Afghan Taliban militants and villagers attend a gathering as they celebrate the peace deal and their victory in the Afghan…

لطالما تعجبت من إيمان المجاهدين المطلق بأنهم "جند الله" ومن اعتقادهم الجازم بأن الله معهم وأنه لا محالة ناصرهم على أعدائهم ومتم نوره على أيديهم إن هم أخلصوا النية له والتزموا بأوامره واجتبوا نواهيه مهما قل عددهم وتواضعت خبراتهم الحربية وضعفت إمكانياتهم العسكرية.
إيمان مطلق يستمدونه من اعتقادهم بأنهم المخاطبون بالآيات والأحاديث التي تتناول قضايا الجهاد وأوامر القتال فيسقطون على أنفسهم كل الوعود الإلهية بالنصر والتمكين والاستخلاف بدون تشكيك في مصدر ذلك الإيمان أو إمكانية تحقق تلك الوعود على أرض الواقع.
ومن خلال متابعتي لبيانات وإصدارات التنظيمات الجهادية المختلفة بحسب طبيعة عملي لأكثر من عقد من الزمان في هذا المجال، لاحظت أنهم يرجعون الفضل إلى الله في كل ما يعتبرونه "انتصارا"، أما الهزائم فإنهم يلومون عليها أنفسهم ويردونها إلى ذنوبهم ومعاصيهم وتقصيرهم في طاعة الله وإخلاص النية له.
وأمام هذه الادعاءات للحركات الجهادية وقادة ومشايخ الجهاد بأنهم يجاهدون من أجل إعلاء كلمة الله وإيمانهم بأن الله سيهزم أعداءه على أيديهم، يجدر بنا أن نتساءل عن خصائص ذلك "النصر الإلهي" التي تميزه عن غيره في ظل الهزائم المتتالية التي يتلقاها الجهاديون في كل مكان.

تنظيم "القاعدة" والحركات التي تدور في فلكه أشبه بالغريق الذي يتشبث بقشة

كما يجدر بنا التساؤل عن أسباب تأخر هذا "النصر" الذي طال انتظاره وتحليل الآراء المتباينة التي يقدمها مشايخ الجهاد وقادة الجماعات الجهادية في تبرير ذلك. أما التساؤل الأهم في اعتقادي فهو عن الأسباب التي تحول دون مراجعة الجهاديين لإيمانهم المطلق بأنهم المخاطبون بالنص القرآني والتفكير في "النصر الإلهي" بواقعية بدلا من التضحية بالأرواح وإضاعة الوقت في المحاولات البائسة لتبرير تأخر نصر متوهم لا وجود له إلا في مخيلاتهم.
وعند تقييم "جهاد" حركة "طالبان" ضد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة على سبيل المثال، فعلى الرغم من سقوط نظام طالبان وتكبد الحركة لخسائر فادحة وفشلها في حماية زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن الذي أعلن مسؤوليته عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر فضلا عن المجاهدين العرب الذين تم اعتقال ومحاكمة المئات منهم، نجد أن التنظيمات الجهادية اعتبرت توقيع "طالبان" على اتفاق مع الولايات المتحدة "نصرا مؤزرا وفتحا مبينا".
ففي الثالث عشر من شهر مارس الجاري، أصدر تنظيم القاعدة بيانا بعنوان "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" وصف فيه الاتفاق الذي وقعته حركة "طالبان" مع الولايات المتحدة بأنه "انتصار تاريخي كبير" و"نصر مؤزر" و"فتح مبين". كما أثنى زعيم تنظيم "القاعدة" في جزيرة العرب خالد باطرفي على طالبان في كلمة صوتية صدرت مؤخرا واعتبر توقيع الاتفاق تحقيقا لـ"وعد الله ورسوله".
ويتضح من خلال المثاليين السابقين أن تنظيم "القاعدة" والحركات التي تدور في فلكه أشبه بالغريق الذي يتشبث بقشة ففي ظل الضربات المتتالية التي يتعرضون لها في كل مكان والهزائم المتوالية التي يتكبدونها هنا وهناك، ولم يجدوا إلا هذا الاتفاق الذي تعهدت فيه "طالبان" على عدم تقديم الدعم للحركات الجهادية والتوقف عن قتال القوات الأميركية ليمنحوه سمة النصر الإلهي الذي طال انتظاره من أجل حفظ ماء الوجه ورفع الروح المعنوية للمقاتلين وتحفيزهم على مواصلة مغامراتهم العبثية.

وفي المقابل، وصف تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في مقال نشره في صحيفته الأسبوعية "النبأ" بعنوان "ربيع الجهاد في خراسان" الاتفاق بأنه "هدنة بين الصليبيين ومرتدي طالبان". كما تداول أنصار التنظيم في وسائل التواصل الاجتماعي مقالا بعنوان "طالبان والنصر الموهوم" وصف الاتفاق بأنه "خيانة واستسلام" وسخر من تصوير مؤيديه له بأنه "نصر بائن وإركاع للأميركيين".
وبالانتقال إلى تبريرات قادة ومشايخ الجهاد لتأخر "النصر الإلهي" يلاحظ أنهم يقدمون آراء متباينة لا يمكن التوفيق بينها مما يعكس حالة اليأس والتخبط التي يمرون بها ورغبتهم في تحفيز المجاهدين بأي شكل من أشكال الحجج والذرائع.
ففي تعليقه على مقولة "لو كنتم على الحق لنصركم الله ولو أن بشار على باطل كان انهزم من زمان" المتداولة في أوساط السوريين، قال رجل الدين السعودي عبد الله المحيسني المقرب من التنظيمات الجهادية في سوريا في تسجيل صوتي نشره الشهر الماضي: "النصر عندنا مختلف. النصر عندنا هو الثبات على دين الله. النصر عندنا هو عدم الانتكاس وعدم الرجوع عن الجهاد في سبيل الله والثبات على طاعة الله وطاعة رسوله.. نحن إن قتلنا منهم فنحن منتصرون وإن قُتلنا فنحن منتصرون لأن النصر عندنا ليس بالمعركة فقط إنما بثباتنا على دين الله".
هكذا، يا من تظن أنك تجاهد في سبيل الله وبكل بساطة ألغى المحيسني النصر الإلهي "القريب" ووعود هزيمة الكافرين والاستخلاف والتمكين وتحكيم شرع الله واختصرها في مجرد ثباتك على دين الله حتى تلقى حتفك وتلحق بمن سبقوك.

يجدر بنا التساؤل عن أسباب تأخر هذا "النصر" الذي طال انتظاره

وفيما يختصر المحيسني النصر الإلهي في ثبات المجاهدين، يلقي عدد من مشايخ الجهاد في سوريا اللوم على السوريين في تأخر "النصر الإلهي" فأطلقوا حملة "كيف ينصرنا الله وفينا من يسبه" طالبوا فيها بقتل كل من يسب الله بعد استتابته لمدة ثلاثة أيام وإطعامه في كل يوم رغيفا "فإن أصر على كفره وزندقته تقطع رقبته ردة عن الإسلام".
أما الدواعش الذين أعلنوا دولة إسلامية وخلافة "على منهاج النبوة" وظنوا بأنهم الفئة المنصورة الذين سيتحقق وعد الله على أيديهم فأعدوا العدة وانتظروا قدوم "الروم" على أرض دابق السورية، هزموا شر هزيمة على يد الجيش السوري الحر في أكتوبر من عام 2016 وتبخرت على تلالها كل أحلامهم.
لقد جرب الجهاديون كل السبل من أجل تحقيق "النصر الموعود" واستحضروا كل التراث الديني لإثبات أنهم "الطائفة المنصورة" وقدموا كل التبريرات الممكنة لتأخر التمكين والاستخلاف ومن الأجدى الآن مراجعة منهجهم والاقتناع بأن الله ليس معهم ولا علاقة له بانتصاراتهم ولا بهزائمهم.
لقد حان الوقت لأن يتوقف دعاة الجهاد عن الزج بالشباب المسلم في أتون حروب لا يملكون أدنى المقومات المادية أو المعنوية للانتصار فيها فلقد بات من الواضح أنهم عاجزون عن إلحاق الهزيمة بأعدائهم في ظل غياب الشواهد الملموسة التي تثبت ادعائهم بأنهم "جند الله" الموعودون بالنصر والتمكين والاستخلاف.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!