People exchange Lebanese pound and US dollar notes on the black market in Lebanon's capital Beirut on June 18, 2020. (Photo by…
في ظل نقص كبير بالدولار الأميركي في السوق اللبنانية، تعززت السوق السوداء بشكل كبير

يمثل "قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا" والذي أصبح قيد التنفيذ في السابع عشر من الشهر الجاري نقطة مفصلية في التاريخ الطويل للعقوبات الأميركية ضد النظام السوري والذي تعود بداياته لعام 1979 حين صنّفت واشنطن سوريا كدولة داعمة وراعية للإرهاب. 

وعلى مدى أكثر من 40 سنة تأرجحت العلاقات بين واشنطن ودمشق بين قطبي الصدام العسكري المباشر وغير المباشر وبين التعاون الدبلوماسي في سياق المفاوضات مع إسرائيل. وبين هذين القطبين استمر التنافس بين البلدين للتأثير على مستقبل لبنان والأردن والعراق والفلسطينيين. 

الضغوط والعقوبات الأميركية ضد سوريا، مثل "قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية" الذي وقعه الرئيس جورج بوش الابن في 2004، ساهم في إخراج القوات السورية من لبنان. وفي الوقت ذاته فتحت سوريا حدودها الصحراوية مع العراق لعبور الجهاديين والمتطرفين الإسلاميين لمحاربة القوات الأميركية في العراق.

سياسة الرئيس باراك أوباما الأولية تجاه سوريا كانت إيجابية. أوباما كان يريد العمل في ولايته الاولى على تحقيق سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، ولذلك عين المبعوث جورج ميتشل للقيام بهذه المهمة في اليوم الثاني بعد وصوله إلى البيت الأبيض. جورج ميتشل عين الدبلوماسي، المتقاعد آنذاك فريدريك هوف للسعي إلى إحياء المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية والاستفادة من جهود الوساطة التي كان يقوم بها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بين رئيس وزراء إسرائيل آنذاك إيهود أولمرت ورئيس النظام السوري بشار الأسد، والتي حققت، باعتراف الأطراف المعنية تقدما ملموسا. 

انهيار الليرة السورية مرتبط بانهيار الليرة اللبنانية، كما أن أزمة المصارف اللبنانية والقيود المفروضة على سحب الودائع بالدولار، أضر بالاقتصاد السوري

أذكر أن السفير فريد هوف أطلعني على مضمون التقدم الذي أحرزه الفريق الدبلوماسي التركي حول بعض النقاط الجوهرية التي كانت عالقة بين السوريين والإسرائيليين، وأذكر أنه أثنى على مهنية الوسطاء الأتراك. وأخبرني السفير هوف أنه حين ناقش مع بشار الأسد توقيت بدء الوساطة الأميركية (انطلاقا من تسليم الجميع بأن الحل النهائي وما يتطلبه من ضمانات أميركية لن يتم إلا بواسطة واشنطن) طلب منه الأسد التريث لإعطاء إردوغان بعض الوقت لتحقيق تقدم إضافي، على أن يتبع ذلك ترحيب أميركي وإسرائيلي وسوري بالدور التركي التاريخي، قبل تسليم واشنطن مسؤولية قطع الشوط الاخير من المفاوضات باتجاه اتفاقية السلام. 

كل هذا تغير في مارس 2011 حين اندلعت الانتفاضة السورية ضد نظام الأسد. اتسمت سياسة أوباما تجاه سوريا خلال الانتفاضة بالتردد والتخبط وأنصاف الحلول والتناقضات والوعود والالتزامات التي لم تنفذ. وإذا كان هناك موقف ثابت لأوباما تجاه الانتفاضة السورية، فهو الموقف الذي عبر عنه في صيف 2013 حين قال إنه لن يتدخل في "حرب أهلية لأطراف أخرى". 

وفي وجه التصعيد العسكري لنظام الأسد وحلفائه الإيرانيين والروس والذي شمل استخدام جميع الأسلحة في ترسانته من الطائرات الحربية والمدفعية الثقيلة وصواريخ سكود والأسلحة الكيماوية وسياسة التجويع والتركيع، لجأ أوباما إلى محاربة النظام السوري بالعقوبات والقرارات التنفيذية لمعاقبة المسؤولين السوريين. 

ويجب أن نذكر بأن الكونغرس، الذي كان ولا يزال، يضم قيادات معروفة بعدائها للنظام السوري بدأ خلال ولاية اوباما التحضير لإقرار ما عرف لاحقا باسم قانون قيصر، بعد أن مثل المصور العسكري الذي أعطي اسم "قيصر" والذي هرب من سوريا ومعه خمسين ألف صورة لضحايا التعذيب في السجون السورية، أمام لجان الكونغرس. 

صحيح أن قانون قيصر بصيغته النهائية لا يدعو مباشرة إلى الإطاحة بنظام الأسد، ولكنه يضع شروطا صعبة للغاية لإلغاء العقوبات، إذا جرى تنفيذها كلها أو حتى بعضها فإنها ستؤدي إلى سقوط نظام الأسد. وهذا ما أشار إليه بيان الخارجية الأميركية حول القانون "حان الوقت لتنتهي حرب الأسد الوحشية والتي لا طائل لها"، وأضاف البيان أن "نظام الأسد ومن يدعمونه يقفون أمام خيار بسيط اليوم، ألا وهو اتخاذ خطوات لا رجعة فيها باتجاه حل سياسي للصراع السوري يتسق مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 أو مواجهة لوائح جديدة من العقوبات".

أبرز ما في قانون قيصر هو شموليته، ونعم، غموضه المقصود. ولم يكن من الواضح يوم الأربعاء الماضي حين أعلنت الخارجية الأميركية عن فرض العقوبات ضد بشار الأسد وزوجته أسماء وشقيقه ماهر، وشقيقته بشرى ما إذا كان ذلك بموجب قانون قيصر أو بموجب القرارات التنفيذية العديدة التي اتخذت بحق سوريا والمسؤولين السوريين خلال العقدين الماضيين. 

غموض قانون قيصر سوف يدفع بأي شركة تريد العمل في سوريا في أي قطاع إلى أن تفكر مليا، وأن تتحرى مسبقا من أن سيف العقوبات لن يطالها

شمولية قانون قيصر، مماثلة لشمولية العقوبات التي أعاد الرئيس دونالد ترامب فرضها على إيران في 2018 وخاصة ما يسمى Secondary sanctions أي العقوبات التي تفرض على أي طرف خارجي: دولة، أو شركة أو أي كيان أو أفراد يساهمون في الهجمات العسكرية السورية (والإيرانية والروسية) أو مساعدة النظام السوري في قطاع الطاقة (النفط والغاز الطبيعي) أو في الهندسة أو الإعمار والبناء. وهذا يعني عمليا أن سيف العقوبات الأميركية سوف يبقى مسلطا فوق رأس أي طرف يمكن أن يفكر بالمشاركة في أي عملية تهدف إلى إعادة إعمار سوريا أو تمويل هذه العملية حتى في قطاعات لا تمت مباشرة إلى المجهود العسكري، وأن تساهم فيه بشكل غير مباشر مثل البنية التحتية أو الصناعات المحلية، سيبقى مسلطا إلى أن يتحقق الحل السياسي.

وهناك شركات لبنانية، وأخرى في بعض دول الخليج العربية، إضافة إلى شركات تابعة لدول أخرى مثل روسيا والصين، كانت تحضر، في أعقاب بسط النظام لسيطرته على معظم الأراضي السورية في السنتين الماضيتين، للاستفادة من عملية إعادة إعمار سوريا، خاصة وأنه كانت هناك توقعات ـ غير واقعية على الإطلاق ـ بأن إعادة إعمار سوريا باتت وشيكة. 

غموض قانون قيصر سوف يدفع بأي شركة تريد العمل في سوريا في أي قطاع إلى أن تفكر مليا، وأن تتحرى مسبقا من أن سيف العقوبات لن يطالها، ولكن غموض القانون بحد ذاته سوف يقنع جهات خارجية بأن لا تتورط في أعمال في سوريا تجنبا لأي مجازفات أو وجود أكثر من اجتهاد في تفسير القانون. 

المسؤولون الأميركيون لا يقولون مسبقا من سيتعرض لسيف العقوبات الأميركي. كل ما يقولونه هو أن أي جهة خارجية بما فيها تلك العاملة أو التابعة أو المسجلة في أي دولة حليفة وصديقة للولايات المتحدة وتحديدا دول أوروبا والخليج العربي التي تساهم في دعم النظام السوري بشكل مباشر أو غير مباشر عسكريا، أو في القطاعات الأخرى سوف يطالها قانون قيصر.

وضع قانون قيصر حيز التنفيذ تزامن مع أسوأ أزمة اقتصادية ـ مالية تشهدها سوريا منذ بدء الانتفاضة. في الأشهر الماضية فقدت الليرة السورية نصف قيمتها. انهيار الليرة السورية مرتبط بانهيار الليرة اللبنانية، كما أن أزمة المصارف اللبنانية والقيود المفروضة على سحب الودائع بالدولار، أضر بالاقتصاد السوري. السوريون الذين أودعوا أموالهم في مصارف لبنانية يخضعون لشروط هذه المصارف.

اللافت أن النظام السوري، وحلفاءه في لبنان مثل "حزب الله"يدعون منذ فترة وحتى قبل وضع قانون قيصر قيد التنفيذ أن هذا القانون مسؤول عن الأزمة المالية الخانقة في سوريا ولبنان. كما أن ادعاء قوى لبنانية أن قانون قيصر موجه ضد لبنان هو تضليل سافر ولا علاقة له بالواقع. 

إذا أرادت الحكومة اللبنانية أن تبقى خارج مدى قانون قيصر عليها أن تبدأ بضبط حدودها "الفلتانة" مع سوريا

هناك حرب شرسة مستعرة في سوريا منذ حوالي 10 سنوات اقتلعت وهجرت حوالي 11 مليون سوري ودمرت مدن وبلدات بكاملها، وهناك أزمة مالية قديمة في لبنان تعود إلى سياسات مالية متهورة وشبه انتحارية وممارسات مشبوهة بين بعض أقطاب السلطة في لبنان والمصرف المركزي أدت إلى انهيار الليرة اللبنانية وصرف جزء هام من احتياط لبنان من العملة الصعبة وتحديدا الدولار، بما في ذلك تهريب عملة الدولار إلى سوريا. 

الأميركيون يفترضون أن قانون قيصر سوف يرغم أي طرف لبناني يساهم في تهريب النفط (الفيول) إلى سوريا أن يفكر أكثر من مرة بعد أن اقترب منه سيف قيصر. أيضا أي طرف يساهم في تهريب الأسلحة من وإلى سوريا سوف يعرض نفسه للعقوبات. وهذا يعني أنه إذا أرادت الحكومة اللبنانية أن تبقى خارج مدى قانون قيصر عليها أن تبدأ بضبط حدودها "الفلتانة" مع سوريا.

طبعا مصلحة النظام الدموي في دمشق، والحكومة اللبنانية التي يهيمن عليها "حزب الله" وحلفاءه الصغار، تقضي بأن يدّعوا أن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن فسادهم وهدرهم للمال العام. كما تزامن قانون قيصر مع محاولات لبنان للحصول على قروض مشروطة من صندوق النقد الدولي. وإذا لم يتعامل المسؤولون بجدية مع قانون قيصر، لجهة وقف تهريب النفط والدولار إلى سوريا، فإن فرصهم، الضئيلة أصلا، بالاقتراض من صندوق النقد الدولي سوف تتضاءل أكثر. 

ويعتقد أن الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي يشترطها صندوق النقد، من تعويم الليرة إلى تعزيز استقلالية القضاء وإصلاح قطاع الكهرباء بشكل جذري واعتماد الشفافية في المناقصات العمومية ومواجهة استشراء الفساد بشكل مباشر، تعني أن الطبقة السياسية اللبنانية المستفيدة من الوضع الراهن ستواجه معضلة صعبة للغاية لأن تطبيق هذه الإصلاحات سوف يزعزع من سيطرتها. 

وهناك ناحية سياسية أخرى لا يريد المسؤولون اللبنانيون الاعتراف بها، وهي أن "أصدقاء لبنان" في الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج العربية، يتضاءلون مع مرور كل يوم، بسبب إخفاق الحكومات المتعاقبة على السلطة منذ نهاية الحرب الأهلية في معالجة مشاكل لبنان البنيوية وانهيار نوعية الخدمات الحيوية، واستشراء الفساد واحتكار السلطة السياسية من قبل طبقة منغلقة ومفترسة. 

خلاص لبنان لن يكون بالتوجه شرقا، بل بالتوجه داخليا ورفض ربط مستقبل لبنان بمستقبل "حزب الله"، ومحاولة إجراء إصلاحات جدية

وهناك سبب أساسي آخر لاستياء "المجتمع الدولي" من لبنان وهو هيمنة "حزب الله" على القرار السياسي في لبنان وتورطه العسكري في نزاعات المنطقة. وهذا يفسر استياء شخصيات سياسية أميركية في الكونغرس من "حزب الله" وأنصاره في البرلمان اللبناني وخارجه، وهذا الاستياء موجود أيضا في دول أوروبية وخليجية.

اللبنانيون الذين يتوقعون الترياق من مجتمع دولي هو في خضم جائحة كورونا التي جلبت معها أزمة اقتصادية عالمية، يضللون أنفسهم. اللبنانيون الذين يدعون أن لديهم خيار التوجه إلى "الشرق"، أي إلى الصين، أيضا يضللون أنفسهم وربما عليهم مراجعة سجل الصين "الاستثماري" في دول عديدة من سريلانكا وباكستان في الشرق إلى بعض الدول الأفريقية ليطلعوا على كيفية سيطرة الصين على مقدرات ومنشآت وموارد هذه الدول، ما دفع بالعديد من المحللين للكتابة عن "استعمار" صيني حديث أسوأ في بعض نواحيه من الاستعمار التقليدي. 

الصين تغرق الأسواق التي تنشط وتستثمر فيها ببضاعتها ذات النوعية المتدنية، كما ترغم الدول التي تتقاعس عن تسديد ديونها على بيعها مرافقها الأساسية مثل المرافئ وغيرها. النفوذ الاقتصادي الصيني الخانق أصبح قضية خلافية داخلية في دول مختلفة مثل زامبيا وسريلانكا وماليزيا. 

خلاص لبنان لن يكون بالتوجه شرقا، بل بالتوجه داخليا ورفض ربط مستقبل لبنان بمستقبل "حزب الله"، ومحاولة إجراء إصلاحات جدية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وهو تعاون سوف يكون مؤلما في بدايته، ولكنه وجع لا مفر منه. لبنان، بكل بساطة وفظاظة بحاجة إلى عملية جراحية قيصرية إذا كان له أي حظ بولادة جديدة.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.