نجيب محفوظ في صورة تعود للعام 1988
نجيب محفوظ في صورة تعود للعام 1988

من المحرر: توفي الدكتور رياض عصمت بعد إصابته بفيروس كورونا في 14 مايو ٢٠٢٠. وبعد وفاته تبين لعائلته أن الدكتور سبق أن كتب عددا من المقالات التي لم تنشر بعد، لذلك قرر موقع الحرة نشر هذه المقالات تباعا.

كان نجيب محفوظ، الحائز الوحيد "نوبل" للآداب من الوطن العربي، محترفا في كتابة السيناريو، لكنه اختار عامدا متعمدا ألا يقارب أيا من رواياته بالاقتباس للسينما رغم أن معظمها أنتج كأفلام، بل كان يعهد بمهمة كتابة السيناريو لها إلى سواه من زملائه الكتاب إيمانا منه بأن العمل الفني يتطور بتعدد الرؤى، وأنه لا يستحسن بمؤلف العمل الأدبي الأصلي أن يقوم بكتابة السيناريو لأعماله الأدبية كي يتحرر من أسرها وتأثيرها. 

هكذا، لم يرض محفوظ أن يتحمل مسؤولية أي فيلم مقتبس عن عمل أدبي له، بل ترك لزملاء آخرين مسؤولية ذلك، وفي مقدمتهم المؤلف المسرحي سعد الدين وهبة. أما محفوظ، فكتب بغزارة سيناريوهات أفلام عديدة بعيدة عن رواياته، ما عدا مرة واحدة عندما كتب سيناريو "الأخيار" للمخرج يوسف شاهين.

في الواقع، فإن علاقة السينما بالأدب علاقة قديمة ـ متجددة، إذ كثيرا ما استلهمت السينما أعمالا أدبية ذائعة الصيت بأكثر من مقاربة مختلفة، ومنها روايات "حرب وسلام"، "ذهب مع الريح"، "مدام بوفاري"، "جين اير"، "آنا كارينينا"، "الجريمة والعقاب"، "الحرف القرمزي"، "موبي ديك"، "جان دارك"، "عناقيد الغضب"، "ترام اسمه الرغبة"، "البؤساء"، "العجوز والبحر"، "غاتسبي العظيم"، "ميراث الريح"، "جريمة على قطار الشرق السريع" وغيرها كثير، وصولا إلى الأعمال الحديثة مثل رواية إيزابيل الليندي "بيت الأرواح"، رواية ميلان كونديرا "خفة الكائن غير المحتملة"، رواية جون لوكاريه "خياط بنما"، ورواية دان براون "شيفرة دافنشي"، وعديد سواها من أعمال متنوعة الأنماط والأساليب. 

لا تقتصر العلاقة بين الأدب والسينما على جانب الاقتباس فحسب، بل نلاحظ أن الأدب في الثلث الأخير من القرن العشرين بدأ بترك تأثير عميق على فن السينما في العالم بأسره

لكن الغريب أن الوقائع تثبت أن قلة من كتاب السيناريو والمخرجين وفقوا في مقاربة الأعمال الأدبية الشهيرة بالقدر نفسه من الخيال المشع من طيات صفحاتها المطبوعة ضمن كتب، بل خيبوا أحيانا أمل القارئ/المشاهد الذي سبق أن اطلع عليها قراءة، ليحتفظ الأصل بتألق يتجاوز الفرع.  

لا ينكر أحد، بالطبع، أن السينما استلهمت أحيانا من الأدب أعمالا عظيمة من حيث المضمون والشكل معا، وأن ذلك كان أحد أسرار نجاحها في شباك التذاكر، ونيلها جوائز المهرجانات، وجاذبيتها للمشاهدين وخلودها في الأذهان، كفيلم "ذهب مع الريح" على سبيل المثال.  

نلاحظ أيضا أن الأوسكار يمنح جائزتين للسيناريو، وليس جائزة واحدة. الأولى مخصصة لأفضل سيناريو أصيل، والثانية مخصصة لأفضل سيناريو مقتبس عن عمل أدبي. 

في الواقع، ليس ضروريا أن تكون الأفلام مستلهمة من كتاب اشتهر بين القراء كرواية أو مسرحية، فأحيانا يجري اقتباس كتاب سيرة ذاتية أو اقتباس كتاب وثائقي، أو ربما يُقتبس عمل بوليسي بسيط الأسلوب من الناحية اللغوية، لكن تلك الأعمال جميعا تتيح إمكانية وافرة لفيلم سينمائي مشوق وناجح.

لا تقتصر العلاقة بين الأدب والسينما على جانب الاقتباس فحسب، بل نلاحظ أن الأدب في الثلث الأخير من القرن العشرين بدأ بترك تأثير عميق على فن السينما في العالم بأسره. هكذا، نجد في فترة الحفاوة الأدبية بتقنية الاستعادة الذهنية ـ أو "الفلاش-باك" ـ أن السينما استفادت من هذه التقنية واستخدمتها بوفرة، بالأخص السينما الأوربية عموما، والفرنسية خصوصا.  

لم يرض محفوظ أن يتحمل مسؤولية أي فيلم مقتبس عن عمل أدبي له، بل ترك لزملاء آخرين مسؤولية ذلك، وفي مقدمتهم المؤلف المسرحي سعد الدين وهبة

لم يطل عمر تلك الموضة طويلا، إذ لم تلقَ كبير ترحيب من جمهور السينما الأميركية خاصة، فانحسرت موضتها لحقبة من الزمن، لكنها عادت إلى الظهور في القرن الحادي والعشرين وذلك في حركة أشبه بالمد والجزر بعد أن تطور الذوق السينمائي، ودخلت الخدع الكومبيوترية على الصناعة السينمائية.

خلال ستينيات القرن العشرين، طرقت "الموجة الجديدة" في فرنسا مواضيع جادة وغير مألوفة، إنما منسجمة ومتوازية مع ازدهار الوجودية كتيار فكري وتقنيات الأدب الحديث آنذاك. نلاحظ ذلك في أفلام ألان رينيه، جان-لوك غودار، كلود لولوش، تروفو، شابرول، وبعض الأعمال الأدبية لمارغريت دورا وناتالي ساروت. 

لم يعد السيناريو في تلك الأفلام يعتمد على الحوار إلا في حالات الضرورة القصوى، على نقيض الشائع والمألوف في السينما الأميركية والبريطانية والإيطالية، لأن الكاميرا صارت العنصر الأهم في رواية قصة الفيلم عن طريق الصور.

بالمقابل، يمكننا القول إن الأدب الحديث استفاد بدوره من الفن السينمائي فوائد جمة، إذ غلب على أسلوب عديد من الأعمال الأدبية الحديثة الطابع البصري، الذي يساعد القارئ على تخيل الأحداث والشخصيات وهو يقرأ الكتاب وكأنه يشاهد فيلما سينمائيا. 

هكذا، كان القارئ يتخيل الأحداث من خلال مطالعة الأدب البوليسي داشيل هاميت وريموند تشاندلر وميكي سبيلين قبل أن تنتج سينمائيا فيما كان يطلق عليه مصطلح "الأفلام السوداء" Film Noire. كان القارئ يتخيل شخصيتي شرلوك هولمز والدكتور واطسن كإنسانين حقيقيين في روايات وقصص آرثر كونان دويل، كما كان يتخيل عند قراءة روايات أغاثا كريستي ملامح شخصيتي المحقق البلجيكي هركول بوارو بشاربه المصفف ولهجته البلجيكية، وملامح الكهلة لامعة الذكاء مس ماربل.

كان القارئ يتخيل أيضا عند قراءة روايات جورج سيمنون شخصية المفتش ميغريه، كما كان يتخيل لدى مطالعة روايات دان براون ملامح أستاذ هارفارد في علم الرموز والدلالات روبرت لانغدون قبل أن يجسد دوره النجم توم هانكس. 

هذه السمة البصرية الموحية لخيال القارئ في أعمال بعدد من كبار الروائيين الأجانب متوفرة أيضا في أعمال بعض الأدباء العرب. نذكر منهم نجيب محفوظ، طه حسين، توفيق الحكيم، جبرا إبراهيم جبرا، حنا مينا، غادة السمان، عبد السلام العجيلي، يوسف إدريس، حليم بركات، عبد الرحمن منيف، وليد إخلاصي، الطيب صالح، غسان كنفاني، خيري الذهبي، إلياس خوري، أحلام مستغانمي، فواز حداد وسواهم من كبار المبدعين. 

للأسف الشديد، فإن نسبة قليلة من أعمال هؤلاء الروائيين العرب تم اقتباسه سينمائيا أو تلفزيونيا، بينما لم يقارب أعمال الآخرين أحد من المنتجين والمخرجين.

استخدم عدة كتاب تقنيات سينمائية حديثة في بناء رواياتهم وقصصهم

للأسف الشديد أيضا، فإن الغالبية العظمى من تلك الاقتباسات لم يكن موفقا على الإطلاق من الناحية الفنية، بل قللت المقاربات السينمائية والتلفزيونية من شأن العمل الأدبي الأصلي وشوهته لدرجة صدمت الأدباء أنفسهم قبل المعجبين بكتبهم، فجعلتهم يحجمون عن منح حق اقتباس مزيد من أعمالهم إلى الشاشتين الكبيرة والصغيرة.

لا شك أن السينما، إذن، تركت تأثيرا مهما على الأدب الحديث يماثل تأثر السينما بالأدب. هكذا، إذا أثرت الرواية والمسرح بالسينما في بداياتها، فإن القصة القصيرة والمسرح في العالم تأثرا بالفن السينمائي كثيرا في أواسط القرن العشرين. 

بالتالي، استخدم عدة كتاب تقنيات سينمائية حديثة في بناء رواياتهم وقصصهم. يكفي أن يقرأ المرء بعض أعمال جورج أورويل، فرانز كافكا، غابرييل غارسيا ماركيز، إسماعيل كاداريه، ميلان كونديرا وإيزابيل الليندي من الروائيين، أو تنيسي وليامز، آرثر ميلر، بيتر شيفر، توم ستوبارد وروبرت بولت من المسرحيين، ليدرك جوهر هذه التأثير وحجمه. 

تظل الفائدة الكبرى في علاقة الأدب بالسينما في قرننا الحادي والعشرين كامنة في التداخل بين الفنون المختلفة، ففي الأدب والسينما على حد سواء، تعلو القيمة بسمات الموسيقى والفن التشكيلي والشاعرية.

يبقى العبء الأكبر في هذا المجال ملقىً على عاتق كاتب السيناريو، الذي يعقد عليه الأمل في أن يخلص لروح الأديب وجوهر رؤياه، وفي الوقت نفسه يتحرر من بنيان العمل الأدبي وأسلوبه اللغوي لينشئ مكانهما بنيانا بصريا موحيا للخيال، وشخصيات تنبض بالحياة. 

بالتالي، فالأمر ليس مجرد محاكاة دقيقة لمسار الرواية أو القصة أو المسرحية، بل إعادة تركيب الدراما بصورة تترك تأثيرا عميقا على المشاهد. ذلك وحده سر نجاح السينما حين تجيد الاقتباس عن الأدب.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.