Members of riot police wearing protective face masks and gloves spray sterile water in the streets and markets, following the…

لا شك أنها تجربة إنسانية لم يسبق للبشرية أن اختبرتها، وهذه الأخيرة لا تملك في مواجهتها إلا العدة نفسها، أي العلم والأديان وأدوات الدول وقوانينها، وهذه كلها لم تسعف حتى الآن المجتمعات التي تفشى فيها الوباء، ومن بينها، لا بل في مقدمها، الأكثر تقدما! 

لكننا وفي غمرة تأملنا بفشل العلم وعجز الأنظمة الحديثة في هذه المعركة، فاتنا فشل أكبر وقعنا فيه نحن أهل مجتمعات الردة، أو بالأحرى فاتنا أننا أيضا خارج هذه المواجهة. نحن في هذه الحرب مجرد مختبئين في المنازل، ومنتظرين انتصار الأغيار على الوباء.

قادتنا غير خجلين من حقيقة أنهم على رأس مجتمعات خارج الحرب التي تخوضها الإنسانية مع هذا الفيروس المستجد. ونحن لطالما كنا في هذا الموقع، أي في موقع الانتظار! وفي لحظات أخرى خرج القادة عن صمتهم، وقال مقتدى الصدر لمريديه إن يتحدوا الفيروس ويتوجهوا لزيارة الأضرحة، فالأئمة يكفلون حمايتهم منه، وكانت الكارثة. الأمر نفسه حدث مع كهنة مسيحيين في لبنان، فكان أن أطعموا المؤمنين خبزا مغمسا بنبيذ وكورونا. لا بأس إذا، فهذه حالنا منذ سنوات طويلة، نحن أهل هذا الشرق، مهد الأديان وموئل حروب هذا الكوكب منذ سنوات وعقود.

العقول التي تحتاجها المواجهة غائبة الآن، والقدرات والإمكانات جرى تبديدها في الحروب وفي الفساد، والكفاءات غائبة ومهاجرة

كورونا مسار آخر، لا تنفع معه أحجيتنا. كائن غير مرئي ويملك قدرات على الانتقال السريع، وعبور الحدود والدول والمدن. كائن يحتاج عقلا كاملا لكي تستقيم المواجهة معه. مقتدى الصدر يمكنه في مواجهة عسكرية أن يدهي بعقول مريديه، وأن يقول لهم إن الأئمة تقاتل معهم. قول كهذا في الحرب مع كورونا ستأتي نتائجه مباشرة وسرعان ما ستكشف ظلال صاحبه. لكن الرجل لا يملك من أدوات هذه الحرب المستجدة شيئا. 

حسن نصرالله كان أكثر عقلا من نظيره العراقي. قال لمريديه اختبئوا. والولي الفقيه في طهران، وبعد أسابيع من المكابرة والتعتيم وإخفاء المعلومات، وجد نفسه يطلب مساعدة من صندوق النقد الدولي، ويخفف الازدحام في السجون، ويقبل مساعدات الأعداء والخصوم. لكن كل ذلك حصل بعد أن وقع الفأس في الرأس، وتفشى الفيروس في جمهوريته.

يمكن للمرء أن يستعرض شريط قصص دولنا مع كورونا، وأن يخلص إلى أننا هذه المرة أمام مأساة مضاعفة. فهل يعقل أن يجيب وزير الصحة السوري عن سؤال حول الوباء في بلده، بأن يقول إن "الجيش العربي السوري انتصر على الفيروس"؟! وأن يتحول التلفزيون الذي يملكه رئيس الجمهورية اللبنانية إلى شاشة لبث الشعوذات ولخوض حرب لإيصال ترابٍ من قبر قديس إلى المستشفى، وفرض هذا التراب على الأطباء بصفته تعويذة شفاء لمرضى كورونا!

الأفضل لنا، وللإنسانية التي تعيش لحظة كفاح مرير ضد هذا الفيروس، أن نكف عن المبادرة. أن نختبئ وننتظر وأن لا ننبس ببنت شفة في هذه المرحلة. أي خطوة أو مبادرة أخرى قد تفضي إلى تفشي الوباء، ذاك أننا لا نملك من أدوات المواجهة سوى أجسامنا، وهذه الأخيرة هي عدة الفيروس ووسيلته للانتقال والانتشار. 

العقول التي تحتاجها المواجهة غائبة الآن، والقدرات والإمكانات جرى تبديدها في الحروب وفي الفساد، والكفاءات غائبة ومهاجرة. وحدهم الأئمة والكهنة في ساحة المواجهة، وهؤلاء لا يصلحون لهذا النوع من الحروب. 

انتظار اللقاح من "دار الحرب" لن يرتب مراجعة لموقعنا في المواجهة التي ستخوضها الإنسانية بعد انقضاء زمن كورونا

صدق نصرالله حين قال لنا اختبأوا، والصدر، وبعد دعوته المؤمنين لاستئناف زيارات الأئمة وما نجم عن ذلك من تضاعف للإصابات، عاد وطلب منهم البقاء في منازلهم. الساحة الآن لغير حجاج الحروب، والأضرحة ليست بلسما للمصابين!

انتظار اللقاح من "دار الحرب" لن يرتب مراجعة لموقعنا في المواجهة التي ستخوضها الإنسانية بعد انقضاء زمن كورونا وانتظار غيره من المآسي الزاحفة إلى هذا الكوكب. النقاشات المنتظرة لن نكون جزءا منها. لا نملك لغة لكي نتناول فيها قضايا من نوع التغير المناخي والاحتباس الحراري والتحولات البيئية، وما ترتبه هذه الحقائق من سياسات ومن انعطافات. ولا يمكن للمرء أن يتوقع موقعنا في عالم انتقل في مرحلة ما بعد كورونا للتفكير في نفسه بصفته مهددا إذا لم يجرِ مراجعاته حيال حقيقة وجوده على هذا الكوكب.

سيكون ذلك مأساويا من دون شك. أكثر مأساوية مما نحن فيه الآن، ذاك أننا لن نتمكن من تورية عجزنا على نحو ما نفعل الآن. فموضوع البشرية سيكون في تلك المرحلة هو شروط بقائها ووجودها على هذا الكوكب، وأن لا تكون لنا مساهمة في هذه القضية، يعني أننا سنواصل بقاءنا على هامش مستقبل هذا الكون، واذا ما قررنا المساهمة، فبما نملك، ونحن لا نملك الآن سوى أضرحة الأئمة وتراب القديسين.

مودة الأدهم
مودة الأدهم إحدى فتيات التيك توك اللواتي جرى اعتقالهن في مصر (المصدر: حساب مودة في انستغرام) | Source: Instagram

كثيرا ما تتدخل المنظمات الدولية للدفاع عن الناشطين والمعارضين السياسيين الذين يتعرضون للاعتقال أو الاضطهاد في بعض دول العالم، ولكن من النادر سماع اعتراض من هذه المنظمات على ما تتعرض له المرأة في الشرق من ظلم في النواحي الاجتماعية، خصوصا إذا كانت الاتهامات الموجّهة لها ذات طبيعة أخلاقية استخدمت فيها عبارات من نوع القيام بأفعال "مخلّة بالآداب العامة" أو تسيء "لقيم المجتمع"، وتأكّد ذلك مؤخرا في غياب أي رد فعل على اعتقال عدة فتيات في مصر لنشرهن على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع قصيرة راقصة أو ساخرة.

فقد تم توجيه اتهامات عديدة لهؤلاء الفتيات تستند على مواد مأخوذة من قوانين مختلفة، أولها القانون 180 لتنظيم الإعلام لعام 2018 والذي ينص "يجب على المواقع عدم نشر أخبار كاذبة أو الدعوة إلى مخالفة القانون أو العنف أو الكراهية أو التمييز بين المواطنين والعنصرية أو يتضمن طعنا في أعراض الأفراد أو سبّا أو قذفا لهم، أو امتهان الأديان السماوية أو العقائد الدينية أو يخالف النظام العام والآداب العامة"، وأوضحت المادة 29 من هذا القانون بأنه لا يجوز توقيع عقوبة سالبة للحرية في تلك القضايا بل تقتصر العقوبة على حجب الموقع، إلا في الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد.

وبما أن هذه المادة لا يترتب عليها سجن الفتيات فقد تم استخدام المادة 25 من قانون تقنية المعلومات 175 لعام 2018 والتي تنص "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة 50 حتى 100 ألف جنيه أو بأحد هاتين العقوبتين من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو أرسل بكثافة رسائل إلكترونية لشخص دون موافقته أو منح بيانات شخصية إلى موقع إلكتروني لترويج سلع دون موافقته، أو نشر أخبارا أو صورا تنتهك خصوصية شخص دون رضاه"، والمقصود في هذه المادة من يقوم باختراق حسابات الآخرين أو سرقة معلوماتهم وخصوصياتهم ونشرها بطريقة تسيء لهم.

كشفت هذه القضايا عن تواطؤ مجتمع كامل في جريمة قدح وذم بحق أولئك الفتيات

ولأن هذه المادة أيضا لا تنطبق على الفتيات الموقوفات فقد تم استخدام عبارات في إتهامهن مثل "التحريض على الفسق والفجور" حتى يصبح بالإمكان شملهن بقانون مكافحة الدعارة لعام 1960 والمقصود به كل من يدعو أو يدفع نحو ممارسة الدعارة، رغم أنه لا يوجد في ممارسات هؤلاء الفتيات شيء من هذا القبيل، كما تم استخدام المادة 178 من قانون العقوبات لعام 1952 التي تتناول استعمال صور مخلة بالآداب العامة.

ما يمكن استنتاجه، أن النيابة العامة المصرية كانت تبحث عن أي نص قانوني تستطيع فيه سجن هؤلاء الفتيات لأنه لا عقوبة إلا بنص، حتى أنها لجأت لاستعمال عبارات بعيدة تماما عن القضية مثل "الإتجار بالبشر"، في مبالغة لفظية تستهدف تبرير الإجراءات المشددة التي اتخذت بحقهن، في إشارة إلى دعوة فتيات للتواصل عبر الإنترنت مع أشخاص آخرين رغم تأكيد المتّهمة المسجّل بصوتها على ضرورة الالتزام بالاعتبارات الأخلاقية.

هذه الطبيعة الكيدية في توجيه الاتهامات لضمان إدخال فتيات في مقتبل العمر إلى السجن لأطول فترة ممكنة، تتناقض مع القضاء في العالم المتحضّر الذي يقول إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ولا يمكن تجاوز معرفة هؤلاء القضاة ما هي انعكاسات ذلك على مستقبل الفتيات، في مجتمعات تعتبر الرجال إذا تعرضوا للسجن أو التوقيف لأي سبب "أصحاب سوابق"، مما يشكل وصمة تلاحقهم طوال حياتهم، فكيف لفتيات صغيرات في بيئات مغلقة يلعب مفهوم السمعة فيها دورا كبيرا.

ورغم أن القضاة يعرفون وضع السجون في مصر وما تتعرض له السجينات هناك، والذي وصفته سلمى أشرف مسؤولة الملف المصري في "هيومن رايتس مونيتور": "أوضاع النساء في السجون المصرية من أسوأ الأوضاع على مستوى العالم فهن يتعرضن للإهمال الطبي والقتل البطيء المتعمد". 

وذكر تقرير أعدته الكاتبة إيمان عوف اعتمادا على شهادات حيّة: "عند التحويل للسجن يبدأ التفتيش الذاتي في المدخل، حيث تقف السجينات عاريات تماما ويطلب منهن الجلوس والوقوف بوضعية القرفصاء ثم تتحسّس السجانات أجسادهن، الأثداء والمهبل والشرج ويحدث ذلك في كثير من الأحيان أمام حراس السجن في غرفة مفتوحة الأبواب والشبابيك وأحيانا تستعين السجانة بالحراس لنزع ملابس السجينة التي ترفض نزع ملابسها".

وقالت المحامية ماهينور المصري "مهما كان ما يحدث مع المعتقلات السياسيات مرعبا فإنه لا يمثّل شيئا بما يحدث مع السجينات بتهم جنائية، حيث يتعرضن لتفتيش مهبلي مهين وفحص كشف عذرية"، هذه هي السجون التي أرسل إليها القضاء المصري طالبة جامعية في التاسعة عشرة من عمرها، رغم أنه لا يوجد ما يمنع قانونيا من محاكمتها طليقة كما يحصل في أغلب دول العالم التي تعتبر نفسها مسؤولة وحريصة على مصلحة أبنائها وبناتها وليست جهة تريد الانتقام منهم بعقلية محاكم تفتيش العصور الوسطى.

ومما يؤكد على وجود هذه الرغبة في الانتقام أن عشرات الشباب والفتيات والسيدات قاموا وقمن بتسجيل ونشر مئات المقاطع على هذه المواقع، لكن اللاتي تمّت إحالتهن للقضاء هن فقط الفتيات الأصغر عمرا أو من لديهن معالم أنوثة واضحة، وكأن المعالم الأنثوية التي خلقها الله ليتناسب جسد المرأة مع الحمل والإنجاب والإرضاع هي تهمة تخدش حياء المجتمع المصري وتشكّل تهديدا لأخلاقه.

ومع أنه في الكثير من هذه المقاطع لم يكن هدف الفتاة أن تبدو جميلة بل أن تقدم شيئا طريفا أو ساخرا حتى لو كان ذلك على حساب شكلها، لأن غايتها جذب أكبر عدد من المشاهدات وزيادة أعداد المتابعين مما قد بعود عليها بمردود مالي، والذي اعتبرته النيابة مؤشرا على وجود أمر غير أخلاقي، رغم أن هناك شبابا ينشرون مقاطع على نفس المواقع ويحققون عائدات مالية دون أن يتم اتهامهم بشيء.

المجتمعات التي تجد دائما مبررات لقمع النساء ووضعهن في السجون لن تعجز عن إيجاد أعذار للقاتل

كشفت هذه القضايا عن تواطؤ مجتمع كامل في جريمة قدح وذم بحق أولئك الفتيات، من رئيس جامعة القاهرة الذي قال بأن الجامعة ستتخذ أقصى عقوبة بحق واحدة منهن بلهجة لا تتماشى مع مسؤول تربوي يعتبر طلابه مثل أبنائه، إلى السلطة القضائية التي يسيطر عليها رجال تدل تصرفاتهم على أن هدفهم الانتقام من المرأة وليس تحقيق العدالة، وسلطة تشريعية ترى أن وظيفتها هي المزاودة الخطابية في القضايا التي تعرض عليها، خصوصا عند لعب دور حماية الفضيلة، وإعلام يعيش أسوأ أيامه ويبحث عن عناوين مشوّقة تجذب المشاهدين حتى لو كان ذلك على حساب الإساءة لسمعة النساء، وسلطة تنفيذية تماشي المزاج الشعبي لأنه ليس لديها الشجاعة الكافية لمواجهة حالة الهيستيريا والهوس بالمرأة التي تعيشها مصر حاليا.

ويكرر جميع هؤلاء لتبرير سلوكهم المتحامل على المتّهمات عبارة: "خصوصية المجتمع المصري"، في اعتراف ضمني بأن هؤلاء الفتيات ما كانوا ليسجنوا من أجل هذه التسجيلات لو كانوا في بلد آخر، لأن هذه الخصوصية تبيح سجن النساء وإهانتهن لأتفه الأسباب، كما تبيح التحرّش بهن في الشوارع ثم وضع اللوم عليهن، كما تسمح بالاعتداء جنسيا على الفتيات اليتيمات والفقيرات ثم تحميلهن مسؤولية هذا الاعتداء.

وكان آخر الأمثلة على خصوصية المجتمع المصري أن يترافق اعتقال الفتيات مع إطلاق سراح من قتل بدم بارد الفنانة سوزان تميم بعفو رئاسي، بعد ثلاث سنوات من إطلاق سراح من كلّفه بهذه الجريمة وأعطاه أموالا لتنفيذها بعفو مماثل، فالمجتمعات التي تجد دائما مبررات لقمع النساء ووضعهن في السجون لن تعجز عن إيجاد أعذار للقاتل.