A handout picture released by the Jordanian Royal Palace on June 17, 2020 shows the mask-clad King Abdullah II signing a book…
الملك الأردني عبدالله الثاني

"تحت الحظر" حالة حرية الإعلام بالأردن في ظل جائحة كورونا عنوان أحدث تقرير أطلقه مركز حماية وحرية الصحفيين قبل أيام ويسلط الضوء على السياسات والتدابير الحكومية في التعامل مع وسائل الإعلام والصحفيين والصحفيات، ومدى انسجامها وتوافقها مع الالتزامات الحقوقية والقانونية للدولة.

أكثر ما كان يشغل المؤسسات الحقوقية في كل مكان بالعالم، كيف استغلت واستخدمت بعض الحكومات الإجراءات الاستثنائية لحماية الصحة والسلامة العامة لفرض قيود غير مبررة على حقوق الناس وحرياتهم؟

عادة لا يُصنف الأردن من الدول التي تعصف بالحريات العامة وفي مقدمتها حرية التعبير والإعلام، وتحرص السلطة هنا على صورتها، وتهتم بمكانتها بالمؤشرات الدولية، لهذا فإنها غالبا ما تقف في المنطقة الوسطى، فالحريات لا تنزلق للدرك الأسفل، ولا تتقدم وترتقي لتحتل مكان الصدارة.

تقرير "تحت الحظر" عاين تأثيرات قانون الدفاع وأوامره على حرية الإعلام، ورصد ووثق الانتهاكات التي وقعت على الصحفيين، وتوقف بالتفصيل عند الإجراءات التي اتخذت تحت ذريعة وباء كورونا لتقييد بعض الحقوق المتعلقة بالصحافة.

عادة لا يُصنف الأردن من الدول التي تعصف بالحريات العامة وتحرص السلطة على صورتها ومكانتها بالمؤشرات الدولية

أول الحقائق التي اعتبرها التقرير حجر الأساس لفحص واقع حرية الإعلام في الأردن خلال الجائحة هو التسليم بأن القانون الدولي لحقوق الإنسان أتاح للدول اتخاذ تدابير استثنائية تضع قيودا على بعض الحقوق لحماية السلامة والصحة العامة شريطة أن يكون لهذه التدابير أساس قانوني، وتكون ضرورية، وبناء على أدلة علمية، ولا يكون تطبيقها تعسفيا ولا تمييزيا، ولفترة زمنية محددة، وتحترم كرامة الإنسان وقابلة للمراجعة ومتناسبة من أجل تحقيق الهدف المنشود.

واستنادا لهذه القاعدة فإن التقرير وجد أن بعض الإجراءات التي اتخذتها السلطات العامة لم تكن جميعها مبررة، ولم تستند إلى أدلة علمية، ودلل على ذلك بوقف طباعة الصحف خوفا من نقلها لعدوى فيروس كورونا، ومنع تنقل وحركة الصحفيين والصحفيات إلا بتصاريح مرور منحتها الحكومة، ولم يحصل عليها جميع العاملين في المؤسسات الإعلامية.

سعت الحكومة لتمكين الصحفيين والصحفيات من الحصول على تصاريح المرور، وطلبت من المؤسسات الإعلامية تقديم قوائم بأسماء من تحتاجهم للعمل والتحرك خلال الأزمة، ولكنها لم تُعلن معايير واضحة لمنح التصاريح أو حجبها، وتعرضت للانتقاد بسبب كرمها في منح التصاريح لمؤسسات إعلامية حكومية أو عمومية، وتقتيرها وعدم استجابتها لطلبات مؤسسات إعلامية خاصة ومستقلة.

وثق التقرير 4 حالات تضمنت 17 انتهاكا تعرض لها إعلاميون من بينها، توقيف مدير عام قناة رؤيا فارس الصايغ ومدير أخبارها محمد الخالدي حين اتهما ببث تقرير تلفزيوني يحرض على خرق حظر التجول، بالإضافة إلى توقيف الصحفي البنغالي سليم عكاش على خلفية تقرير ينتقد تجاهل سفارة بنغلادش للعمال البنغاليين في عمان.

الانتهاكات ضد الصحفيين في العالم العربي ليست حدثا عرضيا، إنما نهج تكرس على مر السنوات يخيف حراس الكلمة ويخنق أصواتهم، وقد لا تكون الانتهاكات الجسيمة للإعلاميين في الأردن عملا مألوفا، فلم يسجل في تاريخها قتل أو اختفاء صحفي كما حدث ويحدث في الجوار العربي، لكن حالات توقيف الصحفيين سجلت تزايدا باستخدام قوانين مقيدة، وللتذكير فإن تقرير حالة حرية الإعلام في الأردن لعام 2018 رصد 68 انتهاكا، وفي عام 2017 بلغت 173 انتهاكا.

نشطاء حقوق الإنسان في الأردن ينظرون لحرية التعبير والإعلام باعتبارها "حجر الرحى" ويعبرون عن مخاوفهم من تنامي وتزايد التضييق على الحريات العامة، وخاصة في ظل قانون الدفاع وأوامره، ويستشهدون بتزايد ما يسمونهم "معتقلي الرأي"، إذ تشير صفحة لجنة متابعة معتقلي الرأي إلى 40 اسما صدرت بحق بعضهم أحكام قضائية، وآخرون موقوفون دون محاكمة حتى الآن.

النائب صداح الحباشنة في تصريحات له نشرت مؤخرا "انتقد سياسة الاعتقالات والتوقيف الإداري التي تنتهجها الحكومة ضد الناشطين السياسيين، مشيرا إلى أن الحكومة أصبحت تُمارس التضييق على الحريات وتعتقل كل من ينتقدها".

النشطاء الحقوقيون شنوا حملة على السوشيل ميديا تحت اسم "بكفي اعتقالات"، وقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة دعا لاستخدام آليات الحماية الدولية لتقديم الشكاوى للمقررين الخواص فيما يتعلق بالاحتجاز والاعتقال لنشطاء الرأي والإعلاميين.

تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان لعام 2018 وثق 1821 قضية بسبب حرية الرأي، أو إعادة نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو الموقع الإلكتروني سندا للمادة (11) من قانون الجرائم الإلكترونية تعرض خلالها 161 شخصا للتوقيف، في حين بلغت القضايا المُقامة بموجب قانون العقوبات تحت مسميات ذم هيئة رسمية، أو جريمة إطالة اللسان، أو إثارة النعرات 757 تسببت بتوقيف 130 شخصا.

قضية حرية التعبير والإعلام شائكة ومتشعبة، ويكشف استطلاع الرأي الذي نشره تقرير "تحت الحظر" إلى أن 21 بالمئة يعتقدون أن الحكومة ضمنت بدرجة كبيرة تقديم معلومات ذات مصداقية للصحفيين خلال الجائحة، و54 بالمئة بدرجة متوسطة، 19 بالمئة إلى درجة قليلة، و6 بالمئة لم تضمن وصول معلومات على الإطلاق.

نشطاء حقوق الإنسان ينظرون لحرية التعبير والإعلام باعتبارها "حجر الرحى" ويعبرون عن مخاوفهم من تزايد التضييق على الحريات العامة

ويرى 44 بالمئة من الصحفيين والصحفيات أن حصر المعلومات بمصادر محدودة كان من أبرز التحديات التي واجهتهم، يليها 40 بالمئة يشيرون إلى عدم قدرتهم على الحركة لمتابعة قصصهم الصحفية، 39 بالمئة يسلطون الضوء إلى أن منع المسؤولين من التصريح لوسائل الإعلام كان أهم المشكلات، وينظر 37 بالمئة إلى أن حجب المعلومات كان أهم الانتهاكات، يتبعه 35 بالمئة يعتقدون أن حظر التجول ومنع الصحفيين من الحركة هو الانتهاك الأهم.

تعترف الحكومة من خلال وزير الدولة لشؤون الإعلام أمجد العضايلة أن جائحة كورونا أظهرت ضعف المؤسسات العامة بالاتصال بالإعلام، ويؤكد أنهم بذلوا كل جهد ممكن لتوصيل المعلومات لوسائل الإعلام سواء عبر الإيجاز الصحفي اليومي، أو بالرد على الاتصالات، أو بالظهور على وسائل الإعلام المختلفة، مُنكرا أي مُحاباة لوسائل إعلامية بعينها على حساب الأخرى.

حرية الإعلام لا تواجه وضعا حرجا في جائحة كورونا، بل سياق متصل من الحصار والضربات والأزمات طالما لم تتقبل الحكومة الإعلام سلطة رقابية وعين للمجتمع.

لا بواكي للإعلام في هذا الزمن، فجائحة كورونا انقضت على آخر الأحلام بالعودة للمشهد بعد أن أحكمت الحكومات قبضتها، واستنفذت كل الوسائل لتحسين مواردها المالية للبقاء على قيد الحياة.

حظي الأردن بإشادة دولية في تعامله مع كورونا، وجرى الحديث عنه كنموذج في السيطرة على الجائحة ومنع تفشيها، واعتبر من الدول التي سجلت معدلات قليلة بالإصابة والوفيات، ولو تمتع بحساسية عالية وأفضل في مراعاة معايير حقوق الإنسان في تدابيره وإجراءاته؛ لضمن رضى الداخل والخارج.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.