Syrian Army police photographer defector known as "Caesar"(C-blue jacket) waits to brief the House Foreign Affairs Committee on…
المصور السوري المنشق المعروف بقيصر خلال شهادته في الكونغرس الأميركي عن التعذيب في سجون النظام السوري

من المحرر: توفي الدكتور رياض عصمت بعد إصابته بفيروس كورونا في 14 مايو ٢٠٢٠. وبعد وفاته تبين لعائلته أن الدكتور سبق أن كتب عددا من المقالات التي لم تنشر بعد، لذلك قرر موقع الحرة نشر هذه المقالات تباعا.

يقول هاملت في المسرحية التراجيدية التي تحمل اسمه: "ليس هناك أمرٌ جيد أو سيء، لكن تفكيرنا ما يجعله كذلك. بالنسبة لي الدنمارك سجن". يلخص شكسبير في هذه الجملة الشعرية البليغة من مسرحيته "هاملت" كيف يمكن للإنسان وهو حر طليق أن يشعر أن الوطن أصبح سجنا. 

الحرية، تلك الكلمة السامية والهدف المنشود للمجتمعات الديمقراطية، أصبحت غائبة في ظل الحكم الديكتاتوري للملك كلوديوس. هذا ما يشعر به الأمير هاملت، قبل أن يسمع من شبح والده الراحل أنه لم يمت موتا طبيعيا، بل قضى اغتيالا على يد أخيه كلوديوس (عم هاملت) الذي صب السم في أذنه وهو نائم في الحديقة، وتزوج من أرملته غرترود (والدة هاملت) ليعتلي عرشه دون حق، ويعيث فسادا في الدنمارك، محاولا قتل هاملت بشتى الطرق. 

"الدنمارك سجن" عبارة كثيرا ما ترددت على خشبات المسارح بمختلف اللغات في شرق الدنيا وغربها كصرخة منذرة بتلاشي حرية التعبير في بلدان عديدة تحت وطأة أنظمة مستبدة تقمع الأصوات المعارضة وتزج بها في السجون، بحيث أصبحت الأوطان زنزانات للأرواح المتمردة.

ساد في الربع الأخير من القرن العشرين في العالم العربي ما أطلق عليه "أدب السجون". بغض النظر عن تعرض أصحاب القلم الذين أبدعوا روايات وقصصا ومسرحيات تنضوي تحت صنف أدب السجون إلى تجربة السجن، أم كون وصفهم لها عملا من أعمال المخيلة، فإن صور ما يجري في زنزانات المعتقلات وسراديب السجون السياسية من استجوابات يصحبها تعذيب شديد وامتهان للكرامة الإنسانية كانت صورا تستقطب اهتمام عموم القراء، فيصدقونها بغض النظر عن حقيقتها. هكذا هو الأدب البارع: مصداقية في القص، ومهارة في الإقناع. المهم هو تصدي أولئك الكتاب على اختلاف مواقفهم السياسية ومدارسهم الأدبية في إدانة الاعتقال التعسفي وطرائق استنطاق الموقوفين.

تناولت رواية مصطفى خليفة "القوقعة" بالتفاصيل الدقيقة حياة السجن في تدمر، ونالت شهرة عريضة، وجرى تداولها سرا بعد أن منعتها الرقابة من التداول في المكتبات العامة.

فاجأ نجيب محفوظ، حائز جائزة نوبل العربي الوحيد، قراءه الشغوفين برواياته الواقعية والتاريخية وقصصه ومسرحياته القصيرة التجريبية بروايات قصيرة تناولت بصورة مباشرة موضوع الاضطهاد السياسي، من أشهرها "الكرنك"، رغم أنها لم تكن تلك المرة الأولى التي قارب فيها محفوظ موضوع الاضطهاد السياسي، فهناك روايات سابقة ولاحقة عن عهود الماضي أو الحاضر ألمح فيها إلى موضوع السجن الاعتباطي والوشاية والمخبرين، مثل "ثرثرة فوق النيل"، "ميرامار" و"أمام العرش". 

كما نذكر بين الأعمال الرائدة رواية قصيرة (أو قصة طويلةnovelette ) بعنوان "تلك الرائحة" من تأليف الأديب المصري صنع الله إبراهيم. ورغم أن القصة تبدأ وبطلها خارج من السجن، إلا أن تجربة السجن تسكنه، تخيفه، تجعله يتوجس خوفا من مراقبة المخبرين، ويشتم رائحة كريهة تنبعث من لا مكان في شوارع القاهرة. 

تلا الكاتب عمله ذاك برواية قصيرة أخرى أشد إحكاما وجرأة بعنوان "اللجنة". هنا، يخضع البطل لسلسلة من المواقف العبثية اللامعقولة من الاضطهاد تذكرنا بفرانز كافكا وروايته الشهيرة "المحاكمة". 

بدوره، تصدى الأديب جمال الغيطاني لاضطهاد المخابرات، إنما من خلال الإسقاط التاريخي الذي برع فيه، مقنعا القارئ أنه استحوذ على وثائق صفراء حقيقية في حين أنه يؤلف من بنات الخيال. أشهر روايات الغيطاني الرائدة "الزيني بركات"، التي تتصدى للبصاصين في نظام شمولي مبكر. 

في المسرح المصري بوجه خاص، لمعت أصوات مؤلفين عالجوا ظاهرة القمع البوليسي، مثل محمود دياب، علي سالم، ميخائيل رومان، صلاح عبد الصبور، سعد الدين وهبة، لينين الرملي، بل حتى رائد المسرح العربي توفيق الحكيم قارب ذلك الموضوع بصورة رمزية في مسرحيتيه العبثيتين "يا طالع الشجرة" و"مصير صرصار". 

بدورها، كتبت الأديبة والمفكرة نوال السعداوي مسرحية واقعية عن سجن النساء أسمتها "اثنى عشرة امرأة في زنزانة" وكتابا غير أدبي non-fiction بعنوان "مذكرات في سجن النساء".  

على مستوى روائي أكثر غنى في الخيال والتعبير، كتب الروائي عبد الرحمن منيف (الأديب السعودي الذي قضى حياته مهاجرا بين بغداد ودمشق ومدن أخرى) روايته الشهيرة "شرق المتوسط"، التي تعتبر مثالا متكاملا لأدب السجون. 

هناك رواية عراقية شهيرة للأديب فاضل العزاوي بعنوان "القلعة الخامسة"، تعتبر نموذجا لأدب السجون، حيث يتغير متهم بريء في السجن إلى مناضل سياسي، وهي الرواية التي حولها صنع الله إبراهيم إلى سيناريو، كتبت له الحوار، وأخرجه بلال الصابوني في عام 1979. 

في حقبة السبعينيات، كتب السوري نبيل سليمان روايته "السجن"، وكتب خالد خليفة عدة روايات تدور حول الاضطهاد السياسي مثل "مديح الكراهية" التي فازت بجائزة إندبندنت العالمية، بينما تناولت رواية زميله الآخر مصطفى خليفة "القوقعة" بالتفاصيل الدقيقة حياة السجن في تدمر، ونالت شهرة عريضة، وجرى تداولها سرا بعد أن منعتها الرقابة من التداول في المكتبات العامة. 

كما كتب السوري خيري الذهبي رواية تعرضت للمنع بعنوان "هشام" أو "الدوران في المكان"، وهي ثالث أجزاء ثلاثيته بعد "حسيبة" و"فياض". بدوره، لم يوفر الروائي السوري المتميز فواز حداد جهدا في التطرق عبر أكثر من رواية تاريخية أو معاصرة إلى الموضوعات الساخنة، خاصة في روايتيه "السوريون الأعداء" و"الشاعر وجامع الهوامش". 

هناك رواية عراقية شهيرة للأديب فاضل العزاوي بعنوان "القلعة الخامسة"، تعتبر نموذجا لأدب السجون، حيث يتغير متهم بريء في السجن إلى مناضل سياسي

بدورها، كتبت الروائية المعروفة سمر يزبك رواية مثيرة تتضمن لمحات فريدة من أدب السجون بعنوان "لها مرايا"، إذ تناولت في عملها علاقة ممثلة سبق أن تعرضت لتجربة السجن مع ضابط أمن. ترجمت أعمال عدد من الأدباء المصريين والسوريين إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية، وحظيت باهتمام من متابعي آداب الشرق الأوسط.

هناك عدة أفلام مصرية تناولت موضوع الاعتقال والسجن والاستجواب تحت وطأة التعذيب، نذكر منها "العصفور" (1972)، سيناريو لطفي الخولي بالمشاركة مع مخرجه يوسف شاهين، وبطولة محسنة توفيق. نذكر أيضا "الكرنك" (1975) عن رواية نجيب محفوظ، التي حولت إلى فيلم سينمائي كتب السيناريو له ممدوح الليثي وأخرجه علي بدرخان ولعبت بطولته النجمة سعاد حسني، والنجم كمال الشناوي شخصية مشابهة لشخصية صلاح نصر، الرجل المرعب الذي تولى رئاسة جهاز المخابرات في عهد جمال عبد الناصر. كما نذكر "زوجة رجل مهم" (1988)، سيناريو رؤوف توفيق، إخراج محمد خان وبطولة أحمد زكي وميرفت أمين، "زائر الفجر (1973)، سيناريو رفيق الصبان مع مخرجه ممدوح شكري، وبطولة ماجدة الخطيب.

في الختام، أذكر أنني سألت ذات مرة شخصا قضى بين سجني تدمر وصيدنايا قرابة عشرين سنة عن رأيه في مدى مصداقية وصف حياة المعتقل في رواية مصطفى خليفة "القوقعة"، فضحك وقال لي: "تسألني عن واقعيتها؟ هي قطرة من بحر. لو كنت كاتبا روائيا، لألفت عما مررت به مئة قوقعة".

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.