French President Emmanuel Macron delivers a speech in Breil-sur-Roya, southeastern France, on October 7, 2020, during a visit…
ماذا قال الرئيس الفرنسي لِيُحْدِث كلَّ هذا الضجيج الغاضب في دوائر الفاعلين المسلمين/ المتأسلمين؟

أثارت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة موجة غضبٍ عند كثير من المسلمين، أو عند المتأسلمين على نحو أدق؛ بوصفها ـ كما يزعمون ـ تصريحات مُتَحيِّزة ضد الإسلام. بل وزاد بعضهم حتى وصفها بأنها تصريحات تُعبّر عن كراهية عميقة للإسلام، إضافة إلى وصف بعضهم الآخر لها ـ في سياق تخرّصات الغضب ذي الطابع القومي؛ رغم إسلاميته!ـ بأنها تصريحات "عنصرية"، تتنافى مع أهم مبادئ التنوير التي تأسست عليها الجمهورية الفرنسية التي يتحدث ماكرون بلسانها في تصريحه المثير. ثم هو يتحدث بصفة أساسية عن المسلمين في فرنسا، أي عن واقع/ وقائع داخل جمهورية التنوير؛ حتى وإن كان في هذا السياق الفرنسي الخاص لم يُغْفل الإشارة إلى واقع الإسلام بشكل عام؛ لكون ما حدث ـ ويحدث ـ لـ"الإسلام العالمي"/ الإسلام في العالم، من حيث التحولات والمتغيرات والأزمات، ينعكس بشكل مباشر على "الإسلام الخاص"/ الإسلام في فرنسا.

ماذا قال الرئيس الفرنسي لِيُحْدِث كلَّ هذا الضجيج الغاضب في دوائر الفاعلين المسلمين/ المتأسلمين؟ كان أبرز ما قاله ـ وبكثير من التلطّف والاحتراز ـ: "الإسلام ديانة تمُرّ بأزمة في كل بقاع العالم اليوم"، كما أشار إلى أن التطرف ينتشر بين المسلمين، وأن أقليّة من المسلمين في فرنسا يُمثِّلون خطرَ تشكيلِ "مجتمع مضاد"، في سياق التحذير من "الانعزالية/ الانفصالية الإسلامية". وحديثه هذا كان في ضاحية من ضواحي باريس المعروفة بالطابع الإسلامي المتشدد، أي في الضاحية التي يُحاول فيها المتطرفون إقامة ما يشبه تجربة "الانفصال الشعوري" التي تحدث عنها قديما سيد قطب، بل وأحيانا إلى ما يشبه مناطق لـ"الحكم الذاتي" للمتطرفين.

هل في هذا التوصيف المذكور آنفا، وما رافقه من إشارات وملابسات واقعية، خطأ يستحق بعض هذا الغضب المجاني؟ المشكلة أن هذا الغضب لم يصدر فقط عن أفراد متناثرين على امتداد فضاء النشاط الوعظي/ الدعوي الإسلامي؛ بحيث نُحِيل الأمر إلى مسؤوليات فردية لها ظروفها الخاصة التي لا يجوز تعميمها، بل صدر الغضب المجاني عن مؤسسات دينية كبرى على امتداد العالم الإسلامي، وصرّحت به بعض الدول على ألسنة كبار مسؤوليها (تركيا كمثال)، وتنادت به فضائيات وصحف وأقلام معروفة، وكلها تصف "تشخيص" الرئيس الفرنسي للحالة الإسلامية بأنها عدوان على الإسلام ذاته، وليس فقط على المسلمين.

التراث الذي تشتغل عليه الآلة الفقهية في أهم مؤسسات التشريع في العالم الإسلامي؛ لم يُرَاجَع إلى الآن، بل هو اليوم يُؤخَذ ويطبق ـ أو يُدْعَى لتطبيقه ـ كما كتب قبل ألف عام

بحق، الرئيس الفرنسي لم يقل إلا حقا، بل لم يقل إلا بعض الحق؛ رفقا ولطفا بمشاعر "مَن لا يفهم" القول ـ أي قول ـ إلا على مُتَمَفْصِلا على ثنائية الوعي الضدّي. ما قاله الرئيس الفرنسي هو ما أقوله وأؤكد عليه منذ بدأت الكتابة التشخيصية/ النقدية للحالة الإسلامية/ لحال الإسلام، قبل ثمانية عشرا عاما. 

نعم، "الإسلام ديانة تمر بأزمة في كل بقاع العالم اليوم"، قلتها مرارا وفي أكثر من مقال. وعندما نقول: الإسلام، فنحن لا نقصد: "نصوصه الأولى المقدسة" (المفتوحة بطبيعتها على فضاء تأويلي واسع)، وإنما نقصد: الإسلام المتمثل في المسلمين كوقائع مُتَعيّنة للإسلام/ كتجسيد تأويلي راهن للإسلام، أي الإسلام في واقع المسلمين، الإسلام المعاش، الإسلام المسطور في ملايين الكتب والخطب والمواعظ والدروس والمحاضرات والمنشورات وبرامج الحركات والأحزاب...إلخ الذي يتشكل به وعي الأغلبية الساحقة من مسلمي اليوم. هذا الإسلام يمرّ بأزمة، ويتسبّب للعالم بأزمة، وتزاد حدة التأزم؛ كلما فرضت الاحتياجات المعيشية مزيدا من التواصل مع الآخر، حتى يكاد يكون الإسلام اليوم مشكلة مستعصية على الحل في كل مكان، لا في الغرب أو الشرق فحسب، وإنما حتى داخل نطاق العالم الإسلامي.

كل الديانات الكبرى، وكل الثقافات العريقة، وكل المجتمعات الإنسانية المتحدرة عن حضارات راسخة، تصالحت مع العالم الحديث، وتكيّفت ـ بأعلى وأرقى درجات التكيّف ـ مع العالم الحداثي، مع العالم المعاصر المتغرّب؛ دونما عُقَدٍ واضطرابات؛ إلا أتباع الثقافة الإسلامية التقليدية الرائجة اليوم في عالم المسلمين، فهؤلاء يزدادون تأزما كل يوم؛ فيما بقية البشر يزدادون ـ بمرور الأيام ـ تحرّرا من شروط التأزم القديم.

إنه لمن الغريب والمريب والمُحزن في آن، أن الإسلام ـ مُمَثَّلا في المسلمين وفي تدينهم الرائج ـ يعيش اليوم في أزمة مع نفسه ومع العالم؛ بأشد وأقسى وأعقد مما كان عليه حاله مطلع القرن العشرين. فبينما يُفتَرَض بالإسلام/ بالمسلمين أن تتطور لياقته/ لياقتهم في التكيف مع العصر في سياق الانفتاح التواصلي والإعلامي والثقافي المتسارع مع الآخر، نجد الأمر على العكس، نجدهم يسيرون في خط عنادي، يغالي في تزمته وانغلاقه وانفصاله عن الآخر؛ كلما كانت الحاجة أكبر للانفتاح، بل ويمعن في ذلك؛ كلما توفّرت وسائل أكبر وأيسر للانفتاح.

إن الإسلام الذي طرحته الإصلاحية الدينية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، على لسان محمد عبده مثلا، يبدو أكثر تسامحا وانفتاحا وتواصلا مع الآخرين، من الإسلام الأصولي التقليدي في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، هذا الإسلام التراثي الأثري الذي أصبح الحويني (من غير إغفال لدور غيره من كبار الفاعلين في التأسيس السلفي التقليدي) رمزه الأكبر بامتياز.

لم يتصور محمد عبده، وبقية نشطاء الحركة الإصلاحية قبل 120 عاما أن الدروس، والمحاضرات، والخُطب، والكتب، والمنشورات التوعوية، والمطبوعات التوجيهية، وبرامج الإفتاء التقليدية، على امتداد العالم الإسلامي، ستكون متخمة بأسئلة سلفية/ تقليدية ذات طابع انغلاقي صارخ؛ من نوع: هل يجوز لي تهنئة غير المسلم بالسنة الجديدة؟ هل يجوز لي تهنئة غير المسلم بالعيد؟ هل يجوز لي إلقاء التحية على غير المسلم ابتداء؟ وإذا هو/ غير المسلم ألقى التحية عليَّ؛ فهل يجوز لي أن أرد؟ وما هي الصيغة الشرعية في الرد؟ هل أرد عليه نصَّ التحية أم أقول فقط: وعليكم؟ وإذا ابتسم في وجهي؛ هل يجوز أن أبتسم في وجهه؟ وهل يجوز لي الاحتفال بعيد ميلادي (من باب أنه عادة غربية غير معروفة في تاريخ المسلمين)؟ وهل يجوز لي حضور عيد رأس السنة مع غير المسلمين؟ وهل يجوز لي أن أقول لغير المسلم: أحبك؟ وهل يجوز أن آكل مع غير المسلم...إلخ هذه الأسئلة التي تدّل على أزمة عميقة في مسار الاشتباك التواصلي مع الآخر، والتي لم تكن مطروحة على بساط البحث الشرعي في الخطاب الإصلاحي قبل مئة عام.

الرئيس الفرنسي لم يقل إلا حقا، بل لم يقل إلا بعض الحق؛ رفقا ولطفا بمشاعر "مَن لا يفهم" القول ـ أي قول ـ إلا على مُتَمَفْصِلا على ثنائية الوعي الضدّي

لم يَتخيّل الإسلام الإصلاحي بداية القرن العشرين أن المسلمين بعد قرن كامل سيقطعون أشواطا طويلة، ولكن إلى الوراء، إلى الانغلاق والانعزال الواقعي والشعوري عن "العالم المعاصر" الذي باتوا يشعرون أنه مختلف عنهم، بل وأنه مُعادٍ لهم، وأن هذا الشعور بات يتنامى بمرور الأيام حتى تحوّل إلى مرض نفسي يكاد يكون خاصا بالمسلمين. 

لم يكن رجالات ذلك الإصلاح يتخيّلون أن يصبح كتاب ابن تيمية: "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" كتابا شبه مقدس في تقرير كيفية تعامل المسلم مع غير المسلمين (الكتاب يتأسس على فكرة أن "الصراط المستقيم" الذي يدعو المسلمون في كل صلواتهم أن يهديهم الله إليه، يقتضي ـ ضرورة ـ مخالفة "أصحاب الجحيم"، الذين هم غير المسلمين. فموضوع الكتاب كله قائم على وجوب الاختلاف التمايزي ـ ذي النفس العدائي في كل شيء ـ عن غير المسلمين).

ربما يذكر بعض القرّاء حديثي عن شخصية "الشيخ عثمان" في مقالي الذي كان بعنوان: "عولمة ابن تيمية"، حيث تُمثّل هذه الشخصية نموذجا فرديا للخطر العام الذي تحدث عنه الرئيس الفرنسي. فالشيخ عثمان (وهو اسم مستعار لشخصية واقعية)، رجل عربي يعيش في أكثر دول أوروبا حرية وتسامحا/ هولندا، منذ كان طفلا في الثانية عشرة من عمره؛ وإلى اليوم، وهو عند لقائي به كان في الرابعة والخمسين، أي أنه يعيش في هولندا منذ اثنين وأربعين عاما. ومع هذا، وبفعل برامج الوعظ الإسلامي المنتشر في المساجد والمراكز الإسلامية التي تستورد "إسلامها" من معاقل التقليدية في العالم الإسلامي، تحوّل هذا الشاب إلى منغلق أشد ما يكون الانغلاق، إلى متطرف إسلاموي ليس لديه استعداد لقبول المسلمين المختلفين عنه في هذا التفصيل العقدي أو ذاك، فضلا عن غير المسلمين الذين بات يعيش معهم في "مودة ظاهرية"، بينما هو يكرههم في العمق، ويسعى حثيثا، وبشكل دؤوب ذي طابع تعبّدي، للانفصال عنهم شعوريا على كل المستويات.

حقيقة، لا أدري لماذا نغضب من تشخيص الرئيس الفرنسي لحالنا، بل لا أدري حتى لماذا نُنْكر أصلا هذا التشخيص الدقيق، وكأننا نخدع أنفسنا بخداعنا للآخرين، أو كأننا في عصر يمكن فيه "إخفاء الأسرار الفكرية/ العقدية" المضنون بها على غير أهلها؛ فكيف بما هو معلن على رؤوس الأشهاد في البرامج والدروس والخطب والمحاضرات؟

مشكلتنا تجمع بين "الجهل الموروث" المتداول بوصفه علما، و"العقد النفسية" المتراكمة؛ حتى بتنا نتصور أننا بمجرد نفي المشكلة/ نفي التهمة؛ تنتفي التهمة حقيقة من الواقع، ونصبح أبرياء من التشريع لمقولات الانفصال والانعزال: التطرف والانغلاق.

ثمة مسائل حيوية عالقة؛ لم تُرَاجع مراجعة جذرية إلى اليوم؛ رغم كونها مصدر إشكال دائم. التراث الذي تشتغل عليه الآلة الفقهية في أهم مؤسسات التشريع في العالم الإسلامي؛ لم يُرَاجَع إلى الآن، بل هو اليوم يُؤخَذ ويطبق ـ أو يُدْعَى لتطبيقه ـ كما كتب قبل ألف عام. عندما تحدّث أبو إسحاق الحويني ـ كأكبر شيخ سلفي معاصر ـ عن الجهاد، وأن الجهاد (وما يتبعه من سبي واسترقاق وبيع البشر في الأسواق) هو الحل الأمثل لمشكلة الفقر التي تواجه العالم الإسلامي، لم تتدخل المؤسسة الدينية الرسمية الأزهرية في مصر (بلد الحويني)، وتعيد صياغة المفاهيم الراسخة المتوارثة حول الجهاد؛ على الرغم من الجماهيرية الكبيرة للحويني، وخطورة أطروحته في هذا السياق. 

هذا النوع من الإسلام المتطرف لا شك أنه يُشَكّل كارثة على المسلمين في المهجر الغربي، وعلى المجتمعات الغربية التي تحتضنهم بكرم باذخ؛ بقدر ما يُشكّل كارثة على المسلمين في العالم الإسلامي

طبعا، لم يتدخل الأزهر (مع أنه تدخّل مؤخرا للرد على تصريح الرئيس الفرنسي!)؛ لأنه ـ بتصميمه التراثي ـ لا يستطيع الاستدراك بشيء على ما قاله الحويني؛ لأن الحويني لم يقل إلا ما أكّده التراث، والأزهر لا يستطيع الاعتراض على ما قاله التراث (سبق وأن كتبت مقالا بعنوان: الأزهر والعقل التراثي)، فكيف يستطيع مساءلة وتفكيك المسائل الإشكالية في هذا التراث؟!

وحتى ندرك حقا كيف أن "الإسلام ديانة تمرّ بأزمة في كل بقاع العالم اليوم"، لنتأمل حال علاقة جماهير المسلمين بالمؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، سنجد أن هذه المؤسسات تكتسب ثقة الجماهير وتأييدهم ـ وبالتالي تقليدهم ـ؛ بعمق درجة تقليديتها وانغلاقها، أي كلما كانت هذه المؤسسات أكثر انغلاقا وتقليدية ومنابذة للآخر؛ كانت أكثر وُثُوقيّة عند جماهير المتدينين. ما يعني أن الوعي الديني السائد وعي مأزوم، وأن القلة المستنيرة التي تدعو لتديّن معتدل/ متسامح، تديّن تواصلي متصالح مع العالم، غير مقبولة من المؤسسات الراسخة؛ بمقدار ما هي غير مقبولة جماهيريا. وبطبيعة الحال، هنا تفاعل جدلي بين المؤسسات ورسوخها من جهة، والجماهير من جهة أخرى؛ بحيث يتعذر تحديد نقطة البدء في تأكيد الانغلاق، كما يتعذر تحديد نقطة البدء في حلحلة هذا الانغلاق.

إذن، فرنسا، والعالم الغربي الحر بأجمعه، ليسوا ضد الإسلام من حيث هو إسلام/ دين مختلف، ليسوا ضد الإسلام المعتدل/ المتسامح الذي يقبل الآخر ـ دونما عُقَد عقائدية، واحترازات تواصلية، وتوجّهات تمايزيّة/ انفصالية ـ، وإنما هم ضد إسلام تقليدي أصولي يستبطن عداء للآخر، يكره الآخر لمجرد الاختلاف الديني، ويرى نفسه مختلفا، وأنه يجب أن يبقى مختلفا، بل ويرى أن "صوابه العقدي" كامن في هذا الاختلاف. هذا النوع من الإسلام المتطرف لا شك أنه يُشَكّل كارثة على المسلمين في المهجر الغربي، وعلى المجتمعات الغربية التي تحتضنهم بكرم باذخ؛ بقدر ما يُشكّل كارثة على المسلمين في العالم الإسلامي، أولئك الذين لن يستطيعوا التصالح مع العالم ـ ومن ثم مع أنفسهم ـ؛ ما لم يتحرّروا من رُهَاب نقد التراث/ تراثهم الديني على نحو خاص.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.