A handout picture released by the Jordanian Royal Palace on May 25, 2020 shows Jordanian King Abdullah II giving a speech from…
ثبت فعليا أن كل حكومات الملك فشلت وأخفقت رغم كل ادعاءات الإنجاز التي تدعيها

بإرادة الملك الأردني وهي إرادة ممنوحة له من الدستور، يتم حل مجلس النواب الأردني (الغرفة الأدنى في البرلمان ويتشكل بالانتخاب)، والمجلس الأخير أكثر المجالس النيابية هزالة وبؤسا في الأداء حسب مقاييس السخط الشعبي في الأردن.

ودستوريا، حكومة الدكتور عمر الرزاز عليها الاستقالة لإتاحة المجال لحكومة تشرف على الانتخابات النيابية القادمة.

وأثناء ذلك، يقوم الملك، بإرادته الممنوحة له من الدستور نفسه، بتعيين مجلس الأعيان، وهو الغرفة الأعلى في البرلمان ويتشكل بالتعيين!

وبين هذا وذلك... وذاك، حزمة أخبار واردة من الأردن، من بينها ذكرى اغتيال الكاتب والسياسي الأردني الراحل ناهض حتر، على يد متطرف سلفي مأفون، وتواطؤ رسمي تمثل بالتحريض المستمر برعاية حكومية قادها رئيس وزراء ووزير داخلية ومحافظ العاصمة، ومشاركة إعلامية مخزية من شخصيات صحفية وسياسية واجتماعية ركبت الموجة، فساهمت كلها في تذخير مسدس المتطرف المأفون وقتل ناهض على درج قصر العدل في عمان.

بالتوازي والتزامن، يتسع الفساد، ويزداد الفقر ومعدلات البطالة، وينكمش الاقتصاد المديون باستمرار والموغل في العجز بلا توقف

في تلك الذكرى التي تفاوت فيها الموقف من ناهض لكن كاد الإجماع يكتمل على بشاعة الجريمة التي أنهت حياته، كان هناك ما يلفت الانتباه فعلا.

يقوم أحدهم، وعلى صفحة فيسبوك الخاصة به، بنشر صورة المأفون قاتل ناهض حتر، إلى جانب صورة ناهض، ثم يكتب مديحا بما سماه "الشهيد" ويقصد المجرم قاتل حتر.

هذا "الأحدهم" ليس عابر طريق في الفضاء الإلكتروني، بل هو مطروح في مجتمعه المحلي رجل دين وداعية، وهو مؤسس لصفحة عامة على فيسبوك تمثل تيارا يتسع مع توسع الغوغاء معه، تدعو الأردنيين إلى محاربة العلمانية، وشريكه في قيادة التيار نائب سابق في البرلمان، له خبرة في العمل الإعلامي ويملك محطة تلفزيون فضائية، ويحظى بمباركة الأجهزة الأمنية.

بعد ضجة "على وسائل التواصل الاجتماعي" على ما فعله الشيخ المعادي للعلمانية، والمعروف في تاريخه الشخصي بالعنف حيث أنه مطرود من القوات المسلحة لارتكابه الأذى والعنف بحق الغير، قام الرجل بسحب الإدراج، متذرعا بالضغط لكن غير معتذر عن موقفه الذي يصر عليه.

في الصفحة العامة لمحاربة العلمانية وشيطنتها والتحريض على كل من لا يؤمن بدولة الخلافة الإسلامية وتكفيره، يسأل أحدهم هذا الشيخ عن الانتخابات النيابية وكيف يصح أن يدعو الشيخ إلى المشاركة فيها وهو من يقول بأن الديمقراطية والدولة المدنية ضد العقيدة الإسلامية، فيرد الرجل بوضوح أنه لا بأس من استخدام أدوات الديمقراطية لقتلها بها!

هؤلاء، يتسللون إلينا تحت سطح الضجيج الذي تفتعله حكوماتنا وأنظمتنا المشغولة بالفساد، وهؤلاء خفافيش عتمة قادرة على التوسع في كهوفها الرطبة، والأخطر أن هؤلاء ناعموا الملمس إلى حد نيلهم حظوة المباركات الأمنية، ولا يحتاج مثل هؤلاء إلى أكثر من دعاء بالتوفيق للملك مثلا، مع صورة له على صفحات التواصل الاجتماعي، لكن في إدراجاتهم "العقائدية" فإن الملك وكل أسرته ومثل باقي الناس، هم في مرتبة الكفار والخارجون عن العقيدة.

كنت قبل مدة من الزمن، كتبت مقالا عن هؤلاء وانتشارهم كظاهرة خطيرة، في مقال "مشاتل التطرف"، ونبهت إلى أن التيار لا يقتصر على الأردن، بل هو متشابك بسلسلة ترابط شبحية ومخفية مع باقي الدول العربية، وأخطر ما فيه هو مبدأ "التقية" الذي يتبعونه في إضمار نواياهم الحقيقية خلف تصريحاتهم الملونة والماكرة.

رئيس الحكومة ووزير الدفاع فيها غير قادرين على اتخاذ قرار سيادي واحد كامل الولاية العامة بدون أخذ الإذن من مكتب الملك

هؤلاء، نواة جيل جديد ومستجد وقادر على الأذى بقوة في المستقبل من متطرفين بدأوا في كهوف أفغانستان بالقاعدة ولم ينتهوا في جغرافيا الدم العربي تحت اسم "داعش".

♦♦♦

كل هذا الماء الذي يجري من تحت أرجل الجميع، يجري بينما الدولة الأردنية تبحث عن مخلصها من كل الأزمات المتلاحقة والمتراكمة.

ثبت فعليا أن كل حكومات الملك فشلت وأخفقت رغم كل ادعاءات الإنجاز التي تدعيها، وكل حكومة تأتي تلعن سابقتها وتدعي الاختلاف، وهي جميعا نسخ متماثلة إن لم يكن بالأسماء فبالسياسات التي كل محتواها أنها لا تحمل أي سياسة محددة.

السبب واضح وبسيط، فحكومات الملك هي فعليا وحرفيا حكومات الملك، يعين فيها رئيس الوزراء كرئيس حكومة، ووزير دفاع، لكن رئيس الحكومة هذا ووزير الدفاع فيها غير قادرين على اتخاذ قرار سيادي واحد كامل الولاية العامة بدون أخذ الإذن من مكتب الملك... وقد يمنحه الإذن فعليا موظف في مكتب الملك، وهو ذاته الذي يمنعه من التصرف لو شاء.

الملك، في أوراق نقاشية طرحها للنقاش قبل سنوات، ولا تزال مطروحة ومفرودة للعموم، ولم يناقشها أحد فعليا لكنها لقيت أطنانا من حبر المقالات المطبوعة في الثناء والمديح، طرح تصوره عن الدولة الدستورية، دولة المؤسسات والقانون المدنية (الدولة التي يكفر بها الشيخ الذي تدعمه المؤسسات الأمنية ويرى في قاتل ناهض بطلا وشهيدا)، والملك تحدث كثيرا في جلسات مغلقة وبصراحة عن طموحه بدولة أحزاب وبرلمان أحزاب وحكومة تشكلها الأحزاب!

لكن الملك نفسه هو الذي تصدر إرادته الملكية بأن يقوم فلان ما (خيار الملك الشخصي والمطلق)، بتشكيل الحكومة، والملك مع مكتبه، ودائرة مخابراته، وقوى رديفة كلها مرتبطة بالملك، تشارك الشخص المكلف بتشكيل أسماء الوزراء.

والملك يحل مجلس النواب الذي نجح في انتخابات ماضية عبر وعي مجتمعي مزور وومسوخ ومشوه، والملك يعين مجلس الأعيان الذي لم يثر أي اسم من أسمائه أي مواطن، بل لم يكترث أي مواطن لكل تركيبة المجلس، فاختيار الأسماء في غرفة البرلمان الأعلى هي صكوك رضا ودية لكل هؤلاء الذوات.

الدولة يا جلالة الملك ورأس الدولة، هي ألا يحدث ذلك كله

وأثناء ذلك، تفشل الحكومات في تنفيذ أي سياسات، لأنه ببساطة لا توجد سياسات.

الإعلام الذي تم اختراقه عبر منهجية إفساد وصلت به الحالة إلى أن يحصل العاملون فيه على "إكراميات" ـ هكذا صارت تسميتها بفواتير محاسبية ـ وهي رشاوى مقنعة بالتهذيب، لا تهذيب فيها... وهو ذات الإعلام الذي أغلب أدواته دكاكين إلكترونية، أما المطبوع منها فهو نشرة حائط مناسبة للصفوف الابتدائية، أما نقابة الصحفيين فهي ليست أكثر من تجمع وجاهي بامتيازات وجاهية جاهزة للقفز في مكاتب الحكام الإداريين والمخافر لغايات كفالة المهدورة حرياتهم، ولا عزاء للصحفيين.

طبعا بالتوازي والتزامن، يتسع الفساد، ويزداد الفقر ومعدلات البطالة، وينكمش الاقتصاد المديون باستمرار والموغل في العجز بلا توقف، ويزداد القهر الذي يعمي العقل، فيتجه المقهورون وقد يئسوا من حلول الأرض، إلى حلول السماء التي يقدمها لهم على صفحة فيسبوك عامة شيخ نصف أمي ونصف جاهل، يدعي أنه يملك أجوبة الله على كل الأسئلة، وتكبر كرة الثلج المقدسة، وهي تتدحرج في كل هذا الانحدار الجرفي، وننتهي إلى كارثة قد تكون دموية، يرفع فيها الشيخ الفيسبوكي المذكور أعلاه (والذي قد يصبح نائب أمة في الانتخابات القادمة) سيف التكفير وخلفه جيوش من المقهورين الذين يئسوا حد الكفر بالإنسان والمواطنة والوطن وكل شيء، وبالديمقراطية يقتلون الديمقراطية أو ما تبقى منها.

مرة أخرى... نكررها: الدولة يا جلالة الملك ورأس الدولة، هي ألا يحدث ذلك كله.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.