A Lebanese police officer confronts a demonstrator during a protest against growing economic hardship in Beirut, Lebanon April…
ضابط في الشرطة اللبنانية يواجه متظاهرين بعنف

على العالم أن يقتنع أن السلطة في لبنان انقلبت على نفسها، وهي اليوم بصدد تصحيح كل الأخطاء التي ارتكبتها ومكافحة الفساد الذي غرقت به، وتصويب مسار الاستتباع الذي انتهجته منذ نحو ثلاثين عاما! السلطة نفسها والوجوه نفسها والفاسدون والمرتهنون أنفسهم، قرروا في ليلة ليلاء أن يعودوا إلى رشدهم. لم يطلب منهم أحد ذلك، ولكن انهيارا هائلا أصاب دولتهم، فقرروا أن يحاولوا إنقاذ دولتهم، لكي يستأنفوا بعدها نهبها، فجاءوا بحكومة "قناع" أخفوا وجوههم خلفها. وها هم اليوم يسعون لتقديمها بصفتها حلا لحال الاستعصاء الذي يعيشه لبنان.

والحال أن هذا القناع كان شفافا إلى حدٍ يصعب معه إخفاء الوجوه. لا بل أن هذه الحكومة صارت حكومتهم أكثر مما كانت الحكومات السابقة حكوماتهم. فهي بالإضافة إلى ضمها مستشاريهم ومدراء مكاتبهم، ضمت أيضا من لم يكن النظام يتسع لضمهم حفظا لماء وجهه. لجميل السيد حصة وافرة في هذه الحكومة! هذا الأمر لم يكن متوفرا للرجل في الحكومات السابقة. لسليمان فرنجية وزيرين، ولطلال أرسلان ممثل، هذا ناهيك عن نبيه بري وجبران باسيل وطبعا "حزب الله" من خلفهما. هذه الحكومة ستتولى مفاوضة العالم واستدراجه لإنقاذ لبنان! وهي باشرت المهمة على ما يبدو.

العالم المرهق بفعل كورونا، والمستنفر لمحاصرة إيران والذي تنضم مزيد من الدول فيه إلى الدعوة الأميركية لتنفيذ عقوبات على "حزب الله" وتصنيفه إرهابيا. هذا العالم قدمت له دولتنا حكومة من هذا النوع لتقنعه بإنقاذها!

لن تنجح المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. ليس لدى حكومة جميل السيد شيئا لتقدمه للعالم، ولن يقبل "حزب الله" بأن تخنقه شروط الصندوق

لا بأس، قال العالم لنا. لنجلس إلى طاولة المفاوضات، ولنرى ما ستقدمونه لنا. وصودف أن هذه الوقائع جرت بينما كانت الولايات المتحدة الأميركية تدخل في مرحلة تنفيذ قانون قيصر، لمعاقبة النظام في سوريا وكل من يتعامل معه. وهو القانون الذي إذا ما تم تفعيله سيصيب الدولة اللبنانية مثلما يصيب النظام السوري. كل من يتعامل مع النظام السوري سياسيا واقتصاديا وعسكريا، سيكون هدفا للعقوبات. لنتخيل إذا حال لبنان في ظل هذا القانون.

المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ستجري ليس بعيدا عن قانون قيصر! ليس التهريب عبر الحدود اللبنانية السورية أمرا ذا شأن هنا، على رغم سعي الحكومة اللبنانية لتقديمه هدية لصندوق النقد. الجوهري في هذا الأمر يتعلق بالعلاقات بين النظامين، وما إذا كانت حكومة لبنانية يملك فيها "حزب الله" هذا القدر من النفوذ مستعدة لجردة حساب طويلة ومعقدة تفصل فيها نفسها عن مسار العلاقة مع النظام في سوريا.

ممن تسخر الحكومة اللبنانية حين تقول إنها ستقنع صندوق النقد الدولي بخططها الإصلاحية؟ فالعجز جوهري هنا، ورأس النظام، الذي أتى بها، مطلوب لكي يقتنع المجتمع الدولي بإمكان حصول إصلاح في لبنان. فالمطلوب من حكومة "حزب الله" أن تحد من نفوذ "حزب الله"! فهل يعقل ذلك؟

إنها حكومة الموظفين لدى النظام. لندقق جيدا بملامح وجوهها. ماذا لدى حسان دياب ليفعله، وماذا لدى وزيرة إعلامه منال عبد الصمد لتذيعه؟ أي إصلاح يتحدثون عنه؟

الحظة لا تحتمل غير مشهد واحد، وهو أن يطيح اللبنانيون بالسلطة وبأهلها. حتى الآن لا يبدو أن ذلك ممكنا، لكن علينا أن ننتظر، ولن يطول الانتظار، فللجوع حسابات أخرى

ولكن لنضع هذا العجز الجوهري جانبا، ولنتحدث عن الإصلاح بعيدا من هذا العجز الجوهري. جبران باسيل أتى بمستشاره ليكمل المهمة في وزارة الطاقة، ونبيه بري استبدل على حسن خليل بغازي وزني في وزارة المال، وسليمان فرنجية واصل نفوذه في وزارة الأشغال. هذه عينة عن المغانم التي استأنف رجال السلطة السطو عليها عبر حكومة الموظفين هذه. والإصلاح المنوي مباشرته سيتولاه هؤلاء أنفسهم، مضافا إليهم جميل السيد الذي بدأت بصماته تظهر على المنحى الأمني الذي باشرته الحكومة.

الحل إذا هو بمزيد من الضغط على الناس وعلى الصحافة وعلى الناشطين. لكن هل سيسعف هذا الحل السلطة، وهل سيؤخر انهيارها. فالاستدعاءات إلى التحقيق تضاعفت، والقوى الأمنية تحولت إلى أداة بيد رجال الفساد ومصارف الفساد، هذا في وقت بدأ الجوع يقترب من المنازل، وبدأت ملامح اشتباك تلوح في الشارع!

لن تنجح المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. ليس لدى حكومة جميل السيد شيئا لتقدمه للعالم، ولن يقبل "حزب الله" بأن تخنقه شروط الصندوق. الوقت ليس ملائما لأكثر الحكومات إقناعا، فما بالك بحكومة الموظفين. الأفق مقفل أمام الدولة وأمام الناس. اللحظة لا تحتمل غير مشهد واحد، وهو أن يطيح اللبنانيون بالسلطة وبأهلها. حتى الآن لا يبدو أن ذلك ممكنا، لكن علينا أن ننتظر، ولن يطول الانتظار، فللجوع حسابات أخرى.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.