Jordanian teachers clash with security forces during a protest in the capital Amman on September 5, 2019. - Thousands of public…
من تظاهرة سابقة لنقابة المعلمين في سبتمبر 2019

في آخر زيارة خاصة للأردن صيف عام 2018، وفي الأسبوع الأخير منها تلقيت اتصالا هاتفيا من ضابط مخابرات أبدى لي رغبته بلقائي، ومع إصراري على أن يكون اللقاء خارج أسوار دائرته، عاد باتصال آخر لنحدد الموعد والمكان في مقهى قريب من دائرة المخابرات في العاصمة الأردنية.

الضابط أعرفه ويعرفني منذ حياة سابقة لي في الأردن، ولقاؤنا لم يحتج إلى كثير من التسخين للدخول في صلب موضوع ما يريده مني، وكان كما توقعت يتلخص في معرفة ملخص زيارتي ومن التقيتهم ومعرفة المزيد عن حركة التحالف المدني التي كانت نشطة ذلك الصيف وكنت متحمسا لها والتقيت كثيرا من ناشطيها الذين ارتأوا أن يتحول تيار الدولة المدنية إلى حزب سياسي كامل الأهلية، كنت متحمسا لفكرة دولة المؤسسات والقانون والمواطنة وبحكم أنى مهاجر فلم أكن غارقا في تفاصيل مشروع التنظيم نفسه.

لم يطل الأمر كثيرا حتى عرفت منه وبوضوح مباشر أن الجهات الأمنية ترى في تيار التحالف المدني خطرا داهما على رؤيتهم الأمنية للدولة! وكنت أدافع عن فكرة دولة المؤسسات والقانون أمام الرجل واستخدمت أمثلة واقعية ومنها كما أذكر أني وجهت الحديث له شخصيا بأن دولة مؤسسات وقانون هي وحدها التي ستحمي حقوقه كمواطن بعد تقاعده، فالامتيازات الوظيفية تزول مع زوال المنصب لكن حقوق المواطنة تبقى مع الإنسان منذ لحظة ولادته حتى مماته للعيش في كرامة ضمن منظومة مؤسسات تحميه وحقوقه.

لا حل إلا باستعادة الدولة ومؤسساتها، وهذا يتطلب استعادتها كمفهوم شامل وسليم ومعافى في وعي سليم ومعافى من التشويه والتزوير الذي شابه طوال عقود مضت

لم يقتنع الرجل، ولا ألومه، فهو يلتقيني في مهمة رسمية، والودية مهما اصطنعناها فهي لن تكسر حدية المواقف.

عند نقطة ما في الحديث قلت إني أؤمن من خلال دولة مؤسسات وقانون بعدم تغول أي جهة متطرفة على الشارع، ولا السيطرة عليه، فالمواطنة هي مسطرة القياس التي ستجهض مشاريع "دولة الخلافة" التي يريدها التيار الإسلامي حلا نهائيا للناس.

التقط الرجل تلك النقطة، وتحمس كثيرا ليقنعني بنظريته "الغريبة جدا" بأن فكرة تيار الدولة المدنية، والدولة المدنية بالمؤسسات والقانون وصناديق الاقتراع والأحزاب فيها مقتل الدولة الأردنية والثغرة التي سينفذ منها الإخوان المسلمون للسيطرة على كل شيء، وأخرج ورقة وقلما من جيبه وصار يرسم لي رسومات وخطوط هندسية كوسيلة شرح لتلك النظرية العجيبة والتي يؤمن بها وبقناعة.

طبعا، لم أخف استخفافي بنظريته وكل وسائل الإيضاح فيها، وانتهى اللقاء بودية مصطنعة أكثر.

هذا اللقاء، تذكرته وأنا أراقب من بعيد تداعيات القصف المدفعي الثقيل "والمتبادل" بين السلطات (المحكومة بعقلية أمنية) وتيار الإخوان المسلمين في الدولة الأردنية.

طبعا، بالإضافة إلى تيار الإخوان المسلمين، فالنقابة (نقابة المعلمين) بحد ذاتها أيضا مستهدفة، والاستهداف مزدوج، فالنقابات عموما في الأردن هدف أمني وهناك بالتوازي أيضا استهداف "سياسي" إن جاز التعبير منطلقاته صراع بين قوى "مصلحية" هي في واقع الحال نافذة وقوية وأعلى من مؤسسات الدولة "المستضعفة" شعرت بالخسارة الفادحة أمام مجلس نقابة المعلمين في أزمة طاحنة وسابقة، فكان توقيت الهجمة الارتدادية متوافقا مع الاستهداف الأمني لتيار الإخوان، تلك كانت لحظة "قوانين دفاع" فوق الطبيعة وعلى باب نقابة المعلمين التقى فيها متوازيان!

♦♦♦

في دولة المؤسسات، والقانون والمحكومة بالدستور، النقابات هي مجموعات مهنية معنية بمصالح أبناء المهنة، بما يشبه إعادة إنتاج تاريخي لكن منظمة ولائقة أكثر لفكرة "شيخ الكار". هي في العلوم السياسية جماعات ضغط وحدود هذا الضغط لا يتجاوز المصلحة المهنية لمنتسبيها وتحقيق أكبر المكاسب لهم بدون الإخلال بالنظام العام للمجتمع وإلا تحولت تلك الجماعات إلى عصابات كما حدث في بعض مراحل التاريخ الأميركي في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين.

لكن في غياب القانون والمؤسسات وتعطيل الدستور وحضور طاغي لنخب "فوق القانون" تحكم فعليا، وسقف الحريات منخفض وخاضع لمزاج "أمنوقراطي" له كامل تقدير الموقف، فإن الأحزاب السياسية تصبح مزحة سمجة إن وجدت، وهي لن تكون قادرة على أكثر من إرسال برقيات تهنئة في الأعياد، أو إنتاج شخصيات لزجة متسلقة تؤلف المدائح وتحتفل بمؤلفاتها، وهذا ما يحدث فعلا في الأردن.

قوة التيار الإخواني تكمن في "المظلومية" التي يتقن لعبتها التنظيم منذ نشأته

وتاريخيا، كان مجمع النقابات المهنية هو الدينامو السياسي الذي ملأ فراغ الغياب الحزبي الفاعل، والنقابات كانت دوما محل الصراع السياسي "المشوه جدا" سواء بين تيارات سياسية لا تستطيع أن يضمها حزب قانوني، أو صراع مع الحكومات وسياساتها حتى الخارجية منها، فيصبح موضوع القصف في البوسنة في تسعينيات القرن الماضي قضية مهمة لأطباء الأسنان الأردنيين مثلا لا حصرا.

إنشاء نقابة للمعلمين، كانت مطلبا قديما منذ عهد الملك الراحل حسين، وبصعوبة ومشقة وكثير من الضغط وجدت تلك النقابة محلا لها في المشهد الأردني قانونيا في عهد الملك عبدالله الثاني، وكان إنجازا عظيما، لكنه إنجاز يحمل في ثناياه ما هو أكبر من نقابة ومنذ البداية، فالكل يعرف أن جيش التربية والتعليم في الأردن، هو أكبر جيش مدني عددا في القطاع البيروقراطي، وهو مسيس بغالبيته لصالح التيار الإخواني المسيطر عليه منذ عقود طويلة ضمن نظام محاصصة ضمني كان الملك حسين فيه قد ضمن تحالفا بنيويا مع الإخوان المسلمين تبادل فيه الطرفان المصالح والسياسات بدبلوماسية ثقة الإخوان في الملك الذي كان فعلا يحترم كلمته ودبلوماسية حذر الملك من الإخوان الذين يخضعون في النهاية لحسابات "أخوية" عالمية لها مرشد عام لا يمكن عصيانه.

مشهد من الذاكرة:

(عام 1989 ـ 1990، خاض الإخوان المسلمون معركة الانتخابات النيابية بشعار "العودة إلى الإسلام"، وكانت لافتات الشعار في كل زاوية وطريق وحي وسور في كل مدينة، ونجح الإخوان واكتسحوا أغلبية مجلس النواب العائد للمشهد المؤسساتي الدستوري، وبعد نهاية المعركة وانتصار الإخوان، اجتمع الملك الراحل بقيادات وأركان الدولة بما فيهم قيادات الناجحين من تيار الإخوان المسلمين في ديوانه الملكي، وفاجأهم في اللقاء المتلفز حينها بقوله إنه شخصيا ضد فكرة "العودة إلى الإسلام"، وأمام دهشة الجميع وقيادات الإخوان، استطرد الملك الراحل بذكاء وحنكة قوله إنه مع التقدم إلى الإسلام، فالعودة إلى الإسلام تعني أنه في الخلف، والأجدى أن نتقدم لا أن نعود!

تلك الحادثة لم تكن منافسة بلاغية مع الملك "الذي لم تكن تنقصه البلاغة أبدا"، لكنها كانت مناورة لكشف جوهر التيار القائم على ضجيج الشعارات البراقة واللفظية أكثر من استناده على برامج حكم عملية وواقعية، وفعلا، أمر الملك رئيس حكومته المكلف بعد الانتخابات السيد مضر بدران بتشكيل حكومة يشارك بها الإخوان، وكان ذلك، فانتهينا إلى حكومة فيها وزراء من الإخوان المسلمين، كان التغيير الوحيد الذي قام به بعضهم "وهم قيادات" أنهم خففوا من اللحية، وتأنقوا ببزات حديثة، وزادوا مساحة مصليات الوزارة!).

طبعا، القياس على تلك المرحلة ليس صوابا، فتلك مرحلة كانت الظروف الإقليمية والدولية فيها مختلفة عن اليوم.

اليوم، فإن الأخوية العالمية للإخوان هي تنظيم ثري بل مترف التمويل حد إمكانية تسليح وتجييش وأدوات إعلامية قادرة على خلق أزمات حادة، وهذا يجعل أوامر قيادات التنظيم أو مرشده لأي تيار في أي جغرافيا محلية خطرا حقيقيا على الأمن، ومواجهة حتمية مع الدولة.

قوة التيار الإخواني تكمن في "المظلومية" التي يتقن لعبتها التنظيم منذ نشأته (تماما كما أتقنها "حزب الله" في لبنان قبل تمكنه من رقاب الناس فصارت مظلوميتهم الحزب نفسه).

المظلومية هنا ليست "سنية" بالضرورة، هي مظلومية القهر الناشئ عن الفقر وفشل التنمية والإخفاق الاقتصادي المستمر بالموازاة مع فساد مفضوح وعلني.

المظلومية خلقتها نخب الحكم بقانون الجرائم الإلكترونية فصارت الاعتقالات على الكلمة مشروعة، فاختنق الناس. والمظلومية تجد مساحات خصوبة في أرض يغيب فيها القانون كسيد على الجميع، ويفقد الدستور احترامه. والمظلومية تصبح عامة حين يكون الفساد نفسه مؤسسة برعاية شبه رسمية ومحاربة الفساد خاضعة للمزاج الشخصي والمصلحي.

تلك المتوازيات التي لا تلتقي في قوانين الرياضيات الصارمة، تلتقي وبسهولة في المشهد السياسي الأردني الراهن والعجيب

هذه مظلومية يوظفها التيار الإخواني المدجج بالمعرفة والخبرة لترويج نفسه بديلا بلا برنامج عملي واضح، لكنه قادر على أن يملأ كل تلك الفراغات السياسية، والأردن حاليا ليس أكثر من غربال واسع من الفراغات السياسية، تنظيم الإخوان المسلمين بكل فقاعاته الهوائية البراقة قادر على ملئها بسهولة.

ومن المفارقة هنا أن تكتشف أهمية الأحزاب السياسية كداعم للحريات ضمن قانون، وحامية لمفهوم الدولة حسب الدستور، فتعود النقابات إلى دورها الأساسي كجماعات ضغط تسعى لمكاسب ومصالح منتسبيها، ولا يكون مجالها في العمل السياسي خارج حدود تلك المصالح، والتي لن يكون حينها أي وجود لقوى شبحية نافذة ومتسلطة وقوية، تنافس المعلمين على مصالحهم وقوت عيالهم.

♦♦♦

وعودة على بدء، لنختم المقال وقد طال:

فإن لا حل إلا باستعادة الدولة ومؤسساتها، وهذا يتطلب استعادتها كمفهوم شامل وسليم ومعافى في وعي سليم ومعافى من التشويه والتزوير الذي شابه طوال عقود مضت.

وتلك، تتطلب إرادة سياسية قوية وفاعلة، تضع الدستور في مكانه، والقانون مسطرة لا سوء فيها بين المواطنين، فالمواطنة والمواطنة فقط هي المعيار.

والأردن، أمام استحقاق انتخابي قريب جدا، ولا أتفاءل كثيرا في ظل وعي ممسوخ ومشوه يتوازى مع وجود قوانين وتشريعات انتخابية خبيثة وموازي بدوره لغياب حياة حزبية حقيقية ومع موازاة لفساد يكاد يكون برعاية رسمية، بأن تكون محصلة صناديق، الاقتراع شيئا جديدا مختلفا عما سبق.

تلك المتوازيات التي لا تلتقي في قوانين الرياضيات الصارمة، تلتقي وبسهولة في المشهد السياسي الأردني الراهن والعجيب.

مدمرة الصواريخ الموجهة يو إس إس كارني
الضربات ضد الحوثيين لمحاولة ردعهم وحماية الملاحة الدولية

أعلنت القيادة المركزية الأميركية قصف 4 صواريخ كروز مضادة للسفن كانت جميعها مجهزة للإطلاق على السفن في البحر الأحمر.

وأضافت أن القوات نفذت ضربة دفاعا عن النفس ضد هجوم حوثي بصاروخ كروز.

ونشرت القيادة المركزية الأميركية مقطع فيديو يظهر عمليات إطلاق صواريخ من سفن حربية أميركية باتجاه المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، ردا على هجماتهم على السفن التجارية في البحر الأبحر.

ويظهر الفيديو عمليات إطلاق من "يو أس أس غرافلي" و"يو أس أس كارني" و"يو أس أس دوايت دي أيزنهاور" لدعم الضربات.

وشنت الولايات المتحدة وبريطانيا غارات على عشرات من مواقع الحوثيين في اليمن، وذلك ردا على تواصل هجماتهم على سفن في البحر الأحمر يقولون إنها في إطار دعمهم لقطاع غزة.

وتأتي هذه الغارات غداة شن الجيش الأميركي ضربات استهدفت مجموعات موالية لطهران في العراق وسوريا وأسفرت عن 45 قتيلا على الأقل، ردا على مقتل ثلاثة جنود أميركيين بهجوم بمسيرة على قاعدة في الأردن نهاية يناير.

والضربات المشتركة هي الثالثة من نوعها ضد الحوثيين في اليمن منذ 12 يناير، لمحاولة ردعهم وحماية الملاحة الدولية. وينفذ الجيش الأميركي وحده بين حين وآخر ضربات على مواقع للمتمردين الذين يسيطرون على مساحات شاسعة في شمال اليمن بينها العاصمة صنعاء منذ اندلاع النزاع في بلادهم عام 2014.

ونددت إيران الأحد بالضربات الأميركية والبريطانية الأخيرة على الحوثيين، باعتبار أنها "تتعارض" مع هدف واشنطن ولندن المعلن بتجنب "أن تتسع رقعة الحرب والنزاع في المنطقة".