Jordan's King Abdullah delivers his speech at the European parliament Wednesday, Jan.15, 2020 in Strasbourg, eastern France. …
الملك الأردني عبدالله الثاني

تُظهر نتائج استطلاع نادر للرأي العام الأردني أجرته شركة تجارية إقليمية رائدة في يونيو قلقا شعبيا واسع النطاق حيال النقاش القائم بشأن ضمّ إسرائيل لأراضٍ في الضفة الغربية في سياق "خطة السلام" التي أعدّها الرئيس دونالد ترامب. فنسبة 68 في المئة من الأردنيين تعتبر أنه "يجب أن نقلق بسبب رغبة بعض الإسرائيليين والأميركيين في تحويل بلدنا إلى الدولة الفلسطينية البديلة" ـ رغم أن هذا الأمر ليس في الحقيقة جزءا من الخطة على الإطلاق. وينتاب ما يقرب من نصف الشعب الأردني هذا الشعور "إلى حدّ كبير". وما يثير الدهشة على نحو مماثل هو غياب أي اختلاف في توزيع المواقف هذا بين المناطق بشكلٍ كلي تقريبا، بما في ذلك المنطقة الوسطى حيث الأغلبية من أصل فلسطيني والمنطقة الجنوبية حيث معظم السكان يتحدرون من الضفة الشرقية.

المصدر: معهد واشنطن

وفي ما يتعلق بخطة ترامب على وجه التحديد، تعبّر نسبة 5 في المئة فقط من الأردنيين عن رأي إيجابي "بعض الشيء" حتى حيالها. ومع ذلك، ترى نسبة أعلى بكثير من الأردنيين، (44 في المئة) أنه من المهم لبلدهم الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة. وتُعرب حوالي 10 في المئة فقط من الأصوات عن تأييدها للحكومة الإسرائيلية الجديدة المنتخبة في الربيع الفائت ـ أو توافق على أن "من يرغب من الشعب في أن تربطه علاقات عمل أو روابط رياضية مع الإسرائيليين يجب أن يُسمح له بذلك".

المصدر: معهد واشنطن

لكن المفاجئ أن ثلث الأردنيين يقولون إن "مسؤولية استمرار الصراع تقع على عاتق الإسرائيليين والفلسطينيين على السواء". وفي شأن متصل، وردا على طلب ترتيب رغباتهم المرجوة من سياسة أميركا حيال المنطقة بحسب الأولوية، اختارت أكثرية (38 في المئة) "الضغط من أجل التوصل إلى حل الدولتين لوضع حدّ للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي".

المصدر: معهد واشنطن

غير أن هذه المسألة برمتها ليست بأي شكل من الأشكال أولى أولويات الشعب. فأغلبية ضيّقة من الأردنيين تضع خطوات أميركية أخرى في المقام الأول: "العمل على احتواء نفوذ إيران وأنشطتها" (25 في المئة)؛ "حماية الشعب السوري من أي هجمات" (19 في المئة)؛ أو "التوصل إلى تسوية دبلوماسية للحربين الدائرتين في اليمن وليبيا (10 في المئة)". فضلا عن ذلك، تقول الأغلبية الساحقة ـ 82 في المئة ـ إنه "في الوقت الراهن، تُعتبر الإصلاحات السياسية والاقتصادية الداخلية أهم لبلدنا من أي مسألة سياسة خارجية".

المصدر: معهد واشنطن

وحيال هذه المسائل الداخلية، يؤيد نصف الأردنيين تقريبا ـ وهي نسبة أكبر بكثير من تلك التي سجلها المصريون في إطار استطلاع ذي علاقة أجري هناك ـ عموما سياسات حكومتهم المطبقة في الوقت الراهن. على سبيل المثال، ووسط أزمة فيروس كورونا، تعتبر نسبة 43 في المئة من الأردنيين أن السلطات تبذل "الجهد المطلوب" من أجل "ضمان صحة شعبها وحصوله على الرعاية الطبية". وتلقي نسبة أعلى بقليل (49 في المئة) فعليا اللوم على جهات خارجية لتسببها بهذا الوباء مجمعةً على أن "فيروس كورونا هو فيروس أطلقه عمدا أعداءنا في الخارج".

كما يشعر نصف الأردنيين بالرضا عن مقاربة حكومتهم الحالية إزاء تحديين رئيسيين آخرين: الحفاظ على القانون والنظام؛ والحؤول دون التطرف الديني. غير أن أحد المجالات التي تشهد نسبة موافقة شعبية متدنية للغاية هو مسألة "أخذ [الحكومة] الرأي العام في الحسبان حيال سياساتها" ـ حيث 39 في المئة فقط ترى أن الحكومة الأردنية تبلي بلاء حسنا.

واستنادا إلى هذه الإحصاءات، يمكن تفهّم قول نصف الشعب الأردني إنه "من الجيد أننا لا نشهد أي تظاهرات كبيرة في الشارع حاليا كما هي الحال في بعض الدول العربية الأخرى". وعلى نحو مماثل، يتفق أكثر من النصف بقليل (54 في المئة) على هذا الرأي: "حين أفكر في ما يجري في كل من اليمن أو سوريا، أشعر بأن الوضع هنا ليس سيئا للغاية".

المصدر: معهد واشنطن

إذا في الإجمال، يشعر "الشارع" الأردني حاليا بالرضا نسبيا حيال وضع حكومته، على الرغم من ـ أو بالفعل تحديدا بسبب ـ كل الاضطرابات المحيطة بها. فمعارضة العاهل الأردني العالية النبرة إزاء خطط إسرائيل لضمّ الضفة الغربية تستجيب للقلق الواسع النطاق ولكن ليس الملح الذي يشعر به شعبه حيال توقعات الأردن على المدى الطويل في إطار هذا السيناريو. ويبدو أن التركيز الشعبي الحالي على المشاكل الداخلية يمنح عمّان هامشا سياسيا كبيرا نوعا ما للمناورة.

استُخلصت هذه النتائج من استطلاع أجرته وجها لوجه في يونيو 2020 شركة تجارية موثوقة للاستطلاعات تتمتع بمؤهلات وخبرة واسعة، مع عينة تمثيلية وطنية شملت ألف مواطن أردني. فقد تمّ اختيار المستطلعين بحسب أساليب الأرجحية الجغرافية المعيارية الصارمة. يُذكر أن للكاتب تجربة شخصية مباشرة تمتد على 30 سنة مع هذه الشركة وهو على ثقة تامة بمؤهلاتها الفنية ونزاهتها وضوابط الجودة التي تعتمدها. ويناهز هامش الخطأ الإحصائي للعينة الإجمالية 3 في المئة؛ وهو أكبر بعض الشيء بالنسبة للعينات الثانوية الرئيسية بحيث يبلغ حوالي 5 في المئة.

المصدر: منتدى فكرة

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.