In this photo taken on May 15, 2020, a Muslim devotee prays on a hilltop during the Islamic holy month of Ramadan on the…
مؤمن يصلي خلال شهر رمضان في مزار شريف

سؤال يتردد على سبيل الحيرة الملازمة للكسل العلمي: هل توجد حقيقية تاريخية (حقيقة نسبية بطبيعة الحال)؟ وبناء عليه: هل توجد حقيقة واقعية/ راهنة (وأيضا، حقيقة نسبية بطبيعة الحال)؟ هل يمكن الظفر ولو بفَهْم مقارب لما وقع في التاريخ، خاصة التاريخ المُتَوّفر على سرديات إخبارية كُتِبت في الحاضنة الزمنية ذاتها التي أفرزت وقائع ذلك التاريخ. وبناء عليه؛ هل يمكن الظفر ولو بفهم مقارب لما يجري في عالمنا اليوم؛ مع كل هذا الرصد المتوافر المتواتر الذي يُخْضِعه المُفكرُ/ الباحثُ الجاد لمزيد من التحليل والتحقيق على أكثر من صعيد؟

مَن لا يفهم التاريخ أو لا يستطيع فهمه؛ فلن يفهم الحاضر، ومن يُنكر حقائقَ التاريخ؛ فهو بالضرورة مُنكر لحقائق الواقع؛ حتى وإن لم يُصرِّح بذلك، فهذا (الإنكار بالتتبع) هو حكم المنطق في مثل هذه الحال، وإلا فهو عابث أصالة وإحالة، تأصيلا وتفصيلا. وسبب ذلك أن الحقيقة التاريخية إذا كانت غير ممكنة بالمطلق، فالحقيقة الواقعية/ الراهنة غير ممكنة بالمطلق أيضا؛ لأن تَمَثّل التاريخ في وعيك ـ بالمُجْمل ـ هو من نتاج نصوص مُتضافِرة مُتعاضِدة، وليس نتاجَ مُعاينة مباشرة، كما أن فهمك للواقع الراهن ـ في الأغلبية الساحقة منه: ما تراه وتسمعه مباشرة ـ هو فَهْمُ من خلال نصوص مُتضافِرة مُتعاضدة أيضا؛ وليس نتاج معاينة مباشرة، فحتى الصُّور والتسجيلات الوثائقية هي في النهاية مجرد نصوص يجري عليها ما يجري على نصوص التاريخ، من مشاكل تتعلق بالتوثيق والتحقيق، ومن مشاكل تتعلق بالتحليل، ثم مشاكل تتعلق بإمكانية الخروج بتأويل مقارب قابل لأن يُلَمْلِم شَعثَ العلامات المتناثرة، العلامات المتناحرة في بعض الأحيان.

بل ـ وهنا المفارقة ـ ربما كانت الحقيقة التاريخية أقرب إلينا من الحقيقة الواقعية/ الراهنة، ذلك أن الحقيقة الراهنة رواية "لم تَتِمَّ فصولا" في الغالب، وأسرارها لم يُفْصَح عنها بعدُ (فحتى وقائع الحرب العالمية مثلا وإن انتهت، إلا أن ثمة أسرارا لم تكشف؛ من حيث إن كثيرا من المواضعات الراهنة المتعلقة بالسياسة الدولية مبنية على نتائجها)، وأيضا، اشتباك مصالحنا مع طرف من أطراف الراهن ـ ولو من بعيد ـ وارد في كثير من الأحيان. ما يعني أن الغموض/ الارتباك يأتي من جهتين: من جهة عدم اكتمال المشهد موضوع المُقارَبة، ومن جهة كون الفاعل في مثل هذه المقاربة أبعد ـ من حيث الأصل ـ عن التجرّد العلمي الذي يستلزم الحياد الموضوعي.

الشخصيات التاريخية المشهورة بالظلم والطغيان، نجدها تختلف في درجة ظلمها وطغيانها، والشخصيات الماجنة تختلف في درجة مجونها

لهذا، تهُمّني وتشغلني الموضوعية في قراءة التاريخ، يهمني كيف نرى وقائعَ التاريخ، كيف نُعاينها، كيف نحللها، كيف نتعاطى مع وقائها وأشخاصها أخلاقيا/ مبدئيا؛ لا لأجل تلك الأحداث الغابرة، ولا لأجل أولئك الأشخاص الذين لم يبق منهم إلا أصداء كلمات جامدة ترمّدت على صفحات كتاب. يهمني التاريخ لا لأجل التاريخ ذاته، وإنما لأن الموضوعية في قراءة الواقع/ الراهن تهمّني، والموقف الأخلاقي/ المبادئ منها يهمني، ولا يمكن تأسيس فهم وموقف أخلاقي هنا/ في الواقع الراهن؛ مع التجرد منهما هناك/ في التاريخ.

لهذا، لا تعجب حين ترى فَهْمَ الأغلبية الساحقة من العرب/ المسلمين اليوم لواقعهم، حتى بعض الباحثين والمحللين السياسيين، مبني على مواقف مسبقة (هي مواقف عقائدية أو شبه عقائدية في الغالب)؛ لأن فهمهم لتاريخهم مبني على هذه المواقف المسبقة أو على مثيلاتها. ولا زالت أذكر أحدهم (وكان متلبسا بالثقافة؛ ولكنه تقليدي بميول سلفية/ أثرية) عندما كان يحاول إقناعي بأن إيران هي حليفة للولايات المتحدة، وأن كل ما يجري في منطقة الشرق الأوسط إنما يجري بالتوافق التام بينهما، بل وأن ما بينهما أكبر من توافق، إذ هو حِلف دائم وعميق، منذ أيام الشاه، واستمر مع الخميني ومن بعده، وأما ما نراه على السطح من صور العداء فهي مجرد تمثيل وخداع.

عندما سألته عن أدلته وقرائنه التي يبني عليها هذا الحكم/ هذا التأكيد الجازم، لم يكن لديه إلا موقف/ مبدأ مسبق/ مُطلق عقائدي، وهو أن إيران عدو للإسلام (والإسلام عنده هو اختياراته المذهبية التقليدية الخاصة فقط)، والولايات المتحدة عدو للإسلام (وطبعا، العداوة هنا ـ بزعمه ـ مفروغ منها؛ لا يُجادل فيها إلا جاهل أو عميل)، وبما أنهما ـ وفق تحليلاته ـ عدوان للإسلام، فلا بد أنهما مُتَحالِفان، وبالنتيجة، فالعداوة بينهما مجرد تمثيل؛ لخداع المستهدفين، أولئك المسلمين إسلاما صحيحا: التقليديين.

طبعا، كان يمكن أن يكون رأيه وجهة نظر، أو تأويل خاص لما يجري على أرض الواقع؛ لو أنه كان يستند على وقائع، حتى لو كانت وقائع جزئية، أو حتى لو كان يُحيل على تقاطع في المصالح بين حِين وآخر... إلخ؛ ولكنه كان يُحيل على مبدأ يضعه فوق الأحداث/ الوقائع، فينفي كل الوقائع الصلبة المتكاثرة بناء على تصوّر مسبق، بناء على نتيجة متحققة عنده سلفا. وحيث هو تقليدي، ومن ثم فهو يصدر عن رؤية أحادية، رؤية ذات خط واحد، فهو لا يستطيع تصوّر التعدّد والتنوّع والتحوّل، أي تعدد العلاقات وتنوعها وتحولها وفقا للظروف، لا يستطيع حتى أن يجمع بين حقيقة أن تكون إيران عدوا له، وأن تكون الولايات المتحدة عدوا له، وأن يكونا (إيران والولايات المتحدة) ـ في الوقت نفسه ـ أعداء.

وصاحب هذه الرؤية المضطربة للواقع، هو ذاته الذي كان يدافع ـ بمغالطات منطقية ـ عن التاريخ الذي يطلق عليه مسمى "تاريخنا العظيم". ولا مشكلة في هذا؛ لولا أنه يضع نتائجه المسبقة حكما على وثائق التاريخ. ويزداد الأمر سواء عندما يقوده هذا المسلك إلى تناقضات صارخة لا يستطيع التوفيق بينها بحال. وكمثال، أذكر أنه كان يحاول تجميل التاريخ الأموي، والتقليل من تلك المذابح والعسف والقهر والتفقير المقصود الممنهج وسائر المظالم الهائلة التي انتظمت ذلك التاريخ. وهو هنا لا ينفي تلك المظالم... إلخ ولكنه يزعم أنها كانت طفيفة، وكانت في حدود "الطبيعي/ المقبول"، ولكن "الأعداء" ضخّموها بالتزييف إلى ما يتجاوز "الطبيعي"!

لكشف تناقضه؛ أحلته على سيرة عمر بن عبدالعزيز (الحاكم الأموي الاستثناء). وهنا، بدأ يكيل له المدائح، ويذكر آراء العلماء والمؤرخين فيه، وكيف أنه قام بأعمال استثنائية في رد المظالم وإصلاح السياسات الإجرامية لأسلافه الأمويين، بل وذكر كيف أنه ضحّى بحياته من أجل تمرير تلك الإصلاحات الجذرية، حيث كان يعمل على كسر شوكة الطغيان الأموي، في الوقت الذي يعرف فيه يقينا أن رجالات البيت الأموي لن يتركوه يكمل مشروعه، وسيقضون عليه بطريقة أو بأخرى، وهو ـ أي صاحبي ـ يعترف أن هذا الحاكم العادل مات مسموما على يد الأمويين (لمنحه وسام: الشهادة).

هنا، قلت له: هؤلاء الأمويون الذين قام هذه الحاكم الأموي الاستثناء (عمر بن عبد العزيز) برَدّ مظالمهم، وإصلاح سياساتهم الجائرة، أليسوا هم الأمويون الذين ترى أن مظالمهم ليست كما صورها المؤرخون، وأنها كانت محدودة: في حدود "الطبيعي"؟ إذا كانت ليست مظالم عظيمة، إذا كانت في حدود "الطبيعي" كما تقول، فكل ما قام به عمر بن عبد العزيز تافه لا قيمة له، ولا يستحق كل هذا الضجيج. إنك بين أمرين: إما أن يكون ما أزاحه عمر من ظلم ليس مجرد انحرافات سياسية عابرة، بل كان ظلما عظيما مبرمجا بسياسات حكم واسعة النطاق؛ وبالتالي يكون عمر بن عبد العزيز عظيما، وإما أن يكون ما فعله مجرد تعديلات طفيفة لانحرافات طفيفة، لا تستحق الذكر؛ وهنا يكون عمر بن عبد العزيز غير جدير بالثناء التاريخي عليه، بل يصبح مجرد أسطورة مزيّفة لمزيد من التجميل.

لا أزال أذكر حيرته واضطرابه هنا، فهو إن أثبت ما أثبته المؤرخون والمُحدّثون وأصحاب التراجم لعمر من جلائل الأعمال؛ فهو سيثب للأمويين مقابلها جلائلَ المظالم/ الفضائح، والعكس صحيح. كان عليه التضحية، إما بعمر، وإما بالأمويين. ولا مخرج له إلا بأن يزعم أن الأمويين الذين انقلب عمر على سياساتهم الجائرة/ الإجرامية أمويون من المريخ أو من زحل، وليسوا الأمويين الذين نعرفهم. حتى الاتكاء على "كذب التاريخ" لم يعد مجديا في هذه المعادلة التاريخية، إذ أن الكذب في أحد طرفيها يقتضي تحقّق الكذب في الطرف الآخر، فإذا كذب التاريخ ـ بتواتره المستفيض ـ في تشويه بني أمية بالطغيان، فلماذا لا يكذب ـ رغم تواتره المستفيض أيضا ـ في تجميل صورة عمر بالعدل والإنصاف؟!

من هنا، أستطيع التأكيد على أن التاريخ ـ بتواتره المستفيض، يستطيع تقديم الحقيقة في صورتها العامة؛ بعيدا عن التفاصيل التي يتضاءل فيها مستوى التواتر، وتقلّ فيها إمكانيات الرصد؛ وكذلك الأمر في وقائع الراهن. نعم، توجد حقيقة تاريخية بالمجمل، والتاريخ لا يظلم أحدا، كما توجد حقيقة في الواقع؛ متى ما توفّر التواتر الإخباري الذي يستحيل معه التواطؤ على الكذب، ومتى ما توافرت الآليات التحقيقية/ التحليلية للخروج منه بتصور كُلِّي عام.

إن التاريخ المتواتر الذي لم يظلم عبد الملك بن مروان حين وصفه بالظلم والطغيان، هو ذاته التاريخ المتواتر الذي لم يظلم عمر بن عبد العزيز حين وصفه بالعدل والإحسان. والتاريخ الذي وصف هارون الرشيد بالترف والبذخ وتبديد المال العالم حد البله، ووصف الأمين بالعهر والمجون والشذوذ، ووصف المتوكل بالتفاهة والسذاجة والعجز، هو ذاته التاريخ الذي وصف المأمون بالعلم والعقل والدهاء، كما وصف من قبله المنصور بالبعد التام عن اللهو والترف، بل وبالتقشف وترشيد المصاريف حتى اشتهر ـ جرّاء ذلك ـ بالبخل؛ مع عدم إغفالهم أنه في تعامله مع المختلفين معه يتّصف بالإجرام.

ظلم سليمان بن عبد الملك يختلف عن ظلم عبد الملك، ولَهْو الرشيد وعبثه يختلف عن مجون ابنه الأمين، والمأمون يختلف عن أخيه الأمين

ثمة صورة كلية/ عامة لكل شخصية من شخصيات التاريخ. وهي صورة مأخوذة ـ بمجملها، لا بتفاصيلها ـ من آلاف الروايات المتعددة المصادر. فمثلا، يروي الإمام الطبري في تاريخه أنه "لم يُرَ في دار المنصور لهو قط، ولا شيء يشبه اللهو واللعب والعبث"، ومعروف أن المنصور كان يرفض أن تُشرب الخمر على مائدته. وهذا المنصور هو ذاته المنصور الذي فتك بخصومه، وقتلهم شرّ قتلة، بل قتل المخالفين له على مجرد الظن. 

وهنا نقول: إذا كان من المعلوم من التاريخ بالضرورة أن أعداء الدولة العباسية يكرهون المنصور (المؤسس الحقيقي للدولة) كما لم يكرهوا أي خليفة آخر؛ فلماذا لم يضعوا عليه ولو قصة واحدة تشير إلى مجونه، أو حتى تشير إلى ترفه المفرط؛ كما هو الحال مع الرشيد؟! وأيضا، لماذا لم يستطع أعداء الدولة الأموية أن يضعوا بعض قصص الظلم على عمر بن عبد العزيز؛ ليسقطوا رمزيّته العدلية؟!

السبب في كل هذا واضح، وهو أنهم لا يستطيعون تزييف التاريخ بالمجمل حتى لو أرادوا؛ لأن التاريخ ـ بمجمله ـ لا يكذب. لذلك، حتى الشخصيات التاريخية المشهورة بالظلم والطغيان، نجدها تختلف في درجة ظلمها وطغيانها، والشخصيات الماجنة تختلف في درجة مجونها، فظلم سليمان بن عبد الملك يختلف عن ظلم عبد الملك، ولَهْو الرشيد وعبثه يختلف عن مجون ابنه الأمين، والمأمون يختلف عن أخيه الأمين. في التاريخ صورة عامة ـ مكتملة لكل واحد منهم. وهذا دليل على وجود الحقيقة التاريخية التي يحاول العقائدي التقليدي إثباتها عندما يريد الإثبات، ونفيها عندما يريد النفي؛ دون الإحالة على علم التاريخ. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.