A handout picture released by the Jordanian Royal Palace on March 22, 2020 shows Jordanian King Abdullah II (R) holding a video…
الملك الأردني عبدالله الثاني مجتمعا مع مسؤولين حكوميين عبر الفيديو

هناك كتاب قديم للباحث الفلسطيني ـ الأردني هاني حوراني واسم الكتاب "التركيب الاقتصادي الاجتماعي لشرق الأردن: مقدمات التطور المشوه"، كان الراحل ناهض حتر قد عرفني على أهمية الكتاب، وضاعت نسخته الوحيدة مني في خضم عمليات إعارة غير منظمة.

العنوان لوحده لافت، والبحث في الكتاب يغطي الفترة الزمنية من 1921 ـ عام التأسيس ـ وحتى عام 1950.

يذهب البحث عموما إلى أن هناك تشويه في حالة التطور الطبيعي للمجتمع الأردني، طرأت مع إنشاء الدولة، وبمنطق تحليلي يساري بحت، يذهب الحوراني إلى أن الدولة ولحاجتها إلى البيروقراطيين كي تعمل بفعالية، أفرغت الريف الزراعي والبادية الرعوية من المنتجين وحولتهم إلى موظفين في ماكينتها.

شخصيا، أميل إلى هذا الرأي، لكن التشوه لا يجب أخذه بمنحى سلبي، فهناك حالة نشأت وصارت واقعا تحت مسمى "دولة" صار الأستاذ هاني الحوراني فيها مواطنا يملك مركز أبحاث ودراسات بل وسمى المركز تسمية لافتة: "مركز الأردن الجديد!".

لكن، من طرائف الأدبيات السياسية التقليدية في الأردن، ودرج عليه الجميع كاعتقاد راسخ، كان أن الأردني من أصول شرق النهر، هو البيروقراطي صاحب الحظ في الوظيفة العامة (مدنية او عسكرية)، أما الأردني من غرب النهر فهو بالضرورة صاحب التجارة ورأس المال، أما الإنتاج (وهو نمط إنتاجي زراعي ورعوي غالبا)، فكما أسلف الحوراني واتفق معه، قد تعرض للتشويه مع توسع الجهاز البيروقراطي باستمرار.

لا أحد يستطيع أن ينكر ذلك، وطبعا هناك استثناءات لغايات التجميل في فكرة "الوحدة الوطنية" لكن الواقع كان دوما كذلك، وقد ارتاح النظام كله لتلك التقسيمة المبسطة عموما، وقام برعايتها رعاية سياسية محترفة خصوصا أن الدولة كانت منذ تأسيسها "ريعية" ومعظم مواردها مصدره الدعم العربي لأن الأردن كان حتى توقيع اتفاقيات السلام أطول خط مواجهة مع "العدو" حينذاك.

لا أفهم تلك التجاذبات السياسية الحادة في وقت حساس مثل هذا الوقت، بالمطالبة بتغيير حكومي، كان الأجدى أن يكون مبكرا قبل أزمة كورونا

الهزة الأولى التي استشعرتها الدولة بحساسية مفرطة كانت ديمغرافية وعنيفة، بعد حماقة النظام العراقي في احتلال دولة الكويت، وهذا جعل الأردن يحمل كلفة عالية لتداعيات تلك الفترة العصيبة والمفصلية للإقليم كله، وهو ما أفضى في المحصلة إلى معاهدات سلام، فاستيقظ الأردنيون صبيحة اليوم التالي لتوقيع معاهدة "وادي عربة" وقد فقدوا ميزة "أطول خط مواجهة مع العدو"، وهذا يعني ببساطة توقف الدعم السخي من "الأشقاء" العرب.

من تلك النقطة، بدأ الأردن يدخل عالم التعقيدات الاجتماعية وقد بدأت منظومته الاجتماعية القائمة بالتفكك والتغير النوعي والجذري.

في تلك الفترة، ومن بين الثغرات في تلك الزحزحة الثقيلة، برزت مجموعة "الليبراليين"، لا أحد يعرف من قام بتسميتهم كذلك، لكن مصطلح "الليبرالية" تعرض لكل عوامل التجوية والتعرية الأردنية ليخرج عن مفهومه الأصيل فيصبح في الأردن ترميزا لظاهرة سلبية منفرة، يمثلها ذوو ربطات العنق المتهمون دوما بالخضوع لقوانين السوق الحر وصندوق النقد والبنك الدوليين ونوادي المال العالمية.

كان التجلي الأول لموجة التيار الليبرالي متمثلا في شخص رئيس الوزراء الأسبق في عهد الملك حسين، السيد عبدالكريم الكباريتي، والذي تصدى لقرارات اقتصادية صعبة بشجاعة المواجهة القاسية مع الرغبة الشعبية، والتي كسرها بقوة، لكنه أطيح به في كتاب إقالة غير مسبوق خطه الملك الراحل وقد خرج فيه عن هدوئه المعهود في إقالة الرئيس الكباريتي، والذي انتهى رئيسا لمجلس إدارة بنك.

الإقالة وكتاب الإقالة الملكي، إلى حد ما، عكست ارتباك النظام، والدولة برمتها أمام المتغيرات المتسارعة ووقوفها أمام مؤشرات واضحة لانتهاء صلاحية الأدوات القديمة في الحكم.

(من المفارقات المربكة مثلا: أن الملك حسين في بداية عهد حكومة الكباريتي أشاد به، ووصفه بأنه مثل وصفي التل، ووصفي طبعا هو الزعيم الأيقونة في وجدان الأردنيين ـ من شرق النهر ـ ورمز البيروقراطية بأكثر صورها كثافة).

رحل الملك حسين إلى دار الحق، وبدأ عهد الملك عبدالله الثاني، والذي لم يخف توجهه منذ البداية حين قال وصرح: أنا لست أبي.

في عهد الملك عبدالله الثاني وعلى مدار عقدين من الزمن، وبتسارع يتماهى مع تسارع التطورات في العالم نفسه، تطورت أيضا فئة "الليبراليين" إلى فئة جديدة "وبنسخة أردنية ممسوخة أيضا" لتصبح "نيوليبراليين"، وهذا تطور ضروري وقد تحول العالم إلى عالم مختلف مع ثورة تكنولوجيا المعلومات، وطبعا ظهرت في الأدبيات السياسية الأردنية مصطلحات جديدة تصنيفية مثل "الديجاتليين" في مواجهة "الحرس القديم" وبين الجميع من الفرقاء (فرقاء على ماذا؟ لا أحد يعرف!)، كان الاقتصاد الأردني يتهاوى بمشاريع قوانين وتجارب ميدانية رقمية مليئة بالأخطاء في اقتصاد لا يحتمل الأخطاء، وحكومات متعاقبة (ودستوريا كلها حكومات جلالة الملك)، ومجالس نواب تفاوت بعض أعضائها ورؤساء المجالس بين الفصيلين (غالبية الأعضاء كانت ممن لا يعرفون الفرق أصلا).

♦♦♦

وصلنا اليوم إلى حكومة الدكتور "عمر الرزاز" وهي حكومة فيها اختلاف شكلي ونوعي عن سابقاتها، لكنها تبقى دستوريا وفعليا حكومة الملك مثل كل أسلافها.

وفي ظل إدارة ناجحة في أعنف أزمة تواجهها الدولة بمعية باقي الكوكب، تنجح حكومة الرزاز بإدارتها نسبيا، مع إسناد قوي من الجناح البيروقراطي في الدولة.

ورغم ذلك، فلا تزال حكومة الرزاز والرزاز نفسه تحت تهمة أنه يمثل قطاع البنوك (ويبدو أن فكرة حكم المصارف، مرحلة متطورة عن مفهوم النيوليبراليين).

وتأتي الأخبار بتوارد مكثف من الأردن عن عاصفة ذهنية (!) يقودها رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز (وهو رئيس حكومة أسبق أيضا) مع زملاء له من رؤساء حكومات سابقين (جميعها حكومات جلالة الملك، للتذكير)، وهم فايز الطراونة، عبدالله النسور، وهاني الملقي، وسمير الرفاعي.

عبدالله النسور الذي ارتفع حجم المديونية في عهد حكومته إلى أكثر من عشر مليارات دينار، وصاحب مرحلة أسوأ قرارات اقتصادية، وسمير الرفاعي الذي افتتحت حكومته برحيلها عصر الاحتجاجات الشعبية الغاضبة والتي أطاحت أيضا بهاني الملقي.

المفارقات تبدو أكبر مع انتقادات الحكومة الحالية وبقسوة من قبل الرئيس سمير الرفاعي، وهو سليل عائلة الرؤساء منذ تأسيس الدولة، فهو سمير ابن زيد ابن سمير الأول الرفاعي، وفي السيرة الذاتية لوالده وهو أحد أشهر السياسيين في الأردن، فإن عائلة الرفاعي تعود في أصولها إلى الهاشميين القرشيين!

اللعبة السياسية في الأردن لا تتجاوز مناكفات متلاحقة لإعادة تقديم أوراق الاعتماد قربانا لكرسي الدوار الرابع

الرفاعي الذي أقاله الملك (رغم الحديث عن علاقته الشخصية الجيدة به)، انتقد حكومة الرزاز ولا يزال على أسس أن سياسات الحكومة بها خلل، الرفاعي وفي نص كتبه في 12 إبريل الماضي (أو استكتب فيه أحدهم ليوضح أفكاره)، يلمح بوضوح إلى تردد الحكومة وخوفها من اتخاذ القرارات (حسب وجهة نظره طبعا)، وأنها ـ أي حكومة الرزاز ـ ترضي مصالح خاصة كبيرة على حساب المصلحة العامة الأكبر.

هذا أعادني إلى كتاب التكليف الملكي للدكتور معروف البخيت، والذي وجه فيه الملك حكومة البخيت التي خلفت حكومة سمير الرفاعي بعد عزله، وفيها أشار الملك إلى ما أسماه "ثغرات واختلالات" عانت منها مسيرة الحكومة السابقة "حكومة الرفاعي يعني"، ويضيف الملك: أنتج تلك الثغرات خوف البعض من التغيير ومقاومتهم له حماية لمصالحهم.

وأشار الملك في خطابه ذاته مرة أخرى باستعراض أسباب فشل حكومة الرفاعي نفسه في تحقيق رؤية الملك الإصلاحية بأن سبب ذلك "التردد في اتخاذ القرار.. إضافة إلى سياسات الاسترضاء التي قدمت المصالح الخاصة على الصالح العام!".

♦♦♦

من هنا، لا أفهم تلك التجاذبات السياسية الحادة في وقت حساس مثل هذا الوقت، بالمطالبة بتغيير حكومي، كان الأجدى أن يكون مبكرا قبل أزمة كورونا، أما المطالبة في خضم الأزمة (والتي تتطلب تركيزا شديدا لا تشتيتا إضافيا) لا يعدو كونه طمعا في سلطة "منزوعة الولاية دسمة المنافع". 

وفي المحصلة لا أعرف حتى اليوم ما هو الفرق بين حكومة وأخرى من بين كل حكومات المملكة الأردنية الهاشمية، وكلها بالنسبة لي وحسب الواقع "حكومات جلالة الملك"، والذوات الذين ذكرتهم، ولم أذكر أيضا، كلهم هم "رجال الملك"، واللعبة السياسية في الأردن لا تتجاوز مناكفات متلاحقة لإعادة تقديم أوراق الاعتماد قربانا لكرسي الدوار الرابع.

الترابط بين الانتخابات وبين السياسة الخارجية هو وثيق اليوم في ذهن أردوغان
الترابط بين الانتخابات وبين السياسة الخارجية هو وثيق اليوم في ذهن أردوغان

حرب روسيا ضد أوكرانيا وتحولات السياسات الاميركية مع جوزيف بايدن وضعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في موقع المفاوض الحذق والسياسي المحنك، الذي يكسب اليوم في محادثاته الدفاعية والسياسية مع الحلفاء.

الرئيس التركي وفي غضون أسبوعين سجل أهدافاً في مرمى واشنطن وهلسينكي. فالإدارة الاميركية شبه موافقة على طلب تركيا شراء 40 مقاتلة من طراز إف-16 من إنتاج شركة لوكهيد مارتن، بعد اعتراض دام عامين، فيما وزارة الدفاع الفنلندية، أعلنت هذا الأسبوع عن منحها تفويضًا لتصدير معدات عسكرية إلى تركيا بعد تعليق تصديرها منذ خريف 2019 على خلفية إطلاق تركيا عملية عسكرية في سوريا.

خطوة هلسينكي والتي ستعني عودة صادرات المعدن الصناعي لشركات عسكرية تركية الخاسر منها الأكبر هو السويد، في محاولة البلدين الانضمام الى حلف الشمال الأطلسي (الناتو). فبعد قيام زعيم حزب الخط المتشدد الدنماركي اليميني المتطرف راسموس بالودان إحراق، يوم الأربعاء، نسخة من القرآن قرب السفارة التركية في ستوكهولم، وسط حماية مشددة من الشرطة السويدية، ارتأت فنلندا حفظ مسافة من جارتها ودرس إمكانية دخول الناتو قبلها.

بغض النظر فالرابح الأكبر هو اليوم إردوغان الذي تارة يجذب المستثمرين الروس الهاربين من عقوبات الغرب على موسكو، وتارة يشتري الغاز الروسي فيما يبيع السلاح لأوكرانيا. إردوغان نفسه يمول المعارضة السورية وحماس وفي نفس الوقت يغازل بشار الأسد وبنيامين نتانياهو.

إنها تناقضات ضخمة في صنع السياسة إنما ترتكز على حماية المصالح التركية وتقوية أنقرة عسكريا وفي نفوذها الداخلي والخارجي.

يخطئ من يعتقد أن أردوغان تدفعه إيديولوجية معينة أو التزام بالإسلام السياسي المهيمن على حزب العدالة والتنمية. ما يدفع إردوغان هو براغماتية سياسية تستغل الإسلاميين وغيرهم لتوسيع نفوذ أنقرة الإقليمي.

إردوغان يلعب "البوكر" ببراعة ويخزن أوراقه الثمينة لإسقاطها في وقت الضرورة، سواء في معركة توسيع حلف الناتو أو في المفاوضات مع الأسد. وهو في نفس الوقت يسعى للبقاء في الحكم بتسجيل عدد من النقاط للجيش قبل انتخابات مايو المقبل.

الترابط بين الانتخابات وبين السياسة الخارجية هو وثيق اليوم في ذهن أردوغان. فتحجيم اللاعب الكردي سواء في السويد بحجب حزب العمال الكردستاني، أو من خلال محاولة حل حزب HDP الكردي داخل تركيا بقرار قضائي. هذا التشابك أيضا هو بتحقيق إنجازات خارجية مثل حصد طائرات الأف-16 رغم خسارة عقود الأف-35 بعد شراء منظومة أس-400 الروسية للدفاع الصاروخي.

هناك أيضاً المصالحات الإقليمية التي يجريها إردوغان ليس بدافع العناق والعلاقات الأخوية، بل لأسباب اقتصادية وفتح السوق التركية بشكل أكبر أمام الخليج ومصر وإسرائيل وحتى سوريا. فالورقة الاقتصادية ومشكلة اللاجئين تتصدر هموم الناخب التركي، ومن هنا التقاطع العربي والنظر إلى دمشق.

هذه العوامل وهذه التركيبة يسوغها إردوغان ببراعة في محاولة الفوز بالانتخابات، الأمر الذي يبدو مرجحاً اليوم بسبب غياب معارضة موحدة في تركيا وقرارات سلطوية تتخذها المحاكم ضد ناشطين ومرشحين وأحزاب معارضين له.

هذا كله يضع أردوغان أمام مجموعة مكاسب في 2023 من هلسينكي إلى واشنطن إلى أنقرة في الطريق للبقاء في السلطة وتوسيع نفوذ تركيا الإقليمي وكوسيط لا غنى عنه بين فلاديمير بوتين وخصومه.