Jordanian King Abdullah II gestures as he delivers a speech at the European Parliament, on January 15, 2020, in Strasbourg,…
لم يُعلن العاهل الأردني الحرب على إسرائيل ولم يقطع علاقاته الدبلوماسية لكنه ترك الباب مفتوحا لكل السيناريوهات

قطع العاهل الأردني عبد الله الثاني السكون السياسي بتلويحه بصدام مُحتمل مع إسرائيل إذا ما أقدمت على ضم أراض فلسطينية.

التهديد الملكي جاء والعالم مُنشغل بتداعيات جائحة كورونا، بينما يعمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو على تغيير الواقع السياسي، وفرض جغرافيا جديدة يُسنده في ذلك خرائط وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطة سلامه التي عُرفت بـ "صفقة القرن".

لم يقل الملك عبد الله الثاني في حديثه لمجلة دير شبيغل الألمانية إنه سيُعلن الحرب على إسرائيل، أو سيقطع علاقاته الدبلوماسية معها، أو سيُنهي معاهدة السلام التي زاد عمرها عن ربع قرن، ولكنه ترك الباب مفتوحا لكل السيناريوهات والخيارات.

لا يُخفي الملك عبد الله استيائه وغضبه من سياسات نتانياهو العدائية للأردن، وتهديدها لمصالح عمّان الوطنية، ومحاولاته الدؤوبة لفرض منطق القوة، ولهذا فإن الملك الأردني، الذي يحظى بقبول دولي واسع يدق طبول الخطر بشكل استباقي قبل أن تعم الفوضى، ولا يتردد في القول مُجيبا على أسئلة المجلة الألمانية "القادة الذين يدعمون حل الدولة الواحدة لا يعلمون تبعاته، وماذا سيحصل لو انهارت السلطة الفلسطينية".

الملك عبد الله يقطع السكون السياسي بتلويحه بصدام مع إسرائيل إذا ما ضمت أراضٍ فلسطينية

ويُكمل "سنشهد مزيدا من الفوضى والتطرف في المنطقة، وإذا ما ضمت إسرائيل بالفعل أجزاء من الضفة في تموز القادم؛ فإن ذلك سيؤدي حتما إلى صدام كبير مع المملكة الأردنية الهاشمية".

وحين سُئل هل ستُعلق العمل بمعاهدة السلام مع إسرائيل اكتفى بالقول "لا أريد أن أطلق التهديدات، أو أن أهيئ جوا للخلاف والمشاحنات، ولكننا ندرس جميع الخيارات، ونتفق مع بلدان كثيرة في أوروبا والمجتمع الدولي على أن قانون القوة لا يجب أن يُطبّق في الشرق الأوسط".

فعليا ورغم المُناورة والمُراوغة السياسية، فإن العاهل الأردني يُهدد نتانياهو بأن الوضع قبل قرار الضم ـ إن حدث ـ لن يكون كما هو بعد قرارات الضم المُتوقعة للمستوطنات في أراضي الضفة الغربية وغور الأردن، وكلام الملك بذات الوقت رسالة احتجاج مُعلنة على سياسات الإدارة الأميركية التي يُشرف سفيرها في تل أبيب على ترسيم خطوات الضم، ويُتابعها أولا بأول.

على أرض الواقع ارتفعت المستوطنات الإسرائيلية 50 بالمئة خلال العقد الماضي، والأكثر استهجانا أن سلطات الاحتلال شيدت أربع بؤر استيطانية خلال جائحة كورونا، فيما تُخطط لبناء 10 ألاف وحدة استيطانية في الضفة الغربية بعد أن أتمت بناء 15 ألف وحدة استيطانية في العامين الماضيين.

هذه الممارسات اللاشرعية في كل الأوقات دفعت منظمة بيتسليم الإسرائيلية للتحذير من أن أعمال العنف ضد الفلسطينيين ارتفعت بشكل حاد خلال جائحة كورونا.

إذن ماذا سيفعل الأردن؟ وما هي المخاطر التي تُهدده؟ وما هي السيناريوهات والخيارات التي سيتبعها في حربه المفتوحة مع إسرائيل؟ وهل يملك أوراق قوة وضغط لإجبار نتانياهو على التراجع عن مُخططه بضم أراضٍ فلسطينية؛ مما يُنبئ بفوضى سياسية قد تعم المنطقة؟

لا يملك الأردن، رغم لغته المُتشنجة، خيارات كثيرة للضغط على إسرائيل بعد أن أصبح ظهره مكشوفا دون مُساندة عربية، ويبدو وكأنه يُغرد خارج السرب في معارضته وحيدا لإسرائيل، وسط تقاذف الاتهامات عن "هرولة" للتطبيع معها وصلت حد الانشغال في شهر رمضان في تفكيك السر وراء مسلسل "أم هارون" الذي تعرضه قناة MBC، واعتبر جسرا وتوطئة لتهيئة الشارع العربي للتعايش مع إسرائيل.

الضم يُعمق الشرخ ويُهدد شرعية الوصاية الهاشمية على المقدسات

يشعر الأردن بالقلق وقلة الحيلة في ظروف سياسية واقتصادية استثنائية فاقمتها جائحة كورونا، لكن هذا الحال لا يمنع المفاجآت؛ فالقيادة الأردنية أصرت على رفض استمرار تأجير أراضي الباقورة والغمر للجانب الإسرائيلي، رغم كل الرهانات والإشاعات على أنه سيتراجع عن هذه التوجهات، لكنه حسم هذا الملف الشهر الماضي بالإنهاء الكامل لاستغلال أراضيه من المزارعين الإسرائيليين، وتصدى لكل التهديدات التي أطلقت لمعاقبته بسبب تمسكه بهذا الموقف، وربما هذا السياق يفتح شهية السياسيين للتساؤل إن كانت خطوة الملك القادمة ستذهب لتجميد بعض بنود معاهدة السلام، واستدعاء سفيره في تل أبيب، وإبلاغ السفير الإسرائيلي في عمّان أنه لم يعد مُرحبا به.

منذ توقيع معاهدة السلام، كثيرا ما تهاوت العلاقات بين عمّان وتل أبيب ووصلت إلى حافة الهاوية، ولولا الحسابات الإقليمية والدولية التي يقيسها الأردن بدقة لما طاق وتحمل نتانياهو الذي يحكم منذ العام 1996 في إسرائيل.

أزمة الضم للأراضي الفلسطينية ـ المستوطنات وغور الأردن ـ تُعمق وتزيد الشرخ، فهي لا تقتصر على مصادرة الأراضي، وإنهاء حل الدولتين إلى الأبد، وإنما تُهدد شرعية الوصاية الهاشمية للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهذا ما يعتبره النظام الأردني خطا أحمرا لا يجوز المساس به.

ليس سهلا قراءة الخطوات الأردنية، فالغضب الملكي والتلويح بالصدام يُبدده قرار المحكمة الدستورية في عمّان الذي أحدث صدوره ضجة، واعتبر وفُهم على أنه تحصين لاتفاقية الغاز مع إسرائيل، فقرار المحكمة الدستورية فُسِر على أنه يقطع الطريق على إصدار مجلس النواب لقانون جديد يمنع استيراد الغاز من إسرائيل، باعتبار أنه لا يجوز إقرار قوانين تتعارض مع معاهدات صادقت عليها الدولة، ومرت في كل قنواتها الدستورية.

ما زال الجدل حول قرار المحكمة الدستورية ومغازيه مُحتدمة، وهذا يجعل القراءات لمسار الاتجاهات الأردنية أصعب، والتكهن بالخطوات القادمة ضرب في الرمال، والمؤكد في كل ذلك أن المخاطر التي تُهدد الأردن جراء قرارات الضم الإسرائيلية مُحدقة، فالحبل السري، والامتداد الطبيعي للأردن وفلسطين ستقطعه إسرائيل بضم غور الأردن، وستُصبح إسرائيل حُكما بعد تغيير الجغرافيا الجار الأبدي للمملكة الأردنية الهاشمية، وعند ذلك ستنتهي كل الآمال والأحلام والشعارات بالتكامل الاقتصادي بين ضفتي النهر، وستُطلق قرارات الضم صافرة البدء لـ "ترانسفير" تهجير الفلسطينيين مما يُعيد إلى الطاولة خيار الوطن البديل في الأردن بعد أن تتهاوى السلطة الفلسطينية.

لا يملك الأردن خيارات كثيرة للضغط على إسرائيل بعد أن أصبح ظهره مكشوفا دون مساندة عربية

رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) إفرايم عنبار يعتبر أن تطبيق السيادة على غور الأردن ليس نزوة يمينية إسرائيلية، بل تنفيذ لخطة استراتيجية، مُشيرا إلى أن السيطرة على معابر غور الأردن تمنع غزو إسرائيل.

ويقول عنبار في صحيفة "إسرائيل اليوم" إن "من يدافعون عن إعطاء غور الأردن للفلسطينيين يستهينون بأهميته الأمنية".

صوت إفرايم عنبار هو السائد في إسرائيل، وهو ما يُعبر عنه نتانياهو بعد حصد ثقة الكنيست لحكومته الائتلافية، والأصوات المعارضة التي ترى أن خطة الضم ستؤدي إلى ضرر شديد بالأمن الإسرائيلي لا تجد أذانا صاغية، وتحذيرات عاموس جلعاد الكاتب الإسرائيلي في صحيفة يديعوت أحرنوت أن خطة الضم ستؤدي إلى تردي الوضع الأمني، وتفكيك السلطة وانهيارها، وستقود إلى عودة الاحتلال العسكري المباشر، مما يُشكل عبئا أمنيا واقتصاديا على إسرائيل، لا تجد من يلتفت أو يستمع لها.

قبل أن ينتهي هذا الصيف، وقبل أن تضع جائحة كورونا أوزارها يُريد نتانياهو أن يضع أقدامه فوق التاريخ بعد أن يتلاعب بالجغرافيا، وكل الحقائق والوقائع التي تعمدت بالدم عن الحق الفلسطيني يُريدها أن تُصبح نسيا منسيا، فالدولة الفلسطينية ليست إلا أضغاث أحلام، وحق العودة للاجئين ليس أكثر من سيرة تُروى بالتاريخ، فيما الحقيقة أن إسرائيل تمددت وانقضت حتى على المعاهدات التي وقعتها.

بعد 72 عاما على النكبة، يتعرض الفلسطينيون لنكبة جديدة بعد أن يقضم الاحتلال ما تبقى من أراضيهم وينقض على أحلامهم، ففي الأراضي المحتلة بفلسطين لا يُقلقهم فيروس كورونا حين يُصبح الاحتلال خطرا داهما أكبر يفتك بشعب بأكمله، ولا يمكن الوقاية منه بتاتا.

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة