Mask-clad pedestrians walk past a mural painting on September 4, 2020, depicting a young Lebanese girl who suffered a face…
جدارية لإحدى جرحى تفجير المرفأ في بيروت
يأتي وقت بين الرماد والورد
ينطفئ فيه كل شيء
يبدأ فيه كل شيء.
أدونيس

في السابع عشر من أكتوبر المقبل سوف يحيي اللبنانيون الذكرى الأولى لأهم انتفاضة شعبية في تاريخهم الحديث. في ذلك اليوم مشى آلاف اللبنانيين المدفوعين بغضب محقون منذ عقود ضد طبقة سياسية ـ مالية مفترسة وفاسدة بالعمق تستخدم لبنان كمزرعة، وتعامل اللبنانيين كعمّال موسميين تلفظهم كلما دعت الضرورة. 

بيروت، التي كانت قبل سنوات الحرب واتفاق الطائف مدينة مفتوحة لدرجة كبيرة أمام مختلف قطاعات الشعب اللبناني، أصبحت بعد اتفاق الطائف، مدينة محتكرة من قبل رجال الأعمال الجدد والسياسيين وأمراء الحرب التقليديين الذين يوفرون لهم الحماية، والذين بنوا فنادق وشقق للأثرياء ومطاعم فاخرة لا يحلم المواطن العادي بدخولها. هذا ما حدث بعد أن دمرت جرافات شركة سوليدير التي كان يملكها رفيق الحريري، الذي جلب إلى بيروت ثقافة الخليج "التنموية": المال يشتري كل شيء وكل إنسان، أحياء كاملة من المدينة القديمة بعد أن دفعت "تعويضات" مهينة ومجحفة لأصحابها، أي بعد أن سرقتها فعليا ورسميا.

وعلى مدى أسابيع وأشهر تحولت شوارع وساحات بيروت وغيرها من المدن والبلدات اللبنانية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن البقاع إلى الساحل، إلى منتديات سياسية وتثقيفية وتنويرية نوقشت فيها كل القضايا المصيرية وحتى "المحرمات" و"المقدسات" (غير المقدسة حقيقة) التي كان اللبنانيون يتفادون مناقشتها علنا، مثل فساد جميع القيادات السياسية والدينية في البلاد، بما فيها المؤسسات الأمنية مثل قوى الأمن الداخلي وحتى الجيش اللبناني، الذي كان يتمتع بهالة شعبية غير مبررة وغير مستحقة لزمن طويل. 

انتفاضة أكتور 2019 كبت ومنيت بنكسة، ولكن هذا لا يعني أن "الروح" التي خلقتها قد قضي عليها

وللمرة الأولى في تاريخ التظاهرات الاجتجاجية في لبنان احتل الشوارع والساحات العامة متظاهرون من مختلف الطبقات الاجتماعية، من عمال وموظفين ينتمون إلى الطبقات الدنيا والوسطى، من الرجال والنساء والطلاب والشابات والشباب ومن مختلف المناطق الجغرافية. هذا لم يحدث خلال التظاهرات السابقة التي ساهمت في إخراج الجيش السوري من لبنان، أو التظاهرات التي اندلعت احتجاجا على جبال القمامة التي خلقتها الطبقة السياسية وسممت من خلالها البيئة والشعب اللبناني.

الانتفاضة التي كانت غير منظمة ودون قيادة سياسية بالمعنى المتعارف عليه، رفعت ربما أجمل وأفضل شعار رفع خلال الانتفاضات التي اجتاحت أكثر من دولة عربية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين: "كلن يعني كلن". هذا الشعار أصبح بمكانة شعار "إرحل" الذي رفعه المنتفضون في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن، ضد حكامهم الطغاة أو أول بيت من قصيدة/أيقونة الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي:

إذا الشّعبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ        فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ.

الكثير من المتظاهرين طالبوا بإسقاط النظام السياسي اللبناني الرأسمالي الجشع برمته، وتحدثوا عن ضرورة تحويل الانتفاضة العفوية إلى "ثورة" حقيقية.

قليلون من المتظاهرين آنذاك أو المحللين الذي كتبوا عن الانتفاضة وأهميتها توقعوا أن ينهار فيه لبنان إلى الدرك أو اليأس الذي وصل إليه مع اقتراب الذكرى السنوية لانتفاضة كان أبرز سماتها الأمل الكبير بإحداث تغيير جذري في الحياة السياسية في لبنان. في الأشهر الأولى من السنة الجارية، تعثرت الانتفاضة لأسباب عديدة، واستعاد أقطاب النظام الفاسد المبادرة، واختبأوا خلف حكومة جديدة، ولكن عقيمة وبائسة، مثلها مثل الحكومات التي سبقتها، وكيف يمكن أن تكون مختلفة إذا كانت وليدة ما يسمى بـ "حزب الله" وما يسمى بـ "التيار الوطني الحر".

الدولة اللبنانية التي تستضعف نفسها أمام "حزب الله" وسلاحه، انقضّت على الانتفاضة بواسطة قوات الأمن الداخلي والجيش، الذي أثبت مرة أخرى أنه حارس النظام وليس حارسا لسيادة لبنان البرية والمائية والجوية. ووقف "حزب الله" بشكل أساسي، ومعه أحزاب أخرى وراء هذا القمع، وساهم فيه بطرق مختلفة. ثم جاءت جائحة كورونا لتفرض واقعا جديدا على جميع اللبنانيين وأرغمتهم على تغيير أو تعديل أولوياتهم على الأقل في المستقبل المنظور. 

الانتقادات التي وجهها المنتفضون منذ أكتوبر الماضي ضد القطاع المصرفي، كانت في محلها، لا بل جاءت في الصميم

ولكن، كان هناك أسباب أخرى منعت الانتفاضة من التطور إلى حركة سياسية منظمة يمكن أن تواصل النضال في المستقبل. المنتفضون لم يطوروا أو يطرحوا تصورا سياسيا يمكن أن يعملوا من خلاله لإحداث التغيير، إذا كنا نتحدث عن تغيير سياسي سلمي، وأي طروحات عنيفة سوف تكون خطيرة ومتهورة وتؤدي إلى نتائج عكسية.

وعلى سبيل المثال، كان يجب منذ بداية الانتفاضة المطالبة بانتخابات برلمانية جديدة وفق قانون انتخابي جديد تمثيلي حقيقي يفتح المجال أمام مرشحين من خارج الطبقة الحاكمة، تصاحبه تعبئة ميدانية لتنظيم اللوائح وجمع التبرعات المالية، وتنظيم الحلقات التدريبية وتنظيم جيش من المتطوعين للتحضير لانتخابات مختلفة، إذا استمرت الضغوط الشعبية وأدت إلى إرغام عدد كبير نسبيا من النواب على الاستقالة. طبعا، سوف يبقى سيف "حزب الله" معلقا فوق رؤوس كل من يسعون إلى تغيير حقيقي في لبنان باتجاه بناء الدولة المدنية. وفي غياب بروز تمرد داخل الطائفة الشيعية ضد الحزب وطغيانه السياسي والطائفي، سوف تبقى طروحات التغيير مؤجلة أو معلقة. وأي استئناف للتظاهرات الاحتجاجية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار هذه الحقائق.

الانتقادات التي وجهها المنتفضون منذ أكتوبر الماضي ضد القطاع المصرفي، كانت في محلها، لا بل جاءت في الصميم. فقد أكدت الأشهر الماضية عمق العلاقة العضوية التآمرية بين الطبقة السياسية الفاسدة والقطاع المصرفي الفاسد. وما يجري في لبنان منذ أشهر حتى الآن يشبه فيلما خياليا حول معاناة شعب يتعرض للنهب فعليا من عصابة سياسية ـ مصرفية أخذت إيداعات اللبنانيين رهينة، بعد أن خفضت قيمة العملة الوطنية بنسبة تزيد عن الثلثين، وبعد أن جمدت إيداعاتهم بالعملة الصعبة. 

فإذا كان لديك حساب هام بالدولارات، وتريد أن يلتحق ابنك أو ابنتك بجامعة أوروبية أو أميركية، عليك أن تؤجل هذه الخطط أو الأحلام، لأن مصرفك قد قرر احتجاز عائداتك لأنه بحاجة إلى الدولار. طبعا انت، كمواطن لبناني يجب أن تفهم حجة البنك المركزي الذي يقول إن البلاد بحاجة إلى الدولار لكي تشتري احتياجاتها الأساسية من دول العالم وأن تدفع ثمنها بالدولار لأن لبنان، كما تعلم أيها المواطن المطلع على إنجازات وطنك، لا يصنع أي شيء عمليا على أرضه. وهذا جزء من الأكاذيب الوطنية التي يرددها اللبنانيون منذ استقلالهم، حول "المعجزة" الاقتصادية اللبنانية.

وإذا لم يكن إفلاس الدولة اللبنانية المالي والسياسي الذي فاق تصور حتى أكثر اللبنانيين سوداوية، كافيا وإذا لم تكن جائحة كورونا قاسية بما فيه الكفاية، جاء انفجار مرفأ بيروت الرهيب في الرابع من أغسطس ليكشف عري الدولة اللبنانية، وكذبة لبنان الحضاري، ولكي يضع اللبنانيين بشكل صارخ أمام حقيقة أن الجسم السياسي في لبنان مصاب بسرطان في الدماغ من الدرجة الرابعة، ولا يمكن علاجه بالوسائل التقليدية.

قبل أيام نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالا رائعا شاملا وموثقا بالصور والإحصاءات والاعترافات والمعلومات رسمت فيه صورة قاتمة لمرفأ بيروت هي في الواقع صورة للبنان ككل. كل ما في المرفأ، كما في لبنان، ينضح بالفساد والتضليل والسرقات والتزوير والاحتيال. المقال يصف لبنان بأنه "مغارة علي بابا" التي يخبيء فيها اللصوص ما يسرقونه. كل القوى السياسية في البلاد تتقاسم عائدات ورسوم الصادرات والواردات. كل القوى السياسية وفي طليعتها "حزب الله" و"حركة أمل" اللذين يحصلان على حصة الأسد من النهب. ولكن تيار المستقبل له وجود على الأرض وكذلك الحزب التقدمي الاشتراكي وحزب القوات اللبنانية، ولكن ليس بحضور أو نفوذ الحزبين الشيعيين. وتقدر الصحيفة قيمة السرقات من مرفأ بيروت بمليار ونصف مليار دولار في السنة. وتوثق الصحيفة المرات العديدة التي تم فيها تحذير السلطات اللبنانية القضائية والسياسية والعسكرية ـ نعم الجيش ـ بوجود كمية هائلة من أمونيوم نايتريت مع مواد متفجرة أخرى في مستودع واحد يمكن أن تدمر العاصمة. وعلى مدى أكثر من 6 سنوات لم تتحرك أجهزة ومؤسسات الدولة لتفادي الكارثة.

إنها سنة الخراب الكبير في لبنان، والذي نأمل أن يكون الخراب الذي يلحقه عودة الماء والعشب والورد والحياة، أو ذلك الوقت السحري الذي وصفه أدونيس: وقت بين الرماد والورد

وللتدليل على عزلة لبنان الدولية، فرضت الولايات المتحدة قبل أيام عقوبات ضد الوزيرين اللبنانيين السابقين، علي حسن خليل، ويوسف فنيانوس، لتعاونهما مع "حزب الله" ولضلوعهما في عمليات فساد. هذه الخطوة تعتبر تصعيدا نوعيا في المواجهة بين واشنطن و"حزب الله"، لأنها المرة الأولى التي تستهدف العقوبات الأميركية وزيرين سابقين ينتميان إلى تنظيمين من أبرز حلفاء "حزب الله" في لبنان.

هذه العقوبات التي يتم التحضير لها منذ أشهر، تم الإعلان عنها بعد بضعة أسابيع من انفجار مرفأ بيروت الذي زاد من سخط اللبنانيين ضد الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، واستياء الدول الأوروبية والولايات المتحدة منها ورفض التعاون الاقتصادي معها في غياب إصلاحات جدية تشمل مختلف القطاعات في لبنان. ونظرا لهيمنة "حزب الله" على الحياة السياسية اللبنانية، يمكن فهم تصعيد الضغوط الأميركية على الحزب مباشرة وضد حلفائه، وحض الأوروبيين على اتخاذ إجراءات مماثلة.

انتفاضة أكتور 2019 كبت ومنيت بنكسة، ولكن هذا لا يعني أن "الروح" التي خلقتها قد قضي عليها. الحركات التغييرية وحتى الثورات عبر التاريخ  تمر أحيانا بأكثر من مرحلة قبل أن تحقق التغيير المطلوب، بعد تعثرات وكبوات وإخفاقات أولية، كان يتعلم منها صنّاع التغيير في وقت لاحق. 

إنها سنة الخراب الكبير في لبنان، والذي نأمل أن يكون الخراب الذي يلحقه عودة الماء والعشب والورد والحياة، أو ذلك الوقت السحري الذي وصفه أدونيس: وقت بين الرماد والورد.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.