Libyan experts search for human remains during the exhumation of mass graves in Tarhuna, southeast of the capital Tripoli, on…
الكشف عن مقابر جماعية في عقب انسحاب قوات حفتر من ترهونة

حكم معمر القذافي ليبيا 42 عاما، واستطاع لأكثر من أربعة عقود أن يوظف كل التناقضات والصراعات على المستوى الداخلي والخارجي لخدمة سلطته، وترسيخ حكمه بـ "جماهيريته العظمى"، وصناعة كاريزما لـ "إمبراطور"، لا يمكن نسيانه بدءا من لباسه، مرورا بنوادره، وانتهاء بمقتله.

لم أنظر إلى القذافي يوما طوال حياته إلا باعتباره ديكتاتورا وزعيما مُستبدا، سيطر على بلد غني بموارده، وأبقاه "شبه دولة" تتحكم به ما أسماهم "اللجان الثورية" التي تدين بالولاء المُطلق له، وتتغنى بدستور لم يعرف التاريخ مثله أطلق عليه "الكتاب الأخضر".

كلما جرى الحديث عن الحرب الضروس التي تعيشها ليبيا منذ سقوط نظام القذافي، عشت "المسرحيات" التي كان يُجسدها في مؤتمرات القمة العربية، ولا أنسى حين لبس القفازات حتى لا يصافح الزعماء العرب، وأتذكر حين أصر على أن تُنصب له خيمة في "الساحة الهاشمية" في وسط البلد بعمّان لينام بها بدلا من الفندق الذي كان يستضيف القمة العربية.

قصص وحكايات طريفة لا تغيب عن البال وتصلح أن توثق في كتاب يجمع هذه الطرائف حتى حين خاطب شعبه قبل سقوطه بكلمته المشهورة "من أنتم؟" مُستنكرا خروجهم ضد حكمه.

القادة الليبيون تحولوا إلى "دمى" يُحركون ويُلعب بهم بخيوط من خلف أضواء المسرح

رغم كل المآخذ على حكم القذافي لكن ما يستحق أن يُسأل بعد حين، هل كانت ليبيا ستشهد هذا التمزق والاقتتال، وحروب الوكالة لو كان حيا؟

يطول الشرح لما وقع في ليبيا، وكثير من التفاصيل تستعصي على فهم المتابعين لمن لا يعرف "الفسيفساء" الليبية، وخارطة القبائل المُتحالفة والمتصارعة، ولمن لم يُدقق في شبكة المصالح الإقليمية والدولية، وكلمة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تختصر المشهد، فهو يُحذر من تدهور الوضع الليبي ويؤكد أن الأطراف المتصارعة في سوريا هي نفسها التي تتصارع في ليبيا أيضا.

تبون يُكمل "المد والجزر الموجود في ليبيا لا يجذبنا ولا نتدخل فيه، وخطتنا واضحة لا للحسم العسكري، ويجب اتباع النقاش والحوار لأن الدم الذي يسيل هو دم ليبي وليس دم الجهات التي تتخذ حربا بالوكالة".

بشكل لافت أعاد خطاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تسليط الضوء على تداعيات الصراع في ليبيا حتى أن صحيفة "جيروزليم بوست" الإسرائيلية خرجت بعنوان "هل تحارب مصر تركيا في ليبيا؟".

السيسي يُهدد ويُلوح بشكل مباشر بتدخل عسكري مصري بقوله "إن تدخلا مباشرا من الدولة المصرية بات تتوفر له الشرعية الدولية، وبُني ذلك على حق الدفاع عن النفس الذي تضمنه مواثيق الأمم المتحدة".

ويقدم السيسي أسبابا للتدخل العسكري يعزوها إلى "سيطرة القوى الخارجية الداعمة بقوة للمليشيات والمرتزقة التي لم تسمح بتطبيق وقف إطلاق النار في ليبيا، وانتهكت سيادة ليبيا، ووجهت رسائل عدوانية لدول الجوار".

سواء نفذ الرئيس السيسي تهديداته أم لا، فالمؤكد أن ليبيا لن تشهد استقرارا في القريب، وهو ما يظهره تحليل قدمه معهد بروكينغز ونشره موقع الحرة عن حروب الوكالة والاستنزاف بين الأطراف الأجنبية في ليبيا، مُشيرين إلى أن الصراع لم يعد حكرا على الداخل بوجود العديد من وكلاء الحرب.

"الصفقة الخفية" العنوان الذي اختاره موقع الحرة يكشف النقاب عن أن سنوات من تدفق الأسلحة، وانتشار المرتزقة الخارجيين الداعمين لأطراف تتقاتل في الداخل الليبي، وترسم للبلاد سيناريوهات مُخيفة.

معهد بروكينغز يشرح أن خيبة أمل الجنرال خليفة حفتر لم تكن بسبب خسارته لطرابلس فقط، وإنما جاءت بعد ما تخلى عنه المرتزقة الروس الذين انسحبوا من هناك، وهذا الانسحاب سهّل لحكومة الوفاق استعادة المنطقة، وهو ما يُبرره البعض بوجود صفقة خفية بين موسكو وأنقرة غيرت مسار الأحداث.

أصابع موسكو تعبث بالمشهد الليبي ومليشيات "فاغنر الروسية" لها اليد الطولى في الاقتتال

في المدى المنظور لن يُحسم الصراع في ليبيا، وستظل يد الأطراف المُتحاربة على الزناد، وفي أحسن الأحوال فإن تقاسم النفوذ جغرافيا على الأرض سيترسم مما سيُضفي شرعية على أكثر من حكمٍ في ليبيا بالاتكاء على قوة قبيلة مسلحة، ومساندة إقليمية ودولية، وجولات من المفاوضات الإقليمية والدولية التي لا تحسم ولا توصل لنتائج.

حكومة الوفاق التي يتزعمها فائز السراج والتي تدعمها تركيا اعتبرت كلام السيسي بمثابة "إعلان حرب"، والدعوة لوقف إطلاق النار مشروط من طرفها بانسحاب قوات حفتر من سرت، والعودة إلى خطوط ما قبل اتفاق الصخيرات عام 2015.

الرهانات تتجه الآن لمعركة مُحتملة للسيطرة على "سرت" وتعد عند الجميع خطا أحمرا ومفصلا استراتيجيا، فهي في نظر خبراء عسكريين مفتاح السيطرة على ليبيا كلها، لأنها نقطة التقاء المناطق الليبية شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، وعلى أراضيها أكبر مخزون للنفط، وبمحاذاتها موانئ وآبار البترول.

"سرت" قِبلة الأنظار كانت قد وقعت تحت سيطرة تنظيم "داعش" عام 2015 بعد الفوضى التي اجتاحت ليبيا، واستعادتها قوات حكومة الوفاق عام 2016، ثم سيطرت عليها قوات الجيش الوطني بزعامة حفتر في شهر يناير الماضي، واليوم تُصبح نقطة تحول في مسار الاستقطاب والصراع الدامي.

إذا كان الرئيس الجزائري يُشبه ما يحدث الآن في ليبيا بالحرب والصراع المُستعر في سوريا؛ فإنني أميل لمقاربة ما يقع في ليبيا بالتجربة اللبنانية، فطوال العقود الماضية ظلت بيروت ساحة الصراع، وتصفية الحسابات بين كل اللاعبين الإقليميين والدوليين.

السعودية كانت تحكم في لبنان، وسوريا كانت هي الأخرى تحكم في لبنان، والفرنسيون كان لهم سُلطتهم، والأميركيون كان لهم نفوذهم، وباختصار كان زعماء الطوائف أمراء لا يستمدون سُلطتهم من أبناء طوائفهم الذين يسيطرون عليهم؛ وإنما من العواصم التي يُديرون اللعبة نيابة عنها.

ما كان يجري في لبنان يحدث الآن في ليبيا، فهل يمكن تجاهل صراع المصالح بين فرنسا وإيطاليا في طرابلس؟، وسعي شركة توتال الفرنسية لإحكام قبضتها على استثمارات النفط الليبية، وتتصدى لها الشركات الإيطالية الطامحة بقوة للحفاظ على وجودها، وفي المقابل تسعى ألمانيا إلى الاستحواذ على المشهد السياسي ليصبح تحت تصرفها، وترجمت هذا الكلام إلى أفعال حين عقدت مؤتمر برلين.

لا يغيب عن المشهد الليبي الرغبة المُستمية للأتراك للتواجد كلاعب رئيسي والتحرك بقوة لدعم حكومة الوفاق التي يعتبرها الممثل الشرعي، وهو لا يفعل ذلك تطهرا أو كما يقال لـ "سواد عيون" الحلفاء، وإنما طمعا وأملا بحصة الأسد من عقود إعادة الإعمار.

وعلى ضفاف هذا المشهد وبسبب الصراعات والثارات السياسية تدعم الإمارات والسعودية ومصر الجنرال حفتر تحت يافطات ومبررات متعددة منها محاربة ما يسمونه الإرهاب، أو لتحجيم نفوذ "الإخوان المسلمين"، وتساند قطر بالاتجاه الآخر حكومة الوفاق وتدعمها بالتحالف مع أنقرة.

ليبيا تعيش تجربة لبنان؛ فبيروت ظلت ساحة الصراع وتصفية الحسابات لكل اللاعبين الإقليميين والدوليين

الأصابع الأميركية ليست الأكثر حضورا في السيناريوهات المتداولة، ولم تدخل على خط الصراع بقوة وإن كانت كلمة الحسم لا يُمكن أن تحضر بدون موافقتها، وعلى العكس فإن أصابع موسكو تعبث بالمشهد، ومليشيات "فاغنر الروسية" كان لها يد طولى في الاقتتال، والحديث المشحون بالقلق حاليا يجري عن إنشاء قواعد روسية في ليبيا، وفي المقابل قواعد عسكرية تركية هناك.

القذافي لن يعود ليحكم ليبيا؛ ليُنهي هذا الصراع المستمر والدامي منذ 10 سنوات، لكن نجل القذافي سيف الإسلام يبدو حصان طروادة الذي تُراهن عليه موسكو، وتُبقيه كخيار قائم ومحتمل، ولهذا فإنها لم تضع كل بيضها في سلة الجنرال حفتر، ومن السهل أن تتخلى عنه.

سيف الإسلام الذي أطلق سراحه من السجن قبل ثلاث سنوات وصدرت مذكرة توقيف بحقه من المحكمة الجنائية الدولية لاتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، هو من تتحدث عنه صحيفة التايمز في تقرير لها نقلته شبكة الجزيرة، وتكشف أن الكرملين يعمل على إعداد سيف الإسلام ليكون قائدا لليبيا.

لا شيء مستبعد في الملف الليبي، فالجنرال حفتر الذي يُنافس على السلطة بشراسة كان رفيقا للقذافي إلى حين آسره في حرب تشاد عام 1986، وانقلابه بعد ذلك على القذافي، وانضمامه للمعارضة.

ليبيا على صفيح ساخن، والجيوش الإقليمية والدولية، والمليشيات والمرتزقة، وأجهزة الاستخبارات تتصارع على أرضها، وتُحول القادة الليبيين بغض النظر عن أسمائهم وانتماءاتهم، وتوجهاتهم وتحالفاتهم إلى "دمى" يحركون ويُلعب بهم بخيوط من خلف أضواء المسرح.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.