Lebanese Parliament Speaker Nabih Berri, speaks during a news conference, in Beirut, Lebanon, Thursday, Oct. 1, 2020. Berri…
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري معلنا عن اتفاق الإطار مع إسرائيل حول ترسيم الحدود

خلال أقل من أسبوعين، يتوجه وفد حكومي وعسكري ونيابي لبناني إلى الناقورة ليجلس على طاولة الأمم المتحدة مع الوفد الإسرائيلي والوسيط الأميركي للتفاوض حول ملف الحدود البحرية.

المفاوضات الرباعية ستتم إما في 12 أو 14 أكتوبر كما قال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر، وهي تلحق اتفاق الإطار الإسرائيلي - اللبناني الموقع برعاية أميركية والذي تم الإعلان عنه يوم الخميس.

اتفاق الإطار ليس اتفاقا، هو خطوة أولى باتجاه الوصول إلى اتفاق يتم من خلاله ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط وفي المربعات 8 و9 و10 المتنازع عليها بين الجانبين؛ تجدر الإشارة أن رئيس مجلس النواب الأميركي ذكر أن المفاوضات ستطال "ترسيم الحدود البحرية والبرية في جنوب لبنان"، في تناقض مع ما ذكره شنكر.

سياسيا، المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، ولو أنها محصورة بالحدود البحرية، عرابيها هما رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري والرئيس اللبناني ميشال عون أي حليفي "حزب الله"، وهي ما كانت لتتم من دون موافقته. المبررات والأهداف الأبرز منها هي:

رأي الشارع لا يهم السلطة في لبنان، والجلوس مع إسرائيل هو أسهل أمام هؤلاء من القيام بإصلاحات تطال مع جذور الفساد السياسي في لبنان

1 - تخفيف الضغط الاقتصادي ووطأة العقوبات: المفاوضات التي استعجل الجانب الأميركي بالإعلان عنها وشكر بري، هي لإيجاد منفس للضغوط الاقتصادية على لبنان وتخفيف وطأة العقوبات التي طالت حلفاء بري وتقترب من دائرة الرئيس عون.

إهداء أميركا والرئيس دونالد ترامب تحديدا ورقة الجلوس مع إسرائيل جاء بعد تفجير المرفأ وفي اتصال هاتفي بين عون وترامب في منتصف أغسطس. النخبة الحاكمة في لبنان ومن يرعى مصالحها في واشنطن تدرك أهمية الملف الإسرائيلي بالنسبة لترامب وتحركت في هذا الاتجاه لاستمالة الإدارة والكونغرس.

2 - شراء الوقت حتى الانتخابات الأميركية في 3 نوفمبر: المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية لا يمكن أن تتم من دون موافقة من "حزب الله" وأميركا تدرك ذلك. هذه الموافقة هي تكتيك من الحزب لشراء الوقت لحين الانتخابات الأميركية في 3 نوفمبر. إعادة انتخاب ترامب، تعني الاستمرار بالمفاوضات فيما قدوم إدارة جديدة تعني رفع السقف والمطالب اللبنانية واستخدام الحدود البحرية لتحسين الشروط مع الإدارة المقبلة.

3 - التحضير لعقود الغاز والنفط: هذه المفاوضات تعني جزئيا أن عون وبري اتفقا مرحليا على تجميد خلافاتهما وصوغ حلول لتقاسم حصص الغاز والنفط في حال تم استخراجها. هذا ينعكس من خلال موافقة كليهما على الدخول بالمفاوضات وتقرير أسماء الوفد المشارك في اجتماع أكتوبر.

ورقة المفاوضات مع إسرائيل هي مناورة دبلوماسية بامتياز من "حزب الله" وحلفائه لشراء الوقت ومغازلة الجانب الأميركي

4 - حماية النخبة الحاكمة في لبنان: المفاوضات والترحيب الأميركي وضمنيا الدولي يعني أيضا أن الانتقادات للسلطة الفاسدة والمفلسة ستستبدلها اليوم بيانات وخطوات للمضي باتفاق دبلوماسي. رأي الشارع لا يهم السلطة، والجلوس مع إسرائيل هو أسهل أمام هؤلاء من القيام بإصلاحات تطال مع جذور الفساد السياسي في لبنان.

5 - استمالة الكونغرس: المفاوضات تصاحبها حملة مركزة لاستمالة أعضاء الكونغرس بينهم السناتور جين شاهين لمنح لبنان إعفاءات من قانون قيصر تتيح له استيراد الكهرباء من النظام السوري. الخارجية الأميركية تدرس هذه الإعفاءات منذ فترة وعلى الأرجح ستعارضها، لكن تبدل في موقف الكونغرس قد يعطي الإدارة بعض الليونة.

ورقة المفاوضات مع إسرائيل هي مناورة دبلوماسية بامتياز من "حزب الله" وحلفائه لشراء الوقت ومغازلة الجانب الأميركي. نجاحها سيتطلب أكثر من اجتماع في الناقورة ويرتبط بما ستحمله الانتخابات الأميركية ومستقبل العقوبات على لبنان والنخبة نفسها التي فتحت نافذة التفاوض مع إسرائيل.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.