وقاعدة متقدمة لها في ما وراء القوقاز، وتعاونا على دعم أرمينيا بوجه أذربيجان ومن خلفها تركيا التي استخدمها في تمددها على الكتلة التركية بمكونيها السني والشيعي وكافة فروعها العرقية.

عمليا صعود الهوية الأذرية سيترك أثره على الداخل الإيراني في إعادة تكوين الشيعية التركية ما سيدفع النظام الإيراني إلى إعادة حساباته

تاريخيا أخذت العقدة الإيرانية الأذربيجانية طابعها الرسمي في 10 فبراير 1829 عندما فرضت عليها روسيا القيصرية التوقيع على معاهدة تركمنشاي بعد هزيمتها العسكرية أمامها، وأجبرتها على التخلي عن مناطق ما وراء القوقاز (جورجيا أرمينيا أذربيجان) إضافة إلى داغستان في شمال القوقاز، حيث رسمت بنود هذه المعاهدة حدود التمدد الإيراني حتى سنة 1991.

فمنذ بداية الصراع الأذربيجاني الأرمني على إقليم ناغورنو قره باغ فضلت طهران نظام مصالحها وتجاوزت عقدة الجوار والعرق والمذهب، ووقفت إلى جانب أرمينيا في معركة التنافس الجيوسياسي على هذه المنطقة الحيوية، في مرحلة كان نظامها يتمتع باستقرار سياسي واقتصادي مكّنه من تجاوز معايير داخلية تفرضها التركيبة العرقية لإيران وامتداداتها الجغرافية.

ولكن في الأزمة المندلعة الآن بين أرمينيا وأذربيجان، ومع صعود دور أذربيجان الاقتصادي واستقرار نظامها السياسي ونجاح تحالفاتها الإقليمية والدولية، أصبحت باكو تهديدا حقيقيا للداخل الإيراني الذي تعاني هويته العقائدية أزمة وجودية بعد تراجع تأثير الخطاب الديني للنظام مقابل صعود الهويات الفرعية وفي مقدمتها القومية وخصوصا الأذرية صاحبة التأثير التاريخي على كل من حكم الهضبة الإيرانية أو بلاد فارس في حدودها السلطانية والمعاصرة.

منذ قرون نجحت الشيعية التركية بنموذجيها الصفوي والقاجاري في تأسيس دولة دمجت بين العقيدة والجغرافيا حيث نجحت هذه الثنائية في توحيد الشعوب الإيرانية؛ ورسخت هذه القبائل التركية المقاتلة موقعها بوصفها الحامي للعقيدة والجغرافيا ووحدة التراب الإيراني. وقد تراجع موقعها بعد قيام نظام بهلوي الذي لجأ إلى تكريس الهوية الإيرانية حيث خاض الأذريون الإيرانيون معركة للحفاظ على نفوذهم داخل مؤسسات الدولة وفي الحوزة والبازار.

وفي الثورة الإسلامية كان للأذريين المفصل الحقيقي في إسقاط نظام الشاه بسبب حجم تأثيرهم داخل المجتمع والدولة في إيران، ولذلك يتعامل معهم نظام ولاية الفقيه بحساسية عالية تختلف عن باقي القوميات والعرقيات حتى يضمن حيادهم خلال الأزمات الداخلية، وهذا ما لم تستطع طهران ضبطه في هذه الأزمة بعدما خرجت تظاهرات كبيرة في ثلاث محافظات أذرية في إيران ورفعت شعارات دعم لأذربيجان ودعت إلى الانفصال عن إيران.

منذ التأسيس الجيوسياسي لإيران على يد العائلية الصفوية (تركية العرق) حتى قيام  النظام الإسلامي علي يد آية الله الخميني، لم تعان إيران من أزمة هوية كما تعانيه الآن، بعدما أدت السياسات التي يتبعها المرشد الحالي علي خامنئي إلى بروز الهوية القومية كردة فعل على عسكرة النظام الذي قام بعسكرة الهوية العقائدية، من أجل الحفاظ على استمراره بعدما فشل في تجديد نخبه السياسية والدينية والثقافية

وفي هذا الصدد يقول الباحث في الشأن الإيراني الدكتور علي المدن إن "آية الله الخميني يعرف حجمهم الديني في الحوزة لذا كان الخطاب الديني هو الطريق الملكي لإعادة دمجهم مع الدولة ولكن الآن يتراجع هذا الدور بسبب نجاح تجربة تركية في التحديث والاقتصاد... هم يرون أن بوسعهم البقاء على شيعيتهم كما أذربيجان وربما مع تركيا الإسلامية ومع ذلك يحصلون على الحداثة والاقتصاد القوي لذلك باتوا أكثر تبنيا للنموذج التركي".

منذ قرون نجحت الشيعية التركية بنموذجيها الصفوي والقاجاري في تأسيس دولة دمجت بين العقيدة والجغرافيا حيث نجحت هذه الثنائية في توحيد الشعوب الإيرانية

عمليا صعود الهوية الأذرية سيترك أثره على الداخل الإيراني في إعادة تكوين الشيعية التركية ما سيدفع النظام الإيراني إلى إعادة حساباته، كون الأذر يشكلون ثاني أكبر قومية في إيران ويبلغ تعدادهم قرابة 28 ميلون نسمة وهم يتشاركون قوميا ومذهبيا مع أذربيجان وتركيا، المنافس الأقوى تاريخيا لإيران والتي ستستفيد حتما من هذه المشتركات من باكو مرورا بتبريز حتى كركوك. فإعادة بلورة الهوية الشيعية التركية المتجانسة قوميا مع الهوية السنية التركية سيشكلان معضلة مستقبلية لطهران داخلية وخارجية.

في الداخل مخاطر تفكك النظام الإيراني قائمة، نتيجة سوء العلاقة ما بين المركز والأطراف، أما خارجيا فتبدو المنافسة تشتد بين إيران وأذربيجان ومن خلفها تركيا، بعدما نجحت باكو في تكوين هوية شيعية وطنية قومية مستقلة متواصلة مع الداخل الإيراني نجحت في الفصل ما بين المصلحة القومية والعاطفة القومية، فهي مغرية لأتراك إيران من النافذة المذهبية وتشكل عصبا قوميا لجهة التحالف مع أنقرة.

إن صعود الهوية الشيعية التركية كدولة فاعلة في منطقة حساسة وإعادة أذر إيران الاعتبار لهويتهم الفرعية سيفتح تساؤلات مباشرة عند العراقيين الشيعة لمراجعة هويتهم الوطنية والاختيار بين الشيعية التي تصادرها طهران والقومية التي تخاصمها، فقد بات النموذج الهندي والخليجي سابقا والأذربيجاني حاليا مصدر إرباك لطهران في تعاملها مع مجتمعات شيعية خارج حدودها.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.