A Lebanese man displays the content of his refrigerator at his apartment in the southern city of Sidon on June 18, 2020. -…
لبناني يقف أمام ثلاجته الفارغة في منزله في مدينة صيدا في جنوب لبنان

مع تراكم الطروحات التي تنقل السجال والاهتمام من صلب الموضوع إلى هامشه، ثم من الهامش إلى صفحة جديدة وموضوع جديد، وهوامش جديدة تختلط معها الأوراق والتشخيصات والحلول المقترحة، تتجدد الحاجة إلى إعادة التذكير بأصول المعضلة الحالية التي يعيشها لبنان.

يمكن للبنان، على أبواب مئويته، أن يشخّص جذور الأزمة التي يعاني منها في المواجهة القائمة منذ إعلان قيامه بين المسعى إلى بناء الدولة الحديثة التي تستجيب لطموحات المواطنين وتراعي مصالحهم، وبين تمسّك الزعامات الإقطاعية، السابقة للصيغة الحداثية المطروحة والمشاركة حكما بالطبقة السياسية المتشكلة، بمواقعها وامتيازاتها، وتمكنها من تعزيز علاقتها العمودية بقواعدها من خلال تجيير "حصتها" من الموارد العامة. أي أن المعارضة الناقضة للصيغة الحداثية كانت، ولا تزال، متوطدة ضمن بنية الدولة الحديثة نفسها، ما يتيح لها التصدي لأي توجه صادق في حداثيته، يدفع باتجاه تجسيد الترابط "الأفقي" ضمن المجتمع اللبناني السائر إلى التكوّن من خلال إبراز جدوى البديل الجامع للتقوقعات الفئوية.

يمكن استقرائيا القول بأن حركية التاريخ اللبناني على مدى القرن الماضي كانت التشكل التلقائي لتوجهات جامعة، والسعي الدؤوب للإقطاعية الجديدة إلى تنفسيها وإفشالها، من خلال الترغيب بالفساد والترهيب بالطائفية.

أزمة لبنان هي أن التوافق بين "المقاومة" والإقطاعية المتنكرة قد نفذت صلاحيته مع نضوب ما كان قائما عليه من إمكانيات نهب

على أن هذه المواجهات ما كانت لتنتهي بفوز الإقطاعية الجديدة، رغم عدم نضوج المجتمع اللبناني إلى درجة إنتاج قيادات بديلة تعبّر عن المصلحة الجامعة، لولا تأثير عوامل خارجية عاد إليها البعض ضمن الطبقة الحاكمة في تناطحهم وتناحرهم من البعض الآخر. ودخول هذه العوامل إلى المعادلة اللبنانية كان مزيجا متعيرا من التطفّل القسري والاستعانة الطوعية. وعلى مدى نصف القرن الماضي، في المواجهة الهشة الداخلية بين إقطاعيته الجديدة الممسكة بمؤسسات الدولة، وتحولاته الاجتماعية الاقتصادية الثقافية المحبذة لتطوير صيغته السياسية، كان على لبنان تحمّل أعباء المدّ القومي العربي، والقضية الفلسطينية، والحرب الباردة، وصولا إلى التمدد الإيراني.

الانهيار الحاصل والمرتقب، والذي يعيشه لبنان اليوم، بما يشكله من خطر وجودي لا على لبنان الدولة وحسب، بل على حياة اللبنانيين بلقمة عيشهم وأمنهم، لا يعود بأصوله إلى "المقاومة"، بل هو وليد هذا الصراع المئوي بين الدولة الحديثة العتيدة، والتي لم تتحقق، وبين الإقطاعية الجديدة التي اخترقتها وزعمت أنها هي.

غير أن الفصل الأخير، الحالي والأكثر إيلاما، من إجهاض الإقطاعية للدولة الحديثة ما كان ممكنا لولا "المقاومة"، بما تشكله من تجسيد لمصلحة خارجية، إيرانية، وبما توليه من عدم اكتراث فعلي بالاعتبارات الوطنية، وإن تمكنت بسطوتها من السيطرة على الخطاب العام لتخوين من يتوجه إليها بأي نقد.

ودور "المقاومة" إزاء الاعتبارات الوطنية والدولة الحديثة ليس مجرد لامبالاة. بل إن الطبيعة الذاتية للمقاومة ككيان طائفي، مع مفارقة اعتناق الطائفية بكمالها، فصلا ولونا وتسمية وبنية، مع إظهار الامتعاض منها، هي بحد ذاتها تغليب للإقطاعية الجديدة، والتي على الغالب ما تتعامل مع الطائفية بدرجات من التورية والحذر.

همّ "المقاومة" كان ولا يزال المحافظة على السلاح والبقاء كموقع متقدم لإيران عند حدود إسرائيل

والواقع الذي يتهرّب منه من يغلّب الحاجة المفترضة إلى السلاح في لبنان وعلى مستوى المنطقة، هي أن تطبيع وجود "المقاومة" في لبنان هو نقض صريح لمقولة الدولة العلمانية المدنية الجامعة.

بل أن وجود "المقاومة" كقوة قاهرة غير خاضعة للمساءلة وذات إمكانيات وموارد خاصة خارج الإطار الوطني، هو بحد ذاته دحض لفكرة الدولة، حديثة كانت أو سابقة للحداثة. ورغم النجاح الواضح للمقاومة باستقطاب جزء كبير من الجمهور اللبناني، سواء عبر الترابط المصلحي أو التماهي المعنوي، فإن الصيغة التي أرستها المقاومة في لبنان تنفي الاستقلال عن الوطن، وتتجاوز حق المواطن بالسيادة على دولته.

غير أن "المقاومة" لم تكتفِ بأن تكون نموذجا مضادا لقيام الدولة الحديثة في لبنان، بل، سعيا لتجنب مواجهات مرتفعة الكلفة منخفضة العوائد، وللتمويه حول طبيعة السلطة والمجتمع في لبنان والذي من شأنه درء ما قد يواجهها من مخاطر وتحقيق مكاسب وإن آنية، دخلت بتحالف علني مع الإقطاعية الجديدة، بمختلف فرقها، متيحة المجال أمامها للإمعان بالنهب الممنهج على أصول اللبنانيين الحالية والمستقبلية.

ولكن المعادلات التي التزمتها "المقاومة" في مراحل سابقة، من "لكم النهب، ولنا السلاح"، وصولا إلى "لكم النهب، ولنا السلاح وشراكة في النهب"، لم تعد مجدية، مع انتهاب كل ما يمكن وضع اليد عليه، ومع فشل الناهبين، مقاومين وغير مقاومين، في إقناع الدول العربية والغربية بفائدة الاستمرار بتمويل الصيغة الاستنزافية صونا لاستقرار مزعوم.

أزمة لبنان ليست بأن حكومة الولايات المتحدة تلتزم قانونا اقتصاصيا من نظام القتل في دمشق، وهو الحد الأدنى الذي من شأنها أن تلتزم به بعد أن تخلفت عن دور إقدامي في سوريا كان بوسعه من الحد من المآسي. وليست أن هذا القانون يفرض قيودا على العلاقة الخفية مع نظام دمشق والتي تتيح للمنتفعين في لبنان المزيد من الاستنزاف للمقدرات المتلاشية لهذا الوطن المستباح. أزمة لبنان ليست بأن المؤسسات في واشنطن تعيد النظر بما تقدمه من عون ومساعدة للبنان، وفق قراءات ترى في هذا الدعم إضرارا بالمصالح الأميركية.

أزمة لبنان هي أن التوافق بين "المقاومة" والإقطاعية المتنكرة قد نفذت صلاحيته مع نضوب ما كان قائما عليه من إمكانيات نهب.

همّ "المقاومة" كان ولا يزال المحافظة على السلاح والبقاء كموقع متقدم لإيران عند حدود إسرائيل. مسيّرات أو طائرات إسرائيلية تحلّق في سماء لبنان؟ هذا دليل على حاجة لبنان للمقاومة لردع العدو الغاشم وثنيه عن تحقيق مطامعه. لا مسيّرات أو طائرات إسرائيلية تحلق في سماء لبنان؟ هذا دليل على نجاح المقاومة بتحقيق توازن الرعب مع هذا العدو المتخبط المهزوم، هذه ثمار النصر الإلهي عام 2006.

في لبنان دولة تحتضر، ومجتمع يتألم. وفيه مقاومة لا تعبأ إلا بأن تستمر ضمن منظومة تخدم إيران على حساب لبنان

فيما لبنان يكاد أن يلفظ الرمق الأخير، بسلاح يدهس رقبته، يبدو العدو المهزوم، لمن شاء أن يلتفت إلى أوضاعه، متوسعا في تطوير علومه وصناعاته ليصل إلى الصف الأول عالميا في الإنجاز والإبداع، وفي تعزيز بناه ومؤسساته، وفي توطيد حضوره وسمعته.

على أنه ثمة عزاء ربما. فهذا العدو، ومعه قوى الاستكبار تتابع بقلق كلمات الأمين العام المتدفقة. فلا بأس أن يكون الوطن قد بلغ الحضيض والعدو ينعم بالأوج طالما أن كلام سماحة السيد يؤرقهم. ولكنه لا يؤرقهم. هل المقاطع المرئية الغنية بإحداثيات المواقع الإسرائيلية التي "سوف" تستهدفها المقاومة، وما تتضمنه هذه المقاطع من ترجمات عبرية لتهديد عالي النبرة موجهة للعدو؟ أم هل المعني بها هو جمهور المقاومة لإقناعه بوهم زائف أنه ثمة جدوى من تضحياته؟

في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة، هدد الأمين العام لـ"حزب الله" من يخيّر لبنان بين الجوع والموت بالقتل. كلام حسن نصر الله هذا جاء في إطار خطاب يشكل بالفعل انتقالا نوعيا من مجرد الإرشاد، من موقع جانبي، إلى لغة الأمر والنهي بحق لبنان كمجتمع ودولة. ربما هو إقرار بانتهاء التوافق بين "المقاومة" والإقطاعية، ولكنه على أي حال تمزيق للغشاء المتبقي الذي يراد منه الإيهام بأنه في لبنان دولة.

في لبنان دولة تحتضر، ومجتمع يتألم. وفيه "مقاومة" لا تعبأ إلا بأن تستمر ضمن منظومة تخدم إيران على حساب لبنان. بوسع هذا المجتمع أن يعاود النهوض، وبوسعه أن يصل إلى مبتغاه من الدولة الحديثة. على أن مشكلة لبنان اليوم هي "المقاومة".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.