Democratic presidential candidate Joe Biden departs after speaking about reopening the country during a speech in Darby,…
بايدن كان من مؤيدي الانسحاب أفغانستان في 2010 ولا يحبذ وجودا عسكريا ثقيلا في العراق وسوريا إنما أيضا لن يتسرع في الانسحاب في حال انتخابه رئيسا

137 يوما يفصلون الولايات المتحدة عن انتخابات رئاسية قد تكون الأكثر مصيرية في تاريخها الحديث، خصوصا في الملفات الداخلية وشكل الاقتصاد والمحكمة العليا. وفيما يتراجع دور الملفات الخارجية في السباق بين الرئيس دونالد ترامب والمرشح الديمقراطي جوزيف بايدن، فملامح ومعطيات الديبلوماسية الأميركية ستشهد متغيرات جذرية في حال فوز الديمقراطيين.

يخوض بايدن حملته اليوم على رصيده كنائب رئيس للشخصية الأكثر شعبية بين رؤساء أميركا السابقين بحسب غالوب، أي باراك أوباما. التماهي مع أوباما، والحنين لدى الكثير من الأميركيين للعودة إلى ذلك الماضي بعيدا عن ضجيج وأزمات ترامب هو محرك أساسي خلف حملة بايدن ويساعده ـ مع عوامل أخرى ـ بالتقدم في الاستطلاعات وبمعدل 12 في المئة في استطلاع فوكس نيوز هذا الأسبوع.

إنما وبالنظر إلى رصيد ومواقف بايدن الخارجية والتي عمرها 47 عاما منذ دخوله الكونغرس، فهو يتمايز عن باراك أوباما في السياسة الخارجية وفي ملفات شرق أوسطية ساخنة تضعه في موقع أكثر تشددا حيال إيران وأقرب إلى إسرائيل.

من السذاجة اعتبار أن شروط صندوق النقد الدولي ستتغير في حال تغير الحزب الحاكم في أميركا، أو أن الديمقراطيين سيقبلون بنفوذ "حزب الله"

بطبيعة الحال، بايدن وإذا فاز في 3 نوفبمر سيكون خلفه فريق من المؤسسة الحزبية الديمقراطية لصوغ السياسة الخارجية. أبرز الأسماء بين مستشاريه في الحملة اليوم حول الملفات الدولية هم توني بلينكن، وتوم دونيلون، وكولن كال وهم عملوا معه في البيت الأبيض. الفريق يضم أيضا أسماء معروفة مثل الديبلوماسي السابق نيكولاس برنز الذي عمل في إدارة جورج بوش، والمستشار السابق لهيلاري كلينتون، جايك سوليفان. هناك لائحة طويلة من الأسماء التي يستشيرها بايدن خارج الدائرة الصغيرة، ومعظمها يؤكد التوجه الوسطي والتقليدي للحملة.

كيف يبدو هذا التوجه في إدارة السياسة الدولية والشرق الأوسطية؟

دوليا وفي حال فوزه، سيسعى بايدن إلى إعادة ترميم الجسور مع الأوروبيين وحلف الشمال الأطلسي بعد تصدع هذه العلاقة خلال ولاية ترامب. هذا سيتسم بالعودة إلى اتفاق باريس المناخي، تمتين الوجود الأميركي العسكري في القارة والتشدد مع روسيا. فالفارق الأكبر بين الرجلين سيكون في طي بايدن لصفحة ترامب بالمقايضة في السياسة الخارجية. إذ بدل ربط الوجود العسكري الأميركي في ألمانيا بمستوى التبادل التجاري بين البلدين وهو نهج ترامب، سيعود بايدن إلى المظلة الأمنية في تقرير الوجود العسكري دوليا. ما من شك أيضا أن السباق مع العملاق الصيني سيكون التحدي الأكبر مع الرئيس الأميركي المقبل سواء كان ترامب أم بايدن.

أما في الشرق الأوسط، فمن المغالطات اعتبار أن رئاسة بايدن ستحمل استمرارية لسياسات أوباما في المنطقة. فحتى حين كان نائبا للرئيس، تضارب بايدن مع أوباما حول ملفات أفغانستان، العراق وإيران. 

في إيران تحديدا أكد المستشار الأعلى لدى بايدن، توني بلينكن للجنة اليهودية الأميركية هذا الأسبوع، أن بايدن متسمك بالعقوبات المفروضة على إيران، ولا رجوع أو عدول عنها قبل التفاوض حول اتفاق نووي جديد بمشاركة "الحلفاء والشركاء" ماذا يعني ذلك؟ لا عودة للاتفاق السابق، والحلفاء والشركاء ستشمل على الأرجح دولا إقليمية وبحيث أي اتفاق جديد سيتعاطى مع ملف الصواريخ الباليستية وهي التهديد الأكبر إقليميا من قبل إيران.

بايدن كان من مؤيدي الانسحاب أفغانستان في 2010 ولا يحبذ وجودا عسكريا ثقيلا في العراق وسوريا إنما أيضا لن يتسرع في الانسحاب في حال انتخابه رئيسا. فهو يؤيد كما قال في المناظرات إبقاء قوة عسكرية خاصة في سوريا. أما موقفه الداعي لتقسيم العراق حين كان سناتور، فهو اعتذر وتراجع عنه.

لا عودة للاتفاق السابق مع إيران، وأي اتفاق جديد سيتعاطى مع ملف الصواريخ الباليستية وهي التهديد الأكبر إقليميا من قبل إيران

في لبنان، عودة الديمقراطيين للبيت الأبيض في حال فاز بايدن، لن تغير الأولويات. فالعقوبات الموضوعة على "حزب الله" تزايدت في ظل إدارات من الحزبين، والدعم للجيش استمر من جورج بوش الابن إلى باراك أوباما ودونالد ترامب. ومن السذاجة اعتبار أن شروط صندوق النقد الدولي ستتغير في حال تغير الحزب الحاكم في أميركا، أو أن الديمقراطيين سيقبلون بنفوذ "حزب الله". فأحد أبرز الداعمين لبايدن، وزير الخارجية السابق جون كيري، هو من المؤيدين لاستراتيجية لنزع سلاح الحزب مقابل ورقة إنقاذ اقتصادية للبنان.

هذه المواقف وترجيح أسماء بينها ميشيل فلورنوي وسوزان رايس للدفاع والخارجية في حال فاز بايدن، تعد بوسطية في السياسة الخارجية الأميركية بتمتين العلاقة مع الأوروبيين، واستمرار للعلاقة القريبة مع إسرائيل مقابل استراتيجية حذرة في إبرام اتفاق جديد مع إيران، وفك الارتباط العسكري في أفغانستان.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.