A demonstrator lies on the ground to block a road after overnight protests against fall in Lebanese pound currency and mounting…
يقطع الطريق وحيدا رفضا لانهيار سعر العملة اللبنانية

في الحقيقة ما دعاني لكتابة هذا المقال المشهد الذي رأيته على شاشة التلفزيون يوم الأحد في 21 يونيو. عندما تجمهر بعض سكان بلدة برجا (شمالي مدينة صيدا) أمام أحد المسابح الخاصة على الشاطئ، مطالبين بتحرير الشاطئ ممن استولوا عليه. نحن نعلم أن معظم الشواطئ اللبنانية، من الشمال إلى الجنوب تحولت إلى مسابح خاصة وانعدمت تقريبا المساحات العامة الصالحة للسباحة. وهذا أحد أوجه الفساد المعروفة تحت اسم "الأملاك البحرية".

كذلك التحركات المماثلة اليومية، كالتي حصلت يوم الخميس في 25 يونيو في عدد من الساحات، منها أمام قصر العدل في بيروت، حيث تحصل تحركات شبه يومية، والمؤتمر الصحفي لمنظمة "إعلاميون بلا حدود" الذي أعلن أن الحريات العامة خط أحمر.

أو التحركات التي تحارب الفساد من أجل حماية البيئة كالتحرك من أجل سد بسري؛ أو ما حصل في طرابلس، وفي مناطق أخرى كالبقاع، عندما تم التعرض لصهاريج تهريب المازوت والنفط والمواد الغذائية، أو من أجل استقلالية القضاء وتوقيع التعيينات القضائية...

مؤخرا ومع استخدام القضاء كذراع ميليشياوية، تحول لبنان إلى دولة بوليسية بامتياز، فانشغل الثوار بالتحركات للإفراج عن معتقلي الرأي والناشطين الذين بلغوا أكثر من مئة شخص، ممن يكتبون تعليقا أو مقالا أو يلقون شتيمة، فيما لا يقبض على أي من المخلين بأمن المواطنين والأملاك العامة والخاصة وهم معروفون بالاسم.

أضيفت إلى هذه التدابير القمعية التي تهدف إلى إخافة الثوار وإسكاتهم ودفعهم إلى اليأس، الملفات الملفقة التي تبدأ بهاشتاغ، من الجيوش الإلكترونية، يتهم البعض بالعمالة على غرار تلفيق قضية زياد عيتاني الشهيرة. تتكرر المسألة الآن مع كندا الخطيب التي اعتقلت أيضا بتهمة "العمالة والاتصال بالعدو" مع تسريبات لمجريات التحقيق. وبالمناسبة هي معارضة شرسة لـ"حزب الله" وسلاحه. أضيف إلى ذلك، الادعاء على السيد علي الأمين، المعارض لسياسة الحزب أيضا. في إشارة إلى أن لا خطوط حمر في هجومهم على من يواجه الحزب.

التغيير المطلوب في لبنان هو تغيير القيادات السياسية وممارساتها ومن أجل تغيير القيم التي أرستها. الأمر الذي نلمس إرهاصاته على الأرض

وفي زمن الانهيار الاقتصادي وانشغال المواطنين بهمومهم اليومية، تصبح هذه التحركات المناهضة للسلطة، والتي يستهين بها البعض، نموذجا عن الأسلوب الممكن اتباعه في زمن جيل الميلينيوم الذي ينفر من القيادات والزعامات. مجموعات صغيرة تتحرك يوميا تعبر عن استمرارية الثورة وعن إرادة التغيير العميقة التي تحركهم، من أجل استعادة الحريات العامة وسيادة الشعب والحقوق المهدورة من أجل المواطنة الكاملة ومحاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة...

باختصار استعادة الدولة من أيدي الطبقة التي تحكم بواسطة آليات الفساد الموزع محاصصات طائفية، بحماية حسن نصرالله ولاءاته الثلاث الشهيرة، تضاف إليها تمارين الاعتداءات المبرمجة من "زعران" الثنائية الشيعية المستخدمة للترهيب والتهديد بالفتنة المذهبية، في محاولة لإرساء السيطرة البوليسية.

بلورت هذه السيرورة منطقان عند الثوار، منطق الفئة الخائفة من وضع السلاح موضع تساؤل وتريد تأجيل طرحه، إضافة إلى من يرفض ذلك من أصله، استنادا إلى احترام شعار "إرادة الأمة" في التحرير. الإرادة التي تسببت بخراب بلدان المشرق في طريقها المسدود إلى القدس. إنها أكثر العبارات التي تسمح لطغاة الارض باتخاذ القرارات من قبل فرد واحد أو مجموعة ضيقة لتسوق الجماهير خلفها.

ومنطق مغاير ممن انطلقوا تحت شعار "كلن يعني كلن" ووجدوا أن العائق الأساسي أمام الإصلاح واستعادة المواطن لوطنه واستعادة سيادة الدولة وتطبيق قرارات الشرعية الدولية لحماية الحدود ومنع التهريب والهدر بحماية الجيش اللبناني، هو "حزب الله" وسلاحه. إن انخراط الحزب في الصراعات في الدول العربية ضرب علاقة لبنان بها وبسائر دول العالم، ما انعكس سلبا على الاقتصاد.

وبانتظار تبلور الاتجاهات التي تعمل المجموعات الثورية المختلفة على تحقيقها، تتكاثر الأسئلة المتناسلة: ما الذي يجري؟ ماذا سيحصل؟ أين الثورة؟ وما هي أهدافها والبرنامج والخطوات والتدابير لإنجاحها؟ ما هي الخطة؟

أسئلة تختصر بسؤال: "ما العمل؟" الشهير.

للأسف نجد أيضا تعليقات من نوع أن مجموعات الواتساب التي يستخدمها الناشطون لتنسيق تحركاتهم، باتت مجرد مجموعات لتبادل الأحاديث، وأن أحدا لا يتحرك، لأن المشاكل الحياتي طغت على كل شيء. أو أن الناس فقدت الأمل بالتغيير. وصولا إلى سؤال: "لماذا وصلت الانتفاضة إلى مرحلة راوح مكانَكْ؟".

لكن خلف هذا النَّفَس المحبَط والانكفائي تقف فكرة أن التغيير يجب أن يحدث فجأة، كما السحر، بمجرد نزول الجماهير إلى الشارع. في ذهن هؤلاء الثورة، هي الثورة ـ الانقلاب التي تسهم بالتغيير المباشر. 

لكن أود هنا التذكير أن ما قد يبدو ثورة في البداية لا يكون سوى انقلاب عسكري في معظم الأحيان، لاستبدال فئة بأخرى. وهذا ما حصل في العديد من دول العالم العربي للأسف، ما أدّى إلى حقبة سادت فيها أنظمة الاستبداد التي تسيطر عليها الأجهزة الأمنية.

إن هذا التصور للثورات عجول وقصير النفس ولا يساعد على التغيير الحقيقي الذي قد لا يطال النظام بحد ذاته. ففي لبنان ليس النظام ما يجب تغييره بل الطبقة التي أدخلت تعديلات جوهرية عليه بالممارسات المخالفة للدستور بواسطة آليتا العنف والتسلط أو غض النظر عن الفساد.

التغيير المطلوب في لبنان هو تغيير القيادات السياسية وممارساتها ومن أجل تغيير القيم التي أرستها. الأمر الذي نلمس إرهاصاته على الأرض.

إنها سيرورة طويلة من التحوّل الاجتماعي الذي سيطال الميدان الثقافي والسلّم القيمي عموما. عندما يتحقق ذلك نقول حينها إن الثورة حققت هدفها.

بالنضال المستمر سوف تصل الثورة إلى غاياتها

من أجل التوصل إلى ذلك مطلوب التحلي بالنفس الطويل وباستمرارية جميع التحركات بشكل متواصل. تلك التي تعمل على المطالب المتفرقة وشديدة التنوع على الأرض، وتلك التي تجهد لتجميع الثوار في عدد محدّد من الكيانات التي تتوافق على أهداف سياسية تتبناها. وسواء رفعت شعار السيادة أولا وحصر استخدام العنف والدفاع عن الحدود بالجيش اللبناني، إضافة إلى الحياد الايجابي؛ أو تلك التي تكتفي بالمطالب المعيشية والاقتصادية.

في جميع الأحوال أجد أن ما يقوم به الثوار تمرين على الممارسة الديمقراطية المرجوة والتي يطالب بها البعض وأشار إليها الدستور تحت بند "اللامركزية" الموسعة. إنها مناسبة للانخراط في ممارسة الرقابة على نشاطات البلديات في جميع المناطق والتدريب على المساءلة والمشاركة باتخاذ القرارات.

إنه تمرين على "فن بعثرة السلطة"، على حد تعبير ألكسيس دو توكفيل في بحثه عن جوهر نجاح نظام الحكم الأميركي الديمقراطي. لأن ذلك يستقطب اهتمام العدد الأكبر من الناس بالشأن العام. الأمر الذي يساهم بتمرين النشطاء على المهام المتنوعة كي يمثلون الجماعة القوية التي ينشطون باسمها.

تنتج عن ممارسة الواجبات البلدية، كواجب وحق، تجسيد فكرة حب الوطن عبر الممارسات اليومية في أداء الواجب والمطالبة باستعادة الحقوق المستلبة، سواء كانت مستشفى أو مدرسة أو حرية. فينشط المجتمع ككل ويتغير في نفس الوقت. يصبح للوطن معالم وسمات بارزة واضحة للعيان وملموسة. بالنضال المستمر سوف تصل الثورة إلى غاياتها.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.