This picture taken on November 10, 2019 shows protesters waving Lebanese national flags by a giant sign of a fist with the…

النظام السياسي اللبناني يحتضر. المريض في قسم العناية الفائقة وما يبقيه قادر على التنفس البطيء هو نظام ضعيف لدعم الحياة. في الحالات السابقة التي اقترب فيها النظام اللبناني من غرفة العناية الفائقة كان الانقاذ المؤقت يأتي من الخارج: من دول عربية أو غربية، أو من عائدات اللبنانيين في الخارج. 

هذه المرة المريض المتعجرف الذي غرر بنفسه عندما اعتقد أن مصيره وعافيته تهم العالم، وكأنه لاعب دولي كبير يدين له العالم بالكثير، هذه المرة المريض يجد نفسه وحيدا، ومعزولا، غير قادر حتى على تحمل أسعار الأدوية الغالية، التي وإن توفرت لن تشفيه من أمراضه التي تسبب بها عندما تجاهل عافيته الاقتصادية وبقي يطوف على بحر من الفساد خلال العقود الفائتة. هذه المرة المنقذ لن يأت من السعودية، أو من فرنسا، أو من الولايات المتحدة، ولن يأت من صندوق النقد الدولي، الذي يستغرب المراقبون أنه لم يتخل عن المريض الأرعن حتى الآن.

مأساة لبنان اليوم هي أن احتضار النظام السياسي، وتحديدا الطبقة السياسية/الاقتصادية المفترسة التي ترفض التخلي عما سلبته وغنمته من المال العام كما ترفض الإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد الدولي، لأن هذه الإصلاحات سوف تمس بمصالحها. هذه الطبقة مستعدة لأن تضع لبنان كمجتمع وشعب في حالة احتضار بعد أن فاقت معدلات الفقر أكثر من ستين بالمئة من اللبنانيين، وبعد أن فقدت الليرة حوالي 85 من قيمتها خلال الأشهر القليلة الماضية. كثيرون في لبنان ينامون على معدة خاوية في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

قبل قرن من الزمن وخلال الحرب العالمية الأولى شهدت منطقة جبل لبنان مجاعة بعضها من صنع بشري، وبعضها بسبب موجة الجراد التي اجتاحت المنطقة. المجاعة حصدت ثلث سكان الجبل، والمناطق المجاورة أي حوالي 200 ألف نسمة. وإذا كانت "الإنفلونزا الإسبانية" قد اجتاحت العالم وقضت على الملايين في 1918، فإن لبنان اليوم يعاني مثله مثل العالم من جائحة كورونا التي زادت من قسوة محنته الاقتصادية. وبدلا من حرب عالمية، يعاني لبنان من الحروب الإقليمية المحيطة به، وهو الذي لم يخرج كليا أو متعافيا من سنوات حربه الطويلة.  

الطبقة السياسية/الاقتصادية المفترسة مستعدة لأن تضع لبنان كمجتمع وشعب في حالة احتضار

وحده جراد الحرب الأولى غائب عن المشهد المأساوي اللبناني الراهن. عنوان كتاب للباحثة نجوى قطان يلخص هول مأساة لبنان ما بين 1915 و1918: "عندما أكلت الأمهات أطفالهن". قد تكون رواية "الرغيف" للروائي اللبناني توفيق يوسف عوّاد الصادرة في 1939 أفضل، وقطعا أول مدخل أدبي إلى أهوال الحرب العالمية الأولى في لبنان حيث ينسج عوّاد عالما من القصص المتداخلة ببعضها البعض عن الحرب والثورة والظلم والاضطهاد والجوع والقتل، وأيضا البطولة. 

سنوات المجاعة وتلك التي تلت الحرب شهدت مآس اجتماعية خانقة من بينها البؤس الذي عانى منه آلاف الايتام وتفكك العائلات التي فقدت معيلها بسبب النفي القسري (سفر برلك) إلى الأناضول (أناطوليا) الذي مارسته سلطات الاحتلال التركي بحق آلاف الشباب اللبنانيين، ومن بينهم جدي الياس ملحم، الذين أرغموا على العمل بالسخرة، حيث قضى العديد منهم بسبب الأمراض.

مأساة لبنان اليوم مرشحة للتفاقم وسوف نشهد أعمال عنف وانتقام وقسوة ستكون محدودة في البداية، ولكنها ستتفاقم مع تفاقم العوز والفقر والجوع، وسوف تؤدي بدورها إلى تفكك العائلات، والمزيد من الأيتام والثكالى. معظمنا لن يكون على قيد الحياة عندما يكتب الروائيون والمؤرخون في العقود والأجيال المقبلة عن الكارثة اللبنانية الراهنة، المصنوعة محليا بأيد لبنانية قذرة وغير خفية.

صحيح أن لبنان عانى منذ 1975 من تدخل القوى الإقليمية والدولية بشؤونه الداخلية، وهو تدخل كانت أطراف لبنانية تشجعه عندما يكون مؤاتيا لمصالحها، ما حوله إلى مسرح اقتتال فلسطيني ـ إسرائيلي، وسوري ـ إسرائيلي ولاحقا إيراني ـ إسرائيلي وسعودي ـ إيراني. ولكن أمراء الحرب اللبنانيين والطبقة الأوليغارشية التي خلقتها الحرب ونفط الخليج لم تتعلم أي شيء من الحرب ولم تستخلص أي دروس منها. 

العقد السياسي والمالي الذي تبناه أمراء الطوائف والطبقة الأوليغارشية الجديدة بعد النهاية الرسمية للحرب في تسعينيات القرن الماضي هي التي أوصلت لبنان إلى كارثته الحالية. 

هذا العقد السياسي المصهور في الجحيم خلق قشرة رقيقة واصطناعية من الرخاء الاقتصادي في بيروت وبعض المناطق، ولم يخلق اقتصادا حقيقيا إنتاجيا، بحيث أصبح الاقتصاد الوهمي مبنيا على بيع العقارات وبعض الخدمات (التي بالكاد توفرها بنية تحتية متخلفة تشمل قطاعات الاتصالات والمواصلات) والاستثمارات الخارجية وودائع اللبنانيين من الخارج والتي خلقت أكبر كذبة في تاريخ لبنان الحديث تمحورت حول نظام مصرفي افتراضي. 

تعامل "حزب الله" مع الانتفاضة منذ البداية كان يوحي بأن أي انتفاضة تتحول إلى مشروع ثوري تغييري وحقيقي، يعني أن مثل هذا المشروع التغييري سوف يقابل بثورة مضادة يقودها "حزب الله"

قروض توفرها المصارف بالدولار للدولة وللسياسيين، ليس لبناء اقتصاد حقيقي (لبنان يستورد ثمانين بالمئة من احتياجاته بما في ذلك الأغذية والادوية والوقود) بل لمشاريع وهمية، الامر الذي أوصل مديونية لبنان إلى المرتبة الثالثة في العالم في نسبة الدين العام من الناتج المحلي.

ولتخدير الشعب اللبناني بدأت المصارف بتقديم معدلات فوائد خيالية لا تقدمها أي مصارف في العالم، واستمرت الخدعة، طالما استمر تدفق الدولارات إلى السوق اللبنانية. خلال هذه الفترة ربط المصرف المركزي بشكل اصطناعي سعر الدولار بـ 1,507 ليرة.

وعندما بدأ تدفق الدولارات يخف في 2019 سارع المصرف المركزي، ولكن بعد تأخر طويل بتحويل الإيداعات الخارجية بالدولار إلى العملة اللبنانية لكي يواصل الحصول على الدولار الذي يحتاجه لبنان لدفع قيمة مستورداته. وبدأت المؤسسات المالية التي تقيم أهلية الدول على تسديد قروضها الخارجية مثل Fitch Ratings بتخفيض لبنان إلى خانة الدول المشكوك بقدرتها على تسديد ديونها. 

في أكتوبر الماضي وعبر قرار يائس ومتهور فرضت الحكومة ضريبة بنسبة عشرين بالمئة على استخدام خدمة WhatsApp الأمر الذي فّجر الانتفاضة الشعبية التي عمت كافة المناطق اللبنانية، والتي لا نزال نرى بعض تداعياتها حتى الآن. وفي مارس الماضي أخفق لبنان للمرة الأولى في تسديد دفعة هامة من قروضه الخارجية.

ما يفاقم من حدة المأساة اللبنانية، وما يجعل حلها قريبا بمثابة الأمر المستحيل، هو أن مصير البلاد هو في يد تنظيم مسلح اسمه "حزب الله" يدين بالولاء إلى النظام الإسلامي في إيران ويمثل ذراعه الضاربة في سوريا ولبنان، خطف أو رشى أو أرهب قوى لبنانية أخرى مثل ما يسمى بالتيار الوطني الحر (الذي ليس تيارا، ولا وطنيا ولا حرا) على التحالف معه. 

"حزب الله"، يلتقي حتى مع القوى السياسية المناوئة له على موقف موحد ضد الانتفاضة الشعبية التي طالبت منذ البداية ببناء نظام سياسي جديد وليس إصلاح نظام غير قابل للإصلاح، عبر شعار "كلن يعني كلن". التحالف الشيطاني بين "حزب الله" وأمراء الطوائف والأوليغارشية اللبنانية بدأ منذ انطلاق الانتفاضة في اللعب على المخاوف والموروثات والحساسيات الطائفية والمذهبية لتقويض وتزوير الشعارات والمواقف والطروحات الوطنية والديمقراطية التي طالبت بها معظم القوى التي نظمت نشاطات الانتفاضة في أسابيعها الأولى.

يجب أن نكرر للمرة الألف أن خلاص لبنان لن يأت من الغرب، وقطعا لن يأت من الشرق إن كان هذا الشرق إيرانيا أو صينيا

تعامل "حزب الله" مع الانتفاضة منذ البداية كان يوحي بأن أي انتفاضة تتحول إلى مشروع ثوري تغييري وحقيقي، يعني أن مثل هذا المشروع التغييري سوف يقابل بثورة مضادة يقودها "حزب الله" ويؤيده بذلك وبدرجات متفاوتة أمراء الطوائف الأخرى والأوليغارشية.

أي مراجعة موضوعية للوضع الاقتصادي في لبنان، تقودنا للقول إن المستقبل القريب للبنان يتراوح بين الداكن والمظلم بالمطلق. وبين الداكن والمظلم سوف نرى انفلاتا أمنيا عبر ازدياد عمليات السرقة والنهب والخوات وأعمال عنف غير منظمة لن يكون من الصعب تخيل إعطائها أغطية مذهبية وطائفية للتمويه والتضليل. ودوما وأبدا سوف يبقى سيف الاقتتال المذهبي والطائفي معلقا فوق رؤوس اللبنانيين، أو حرب تمويه يشنها "حزب الله" ضد إسرائيل لقلب المعادلات والهروب إلى الأمام. 

الكتابة عن لبنان مؤلمة ومحبطة حتى قبل الأزمة الحالية. ماذا يكتب المرء عن طبقة حاكمة معظم أعضائها يتحدثون ثلاث لغات على الأقل، معظمهم من خريجي أفضل الجامعات اللبنانية والعالمية، ولكنهم في الوقت ذاته مستعدون للتصرف كأعضاء في مافيا إجرامية إذا تم الكشف عن جرائمهم ضد اللبنانيين، أو تم المس بمصالحهم الاقتصادية والسياسية. 

يجب أن نكرر للمرة الألف أن خلاص لبنان لن يأت من الغرب، وقطعا لن يأت من الشرق إن كان هذا الشرق إيرانيا أو صينيا، بل سيأتي من اللبنانيين أنفسهم، من الذين سيثورون أولا ضد من نصّبوا أنفسهم أوصياء على مصيرهم، قبل أن يبدأوا بهدم الصرح المتفسخ الذي أوى الطبقة المفترسة، وبناء الدولة المدنية والحوكمة الديمقراطية. ولكن قبل الوصول إلى تلك المرحلة أمام لبنان معمودية نار طويلة ومؤلمة.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.