Jordanian teachers clash with security forces during a protest in the capital Amman on September 5, 2019. - Thousands of public…
صدام بين المعلمين وقوات الأمن خلال إضراب 2019

كلما استمعتُ وشاهدتُ حديث نائب نقيب المعلمين في الأردن ناصر النواصرة وهو يتوعد ويقسم أغلظ الأيمان زاد منسوب القلق عندي من معركة كسر عظم قادمة على الأبواب، وشعرت أن التحشيد والتحريض تربة خصبة لصراع مُتجدد بين نقابة المعلمين والحكومة سيُشعل حريقا.

الشرارة التي أوقدت "مواجع" أطول إضراب في تاريخ الأردن كان فيديو تم تداوله على نطاق واسع للنواصرة يُقسم ويقول فيه "والله لو ارتدت علينا الكرة الأرضية لن نتراجع عن فلس واحد من علاوتنا، أو بند واحد من اتفاقنا مع الحكومة".

ويُكمل ما اعتبر وفسر أنه تهديد وتلويح بمكاسرة الدولة "والله لو ارتدت الكرة الأرضية، ليس الحكومة ودوائرها لن نتراجع".

شبح الصدام بين الحكومة ونقابة المعلمين يعود بعد أقل من عام على اعتصامهم وإضرابهم المفتوح الذي انتهى بتوقيع اتفاقية تاريخية بين الطرفين، والسبب هو قرار الحكومة بوقف العلاوات لكل موظفي القطاع العام نتيجة التداعيات الاقتصادية الصعبة لفيروس كورونا.

القناعات التي ترسخت في نقابة المعلمين أن حقوقهم لا يستطيعون تحصيلها إلا بالصراع

فيديو النواصرة وظف واستعمل لحرق صورته، وإظهار نوايا مُبيتة عند قيادات الإخوان المسلمين ومنهم "النواصرة" للضرب تحت الحزام في ظرف بالغ الحرج والدقة تمر به البلاد بسبب تفشي وباء كورونا، وزاد من تمدد فرضية المؤامرة التي تُروج لها الحكومة وأجهزتها الأمنية فيديو آخر لقيادي في نقابة المعلمين باسل الحروب يُهدد فيه بتعطيل المدارس ووقف التعليم لعام آخر، بعد أن توقف التعليم في المدارس منذ شهر مارس الماضي بسبب كوفيد-19، واستُعيض عن ذلك بالتعليم عن بعد.

المطلعون على خبايا بيت نقابة المعلمين لا يوافقون على فرضية هيمنة التيار الإسلامي، واستحواذهم على قرارها، واستخدامها في إشعال صراعات مع الحكومة تُعيد إحياء دورهم ووجودهم السياسي، ويُصرون على أن مجلس النقابة لا يضم سوى ثلاثة أعضاء محسوبين على تنظيم جبهة العمل الإسلامي الذراع السياسي للإخوان المسلمين، ويرون أن الأزمة سببها الحكومة التي تريد أن تتنصل من علاوة الـ 35 بالمئة التي حققتها النقابة بعد إضراب تاريخي.

معاينة المشهد بحثا عن نافذة للحقيقة ربما يكشف وجوها خافية لن تراها إلا إذا استمعت لأصوات متعددة، ولهذا فإن نائب النقيب النواصرة لا يتردد من المجاهرة في حديث لراديو البلد إلى أنه لم يُهدد أحدا على الإطلاق، ويُتابع "إذا أردت شيطنة شخص ستجد أكثر من وسيلة خصوصا عندما يكون لديهم كُتاب التدخل السريع".

النواصرة يُشدد على أن تصريحه أُخرج عن سياقه، وما قصده في كلامه أنه ثابت على الحق ولا يملك كناصر التنازل عن ذلك، وأنه يفرق بين الحكومة والدولة.

لا يُخفي ولا يُوارب النواصرة في الاتهام أن هناك من يحاول شيطنة حراك المعلمين، ويُدين تصريحا لا تلميحا أجهزة الأمن التي تدفع كُتاب المقالات أو ما يُسميهم "كُتاب التدخل السريع" لتشويه صورتهم، وإظهارهم تابعين يؤمرون من تنظيم الإخوان المسلمين لتنفيذ أجندتها.

الكاتب أحمد أبو خليل وفي مقالة له نشرت في موقع حبر تحت عنوان "حركة فقراء القطاع.. إضراب المعلمين نموذجا" يروي على لسان أحمد جردات أحد قيادات حراك المعلمين في السبعينيات من القرن الماضي أن المحقق كان يقول له "إن نسمح لكم بإنشاء نقابة يُشبه سماحنا بحصول انقلاب".

لا تُخفي الدولة الأردنية شعورها بعدم الارتياح لتنامي وتعاظم قوة نقابة المعلمين التي يُنظر لنشوئها باعتباره مولودا "غير شرعي"، وثمرة صعود الحراكات المجتمعية إبان الربيع العربي، وتعززت هذه المخاوف بعد انتصار نقابة المعلمين في إضرابها، ولهذا فإن الهواجس من تحركهم لاستعادة علاوتهم تتطلب ضربات استباقية، وسعيا محموما لوأده في مهده.

المشكلة التي لا تريد الحكومة وأجهزتها الأمنية الاعتراف بها أن قيادة نقابة المعلمين ليست مرهونة لقيادات التيار الإسلامي، والأكثر تأزيما أن القناعات النقابية التي ترسخت أنهم لا يستطيعون تحصيل حقوقهم إلا بالصراع وفرض الأمر الواقع كما يصف الحالة الناطق الرسمي باسم نقابة المعلمين نور الدين نديم، ويوافق على فرضية العلاقة الشائكة بين الحكومة والنقابة لأنها لم تنشأ بتوافق، وجاءت كنتيجة لضغوط الربيع العربي.

نقابة المعلمين تُلوح بالإضراب المفتوح وتُقدم نفسها كحركة تُمثل المظلومين والكادحين

نديم الذي لا يوافق على اللغة المُتشنجة في المطالبة بالعلاوة التي أوقفتها الحكومة منذ جائحة كورونا، يعتقد أن ما يُقلق خصوم النقابة أنهم يدركون أن الأعضاء المستقلين ـ وهم الأغلبية ـ "شورهم من رأسهم"، ومتحررين من قيودهم ومرجعياتهم الفكرية والحزبية، ويحظون بتأييد واسع بين المعلمين، ولا يمكن الضغط عليهم، أو التفاوض نيابة عنهم.

الأزمة كرة ثلج تتدحرج وتكبُر، وأول صافرة إنذار لمجلس النقابة أن هناك أوراقا كثيرة يمكن استخدامها للإضرار بهم، وحرقهم، وخلق مناخ معادٍ لهم، والدعوى القضائية التي حُركت ضد مجلس النقابة وتتهمهم بإساءة الأمانة واستخدام المال العام بطريقة غير شرعية أول الخطوات، وليس آخرها.

لائحة الدعوى في القضية المُقامة تبدو غريبة وطريفة، وتُظهر أن لا محرمات في الأسلحة التي يمكن أن تُستخدم في الصراع، وفحوى القضية اتهام أعضاء مجلس النقابة بإساءة الائتمان لأنهم تبرعوا بنصف مليون دينار لصندوق همة وطن لدعم جهود مواجهة كورونا في الأردن.

القناعة الراسخة عند أعضاء مجلس النقابة أنها حُركت بأوامر، وما يدعوهم للتندر أن مطالبات الدعوى ليست إعادة الأموال المُتبرع بها؛ وإنما المطالبة بحل المجلس وفصل الأعضاء وإلغاء عضويتهم.

ما زال صدى الشعار الذي أطلقه النواصرة "نجوع معا أو نشبع معا" خلال الإضراب المفتوح يتردد، وما تزال نقابة المعلمين تتصدر المشهد وتُقدم نفسها كحركة تُمثل المظلومين، ولهذا فإن قراءة بيان النقابة الاحتجاجي على وقف العلاوة والمطالبة بإعادتها مشحون بشعارات ماركسية كادت أن تختفي، ويُشير بوضوح إلى أن النقابة تريد أن توحي أنها "تُدافع عن الطبقة الكادحة، وعن إرادة المسحوقين ضد تغول الفاسدين والتحالف الطبقي".

لا يخلو بيان النقابة من التهديد وإظهار القوة، ويُعلن أن "خيارات التصعيد ستكون أكثر قوة مما سبق، والإجراءات سيكون عنوانها استرداد حقوق المظلومين".

مخالب الحكومة لا يُستهان بقوتها، وتُصبح أكثر ضراوة وفتكا في ظل قانون الدفاع

إذن سردية نقابة المعلمين لحركتها في الاحتجاج والصراع تؤطرها وتؤدلجها اجتماعيا وطبقيا، وتحاول أن تحشد موظفي القطاع العام المُتضررين معها، وهي تُلوح قبل أن تنتهي تداعيات كورونا إلى الإضراب، ومقاطعة الانتخابات القادمة بعد أن تكشف عن خطتها التدريجية للتصعيد والمواجهة.

معركة الإضراب المفتوح التي خاضتها نقابة المعلمين في الأردن العام الماضي وجدت تضامنا شعبيا وانتهت إلى نصر مؤزر لها، ولكن وكما يُقال بالأمثال الشعبية "لا تسلم الجرة كل مرة"، والمقربون من الحركة النقابية يجدون أن سعي النقابة إلى اقتناص الفرصة في الأزمة للتلويح بالتصعيد خطوة غير موفقة، وقفزة في الهواء، ولن تُفهم إلا في سياق "ليّ ذراع الدولة" وهو ما سيُقلل حالة التعاطف والالتفاف الشعبي معها، والأخطر والمرفوض شعبيا أن تعود النقابة إلى التهديد بالإضراب مرة أخرى، خاصة في هذا الظرف الذي لا يزال الطلبة في بيوتهم منذ أشهر، فهم وإن تعاطفوا مع الضائقة الاقتصادية التي يمر بها المعلمون والمعلمات، إلا أنهم يدركون أنها تمس كل القطاع العام، ولم يكونوا هم ضحايا الجائحة وحدهم.

شيطنة نقابة المعلمين بضاعة قد لا يشتريها البعض مهما بثت من فيديوهات لغتها مُتشنجة وفظة، إلا أن الخط الأحمر عند الأهالي أن يُستخدم الطلبة "رهائن"، أو "دروعا بشرية" في معركة النقابة ضد الحكومة لتحصيل حقوقهم.

تملك الحكومة "مخالب" لا يُستهان بقوتها، وفي ظل قانون الدفاع وأوامره تُصبح أكثر ضراوة وفتكا، وعلى "عقلاء" نقابة المعلمين تغليب الحِكمة على "الاستعراض الخطابي"، وتجنب الركون إلى زهو انتصاراتهم السابقة كذخيرة في معركة لاحقة، فالظروف والأيام والقناعات تتغير، وما يمكن أن تُقدم عليه الحكومة من إجراءات قد لا يكون بالحسبان وقيد التوقعات.

الفريقان الحكومة والنقابة عليهما أن يُدركا أن البلاد لا تحتمل أتون معركة جديدة بعد أن أنهكت في صراعها مع وباء عالمي.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.