(FILES) This file picture taken during the period of December 28 to December 31, 2019 and released from North Korea's official…

عشرون يوما ولم ير العالم صورة أو ظهورا حيا لزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (36 عاما) فيما تنتشر الشائعات عن مرضه واختبائه وحتى وفاته وتتسابق الاستخبارات الدولية في محاولة كسر الطوق في بيونغ يانغ لمعرفة حال زعيمها.

كيم ظهر في المرة الأخيرة في 11 أبريل وفِي صورة نشرتها الوكالة الرسمية للنظام وهو يرتدي الأبيض ومحاطا برجال الأمن. ومنذ ذلك الوقت غاب عن حدث تاريخي في 15 أبريل (يوم الشمس وعيد وطني لمناسبة مولد جده، كم إل سونغ، مؤسس كوريا الشمالية)، ثم شوهد قطاره خارج منتجعه البحري في وونسان في 23 أبريل وهو ما زال مركونا هناك اليوم. خلال هذه الفترة أعلن النظام أن كيم أرسل برقيتين للرئيس السوري بشار الأسد ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا من دون أن ينقل أي صورة له.

هذه ليست المرة الأولى الذي يختفي فيها كيم، فهو غاب 40 يوما في 2014 قبل أن يعود حاملا عصا ما رجح وجود مشاكل صحية. اليوم ومع إرسال الصين فريقا طبيا لتفقد حليفها، فإن السلبية تحيط اختفاءه والتفسيرات الأكثر منطقية هي:

1 ـ خضع كيم جونغ أون لعملية جراحية وفق تقارير يابانية، لحقها تعقيدات وما حتم اختفاءه. فالرجل وزنه يزيد عن 140 كليوغراما، ومعروف عنه كثرة التدخين وصعوبة التنفس وعانى والده من مشاكل في القلب. العملية تفسر انتقاله في القطار بدلا من الطائرة.

ما يزال النظام الكوري الشمالي متماسكا ومحكما سيطرته على المعلومات ومحصنا حتى الساعة ضد اختراقات الاستخبارات الأجنبية

2 ـ حال الزعيم الكوري جيدة ولا يوجد شيء خارج عن المعتاد بحسب مسؤول رسمي في كوريا الجنوبية. طبعا من مصلحة كوريا الجنوبية أن يكون كيم في صحة جيدة فهو حسن العلاقة بين الجارتين، ووقع تفاهما قد يوصل إلى مصالحة تاريخية.

3 ـ وباء فيروس كورونا وانتشاره في كوريا الشمالية فرض اختباء كيم ومن ثم ارسال فريق صيني طبي لتفقد الوضع. هذه النظرية تعني أن كيم لا يريد الظهور بين العامة وأن انتشار الفيروس كبير في الدولة الشيوعية.

هناك تسريبات أخرى عن وقوعه في غيبوبة بعد خطأ في العملية أو إصابته في التجربة الصاروخية الأخيرة التي أطلقتها كوريا الشمالية في 14 أبريل أو حتى وفاته. الوفاة يصعب تصديقها نظرا لأن عشرين يوما مضت على اختفائه وهي فترة طويلة لإخفاء جثة.

السيرة العائلية لكيم جونغ أون واختفاء والدته ووالده من قبل لأسابيع تجعل من فكرة غيابه عن الأنظار بسبب كورونا أو عارض صحي الأكثر منطقية، إنما من دون معلومات حية من كوريا الشمالية أو صورة له ستستمر التكهنات.

جيوسياسيا، غياب كيم هو نذير سيئ لواشنطن والرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي حاول عبره إصلاح العلاقة مع كوريا الشمالية

البعد السياسي لغياب كيم بدأ يطرح فكرة تولي شقيقته كيم يو جونغ القيادة إذا تأخر وضعه أو اختفى بالمطلق. وشقيقته هي الأقرب له سياسيا وعائليا ولديها رابط الدم الذي يحظى بأهمية كبيرة في تولي القيادة. العم كيم بيونغ لإيل هو أيضا أحد الأسماء المطروحة إنما لا يحظى بالعلاقة القوية داخل العائلة، ومعروف عنه أنه لعوب، يرتاد الملاهي ولا يحظى بالجدية نفسها التي تحملها شقيقة كيم.

جيوسياسيا، غياب كيم هو نذير سيئ لواشنطن والرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي حاول عبره إصلاح العلاقة مع كوريا الشمالية واحتواء العملاق الصيني. ماذا تعرف الصين اليوم عن حالته الصحية ولماذا لم يتحدث الفريق الطبي الصيني بعد عودته من كوريا الشمالية؟ أسئلة ترجح زيادة التأثير الصيني في كوريا الشمالية في مرحلة غياب كيم وفي حال بدء المعركة على خلافته.

أما النظام الكوري الشمالي فهو ما يزال متماسكا ومحكما سيطرته على المعلومات ومحصنا حتى الساعة ضد اختراقات الاستخبارات الأجنبية. في نفس الوقت فإن شبح عدم الاستقرار هناك قد يعني هزة للأمن الدولي خصوصا أن كوريا الشمالية هي قوة نووية، ولديها تاريخ حافل من التجارب الصاروخية الطائشة.

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.