A volunteer disinfects a shop in Baghdad's Bayaa neighbourhood on March 21, 2020 as a preventive measure against the spread of…
تعقيم أحد أحياء بغداد من قبل متطوعين

لن نتطرق إلى روايات آخر الزمان، التي وإن كانت مؤثرة في جوهر الرؤية لدى العديد من رجال الدين والسياسة الذين يشكلون ما يمكن أن يسمى الطبقة "المذهب ـ سياسية" المهيمنة على القرار في العراق، إلا أنها تتحرك في هامش المخاوف الجادة التي تسيطر على هذه الطبقة وتنسحب من الأطراف المتطرفة إلى المعتدلة فيها، حول وجود مؤامرة ما تدور ضد فكرة "حكم الشيعة" للعراق، وأن ما يدور في هذه الأثناء لا يخرج عن إرهاصات هذه المؤامرة.
خطورة هذه القناعة المتصاعدة، أنها تتكرس تدريجيا وبضغط "بروباغندا" إعلامية هائلة تستخدم فيها كل الأسلحة المتاحة للتأثير في القناعات ونشر الفوضى المفاهيمية مستندة إلى تاريخ الاضطهاد الشيعي، لتحاول إيجاد تصنيف للسكان الشيعة العراقيين أنفسهم، بين مقاومين لهذه المؤامرة الكونية، ومساهمين فيها، لذلك اتهمت معظم الطبقة "المذهب ـ سياسية" سرا أو علنا، التظاهرات الشبابية الأخيرة التي انطلقت في المدن الشيعية، بأنها أخطر حلقات "المؤامرة"، بعدما استخدم الأعداء الغامضون المؤامرة المذهبية والقومية ضد "حكم الشيعة" من خلال الممانعات "السنية" و"الكردية"، قبل الانتقال إلى "المؤامرة الإقليمية" على يد "الدول السنية" في المنطقة بإنتاج "القاعدة" و"داعش"، ومن ثم أصبحت مؤامرة "دولية ـ أميركية"، وانتهت أخيرا بتآمر الشيعة أنفسهم من خلال التأثير على طبقة الشباب للثورة على حكامهم الشيعة!

المصارحة وليس المؤامرة، يمكنها أن تجيب عن كل شيء حدث طوال 17 عشر عاما مضت

واقع الحال، أن هذه المؤامرة المتخيلة، لم تكن متداولة في الأوساط السياسية والدينية الشيعية بهذه الفداحة، ويبدو أن تصاعد استخدامها مرتبط بعاملين متلازمين بالضرورة، أحدهما يخص حالة الاستياء الشعبي العام من فشل أحزاب الإسلام السياسي في تجربة إدارة الدولة وسقوطها في الفساد وانعدام الكفاءة والمحسوبيات التي أضعفت الحكم، والثانية تمثل الاستسلام للتماهي مع الخطاب الإيراني الذي يستند في جوهره إلى التعشيق المفاهيمي بين المظلوميات التاريخية والمؤامرة الكونية، والعجز عن إصدار نسخة خطاب عراقية داخلية.
ففي الأولى، يمثل إلقاء اللوم على تآمر الخارج والداخل، والغيبيات الغامضة، وعدم إيمان السكان، مسارا تقليديا لكل الحكام الذين فشلوا في إدارة بلدانهم، وهو المسار الذي لا يمكن تسويقه أبدا، فالحكم الحالي هو تجربة أميركية بالكامل إلى درجة أن فلسفة السياسي الراحل الذي أسس "البيت السياسي الشيعي" أحمد الجلبي كانت تتبنى نظرية التحالف الشيعي ـ الأميركي في المنطقة، والأميركيين رعوا هذه التجربة ودعموها طوال السنوات الماضية، ولا يبدو أنهم بمعرض التخلي عنها حتى وهم يلوحون بفرض عقوبات اقتصادية على العراق، والتي بدورها ستكون غطاء مثاليا لإتمام ألوان لوحة "المؤامرة" القاتمة.

وفي الثانية، فإن إيران قد تمتلك مبرراتها الخاصة لتبني سردية المؤامرة، التي لا تنطبق بالضرورة حتى على مستوى الفهم الفقهي والفلسفي، ناهيك عن السياسي والثقافي، على حال السرديات العراقية الكلاسيكية، فثمة من يرى أن العقوبات الاقتصادية ضد إيران يقابلها دعم دولي للعراق، والموقف الإقليمي من إيران يقابله انفتاح إقليمي للتعاون مع العراق، والنظرة إلى السياسة والدين والعلاقة بينهما تختلف في النجف عنها في قم، والجذور والخلفيات الثقافية والصيرورات الاجتماعية والديموغرافيا السياسية جميعها لا تدعم تبني العراقيين للرواية الإيرانية عن المؤامرة.
بالطبع.. هنالك حاجة إلى مصارحة حقيقية وصادمة بشأن ظروف وأسباب الاضطرابات العراقية الدامية منذ 2003، ومدى انسجامها مع فرضية "المؤامرة"، أو أنها تشكل سياقا طبيعيا للأخطاء السياسية المشتركة التي بدأت في واشنطن وبلغت ذروتها في بغداد.

إيران قد تمتلك مبرراتها الخاصة لتبني سردية المؤامرة، التي لا تنطبق بالضرورة على حال السرديات العراقية الكلاسيكية

وهذه المصارحة ضرورية لأنها هي الطريق الوحيد لإنهاء مرحلة والبدء بأخرى مختلفة في العراق، فهي التي يمكنها أن تجيب عن أسباب فشل تطبيق أنظمة "عدالة انتقالية"، وإنْ كانت كل التنظيمات المسلحة التي خرجت في العراق بطروحات مختلفة وانتهت إلى محرقة حرب أهلية مدمرة هي نتاج هذا الفشل، كما أن بإمكانها أنْ تجيب عن أسباب انهيار المنظومة الأمنية والعسكرية أمام تنظيم إرهابي كـ"داعش"، وفيما إذا كانت مؤامرة كونية، أم خطأ منهجيا في حسابات الحاكم الذي ورط العراق في تداعيات الأزمة السورية ونظام المحاور الإقليمية.
المصارحة وليس المؤامرة، يمكنها أن تجيب عن كل شيء حدث طوال 17 عشر عاما مضت، لأن التستر وانعدام الشفافية سمحا ببناء روايات متخيلة، وأحداث ومواقف مزورة، وأبطالا مزورين، كما أن المصارحة بإمكانها أن تفسر غدا فيما لو كانت العقوبات الأميركية التي يتم التلويح بها مجرد استمرار لـ"المؤامرة" ضد شيعة العراق، أم سياق طبيعي لفشل أصحاب القرار العراقي الحقيقي من أحزاب ومليشيات في إدارة العلاقات الدولية.

A man adjusts a facemask with his face's image printed on it created at a photo studio as other facemasks are hung amid…
كمامات بشكل مبتكر

يتعجب البعض ـ إن لم يكن الكثيرون ـ من فيروس كورونا والمرض الذي يحدث بسببه. فمعظم من يصاب به لا يعاني من مرض شديد، وقد لا تظهر عليه أي أعراض على الإطلاق، وهو أيضا فيروس قد يتسبب في موت البعض، وخاصة من كبار السن، ومع ذلك فقد ينجو منه الكبار، وقد يموت بسببه الصغار بدون سبب معروف. وهو فيروس قد يصاب به شخص لديه أمراض عديدة وينجو منه، في حين أن بعض الأصحاء قد يموتون بسببه بدون أي سبب معروف.

وهكذا حير الفيروس الكثيرين معه!

ولفهم هذا الأمر وهذا التباين الشديد في تأثير الفيروس على المصابين به نحتاج أن ندرك أن نتيجة الإصابة بالأمراض الفيروسية لا تعتمد فقط وبالضرورة على قدرة الفيروس على تدمير خلايا الجسم، بل تعتمد أيضا ـ وأحيانا بدرجة كبيرة ـ على رد فعل جهاز المناعة في أجسامنا.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن فيروس الكبد الوبائي من نوع "بي" لا يدمر خلايا الكبد، ولكنه وبالرغم من ذلك يتسبب في التهاب كبدي مزمن ومدمر للكبد في بعض الأحيان، ويفسر ذلك بأن تدمير خلايا الكبد بسبب الفيروس أساسا، ولكن بسبب رد فعل جهاز المناعة.

الكارثة تكون حين يكون جهاز المناعة متوسط الكفاءة وليس ضعيفا، فهو في هذه الحالة لا يترك الفيروس لحاله ولا يستطيع التخلص منه نهائيا في الوقت عينه

 فلو كان جهاز المناعة ضعيفا فإنه يترك الفيروس لحاله ويصبح المريض في هذه الحالة "حاملا" للمرض فقط وخلايا كبده تظل سليمة، أما إذا كان جهاز مناعته كفؤا للغاية فإنه يقضي تماما على الفيروس في الجسم.

والعجيب أن الكارثة تكون حين يكون جهاز المناعة متوسط الكفاءة وليس ضعيفا، فهو في هذه الحالة لا يترك الفيروس لحاله ولا يستطيع التخلص منه نهائيا في الوقت عينه، بل يحاول القضاء عليه ويفشل ثم يحاول مرات عديدة وهو غير قادر على الفتك النهائي بالفيروس، وفي كل هذه المحاولات الفاشلة لتدمير الفيروس يدمر جهاز المناعة خلايا الكبد وسط معركته الفاشلة مع الفيروس.

فيا للعجب، فلو أن جهاز المناعة كان ضعيفا لما مرض الإنسان بالالتهاب المزمن المدمر لخلايا الكبد، وفي هذه الحالة فإن المناعة الضعيفة ـ تكون أفضل من المناعة المتوسطة.

وفي حالة فيروس كورونا فإن جهاز المناعة قد يحدد أيضا مسار المرض. فنحن نعلم أن الفيروس وحده قد يصيب خلايا الرئة وخاصة الخلايا الموجودة في جدار الحويصلات الهوائية (نيوموسيتس ـ 2)، ويتسبب في الكثير من مضاعفات المرض، ولكن في نفس الوقت فإن جهاز المناعة عند بعض المصابين بالفيروس قد يتعامل بصورة محمومة مع الفيروس فيصدر أو ينتج مواد التهابية شديدة مثل "الستوكينز" وهو ما يسمى بعاصفة الستوكينز المدمرة، وهذه المواد الالتهابية قد تتسبب في مضاعفات كارثية قد تنهي حياة بعض المرضى، سواء كانوا كبارا أم صغارا، وسواء كانوا أصحاء أم مصابين بالعديد من الأمراض المزمنة.

ويأتي أيضا توقيت علاج المرض بالعقارات ليساهم في تباين نتائج الإصابات بين المصابين به، فإن تم استخدام عقارات مثل الهيدروكسي كلوروكين أو الأزيثروميسين أو الزنك أو غيرها في مرحلة متأخرة جدا من المرض وبخاصة إذا تم تدمير خلايا جدار الحويصلات الهوائية وإصابة الأخيرة بنوع من التليف، فإن هذه العقارات قد لا تفلح في علاج المرض على الإطلاق.

العديد من الدول أوصت باستخدام الباراسيتامول بدلا من البروفين للسيطرة على درجة الحرارة المرتفعة مع فيروس كورونا

ومن عجائب هذا الفيروس أنه لا يكتفي فقط بمهاجمة خلايا الرئة بل قد يتسبب أيضا في تنشيط زائد لعملية التجلط في الدم مما قد يؤدي إلى حدوث جلطات في أماكن عديدة من الجسم ومن أشهرها جلطات الرئة.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الفيروس قد يتسبب في التهاب في عضلة القلب وقد يصيب أحيانا الجهاز العصبي.

وهناك أيضا عوامل أخرى قد يكون لها علاقة بالتباين الشديد في الوفاة كنتيجة للمرض، فعلى سبيل المثال فإن استخدام عقار "الإيبوبروفين" لعلاج بعض أعراض المرض مثل ارتفاع درجة الحرارة قد يزيد من عدد مستقبلات الفيروس على سطح خلايا الرئة، وبالتالي قد يزيد من احتمالات الوفاة به، ولذا وعلى سبيل المثال فإن العديد من الدول أوصت باستخدام الباراسيتامول بدلا من البروفين للسيطرة على درجة الحرارة المرتفعة مع فيروس كورونا.

ومما سبق يتضح لنا أنه بالرغم من أن حالات الوفاة من الفيروس تكون غالبا في كبار السن المصابين بعدة أمراض، ولكن طبيعة الفيروس ورد فعل جهاز المناعة ضده، وتوقيت استخدام العقارات لعلاجه ونوع هذه العقارات تتحكم جميعا وتؤثر في النتائج المترتبة على الإصابة بالفيروس.

وأخيرا فمن الجدير بالذكر أيضا أن معظم المصابين بالفيروس تمر إصابتهم من دون إحداث أي أعراض مرض أو أي مضاعفات لديهم!