Nurses take care of patients infected by COVID-19 going for an exam at the scanner unit at the Floreal clinic in Bagnolet, near…
ما يفعله الأطباء والطاقم الطبي اليوم، فضلا عن الباحثين وعلماء الفيروسات حول العالم، في ظل وباء كورونا أكبر دليل على قدرتنا على التاثير في المجتمع عبر نجاحنا في الجوانب الأخرى

أتذكر في أحد الدروس التي كنت أعطيها لبعض الموظفين الأميركيين هنا في الولايات المتحدة عن ثقافة وتاريخ المنطقة العربية، أنني اخترت فيديو عن حياة الدروز، بوصفهم أقلية في المنطقة. وكان هذا الفيديو يتناول وضع الدروز في إسرائيل، وكذلك في هضبة الجولان التي احتلتها إسرائيل من سوريا عام 1967.

الولاء للدولة

لأول مرة أعرف أن ثمة فرق بين دروز إسرائيل ودروز الجولان. ورغم أن الاثنين ينتميان إلى نفس الطائفة وهما على صلة وثيقة ببعضهم البعض، إلا أن دروز الجولان يعتبرون أنفسهم سوريين، ويرفضون تماما الهوية الإسرائيلية، بينما دروز الجليل مندمجون في المجتمع الإسرائيلي ويخدمون في الجيش وفي كافة أجهزة الدولة.

إحدى المتحدثات في الفيديو شرحت السبب في ذلك، قائلة إن الدرزي يكون ولاؤه إلى الدولة والأرض التي يعيش فيها، بصرف النظر عن أية اعتبارات أخرى. وأضافت أن هذا مبدأ لدى الدروز أينما كانوا وليس خاصا بمنطقة دون أخرى، وهو لا يؤثر على العلاقة فيما بينهم.

أقرب تأثير في الشؤون السياسية لا يأتي عادة من الانشغال فيها مباشرة

نفس هذا المبدأ وجدته لدى البهائيين أيضا. فهم مخلصون وعلى أتم الولاء لأية دولة أو بلاد يعيشون فيها، ولن تجد أي بهائي ينخرط في نشاطات تمس تلك الدولة أو تهدد سلامتها بأي سوء. حتى الدول التي تضطهدهم وتقمعهم وتقتلهم فإنهم لا يقومون بالمقابل بأية أعمال ضدها أو يؤلبون غيرهم عليها. لا يعني ذلك أنه ليست لديهم آراء أو مظالم يتحدثون عنها ويطالبون برفعها، ولكنهم لا يحولونها إلى أعمال معادية ضد الدولة.

المعارضة الزائفة

طبعا كثيرون في عالمنا العربي لا يقدرون هذا الأمر، بل ولا يستسيغونه أيضا. والبعض منهم من النادر أن يظهر الولاء لأية دولة أو بلاد يعيش فيها. إنهم يعتبرون الولاء أمرا مشينا، وحينما لا يجدون سببا لعدم الولاء أو الشكر فإنهم يتجهون إلى الدين، مرددين بأن الولاء لله وحده.

ومع أن الولاء لله لا يتناقض مع الولاء للدولة أو الوطن، إلا أنهم يجدون ثقلا وعنتا أن يبدون ولاء للدولة التي يعيشون فيها. فهم لا بد أن يجدوا عيوبا ونقائص تجعلهم يفرون إلى المعارضة والمشاغبة والشكوى.

والواقع أن التاريخ العربي يحفل بهذه الصور من الممانعة للولاء للدولة، والتمرد عليها، ولست أريد أن أعرض أمثلة هنا، فهي معروفة للجميع، ولكني أكتفي بالقول بأن ولاء الإنسان للدولة التي يعيش فيها هو أول شرط كي يتمكن الإنسان من الاعتناء بصورة حقيقية بنفسه ومحيطه الصغير. وهي أول علامة صحية على أنه بدأ يأخذ على عاتقه مسألة التغيير بصورة جدية.

الإنسان يصنع مصيره

بالطبع البعض يثير أسئلة من قبيل الظلم وعدم المساواة والاضطهاد وما شابه ذلك، وهي كلها أمور حقيقية ولا مجال أحيانا لنفيها، ولكن الحقيقة هي أن معظم هذه الأمور تمارس حين تشعر الدولة، أية دولة، بالخطر وبأن مواطنيها ينصرفون عنها. إنها قد تبالغ في هذا الأمر أو تخطئ أحيانا، لكنها تتصرف بوحي من غريزة البقاء. خلاف ذلك لا تستطيع أية دولة أن تمارس الظلم على مواطنين يبادلونها الولاء، وإلا تصبح هي تميز ضد نفسها، وهذا غير معقول.

لعل النجاح الذي يحققه الدروز والبهائيون، سواء في بيئاتهم الأصلية أو حول العالم، هو أمر يجدر بنا جميعا أن نتأمل فيه

إن الإنسان في العادة يبذل طاقة نفسية هائلة في إعداد نفسه وتجييشها ضد الدولة (وجزء كبير من ذلك يأتي من آخرين يسمح الإنسان لهم بالتأثير عليه وتثويره)، وهو ينضم إلى أحزاب أو جماعات أو اتجاهات تريد تحطيم الدولة، أو النيل من الحكومة التي تمثل هذه الدول بصورة من الصور، ولأسباب خاصة بتلك الجماعات، ولكنه لا يبذل أي جهد لإظهار أنه يمكنه أن يتحكم في مصيره بنفسه، على الأقل في حيزه الصغير، وأنه يستطيع أن يغير حياته إلى الأفضل بصورة حقيقية من دون المرور بدوامة العنف والكره والتأجيج التي تطحنه قبل الآخرين.

ولعل النجاح الذي يحققه الدروز والبهائيون، سواء في بيئاتهم الأصلية أو حول العالم، هو أمر يجدر بنا جميعا أن نتأمل فيه.

التأثير من خارج السياسة

ما الذي يضير الإنسان إذا ترك الانشغال بالسياسة واتجه إلى الانشغال بالحياة. هذا ليس انهزاما أو تركا للمسؤولية، فالإنسان بإمكانه أن يصوت أو يبدي أي شكل من أشكال المعارضة السياسية الإيجابية ضمن القوانين التي تسمح بذلك، ولكن هذا جزء من الحياة وليس الحياة كلها.

مع أني شخصيا أعتقد أن أقرب تأثير في الشؤون السياسية لا يأتي عادة من الانشغال فيها مباشرة، وإنما يأتي من قدرتنا على التاثير في المجتمع عبر نجاحنا في الجوانب الأخرى، وبما يجعلنا في النهاية نؤثر في السياسة، ولكن بصورة حقيقية. ولعل ما يفعله الأطباء والطاقم الطبي اليوم، فضلا عن الباحثين وعلماء الفيروسات حول العالم، في ظل وباء كورونا أكبر دليل على ذلك. 

فهؤلاء ليسوا سياسيين ولا يمثلون سوى أنفسهم، ولكن جهودهم ومعارفهم وعلومهم وآرائهم هي التي يتطلع إليها الناس، بما في ذلك السياسيون، وهي التي تعمل فرقا في الأشياء وتحدد الطريقة التي يجب أن تتصرف بها الحكومات والسلطات المختلفة للتعامل مع هذا الوباء والآثار الناجمة عنه.

A woman holds up her hands as she carries an "I can't breathe" sign during protest against the death in Minneapolis police…

أميركا تحترق. الشرارة اندلعت يوم الاثنين من مدينة منيابوليس، بولاية مينيسوتا، في وسط البلاد ووصلت نيرانها وجمرها إلى 75 مدينة، من نيويورك في الشمال إلى ميامي في الجنوب، من فيلادلفيا في الشرق إلى لوس أنجلس في الغرب. 

صباح الأحد استيقظ ملايين الأميركيين وهم يراقبون الحرائق التي التهمت مئات المحلات التجارية والمباني الحكومية وسيارات الشرطة ويشمّون روائح دخانها، بعد ليلة رابعة من المواجهات بين المتظاهرين ورجال الشرطة وعناصر الحرس الوطني الذي انتشر في 12 ولاية، وبعد فرض حظر التجول في أكثر من 20 مدينة.  

خلال مواجهات ليلة السبت ـ الأحد اختلط دخان الحرائق بدخان الغاز المسيل للدموع، على خلفية إطلاق رجال الشرطة للرصاص المطاطي ضد المتظاهرين، بما في ذلك المتظاهرين السلميين، الذين لم يمتثلوا لأوامر حظر التجول. التظاهرات في بداية الأسبوع كانت سلمية على الرغم من مشاعر الغضب العارم الذي عبّر عنه المتظاهرون. ولكن مع اقتراب الأسبوع من نهايته، اندست في التظاهرات عناصر متطرفة قامت بحرق الأماكن العامة والخاصة ومارست النهب، وقال شهود عيان ومسؤولون محليون إن معظمها من العنصريين البيض الذين يريدون الإساءة إلى الأميركيين من أصل أفريقي واستفزاز مواجهات عنصرية مع قوات الأمن، وهذا ما أكدته تقارير صحفية، وتحليلات الخبراء.  

بعض الخبراء أشاروا إلى احتمال ضلوع أيد خفية خارجية تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لتأليب الأميركيين ضد بعضهم البعض كما فعلت روسيا في انتخابات 2016. في المقابل ركز الرئيس دونالد ترامب والمسؤولون في البيت الأبيض اتهاماتهم ضد اليساريين وتحديدا جماعةAntifa  المتطرفة والمناوئة للفاشية. مستشار الأمن القومي روبرت أوبرايان قال يوم الأحد إن هذه الجماعة مسؤولة عن أعمال العنف، بينما قال الرئيس ترامب إنه يعتزم تصنيف Antifa تنظيما إرهابيا داخليا، مع أنه لا يملك مثل هذه الصلاحيات.

رجل اسمه جورج فلويد

 يوم الإثنين، صعق الملايين من الأميركيين، ولاحقا الملايين في العالم وهم يشاهدون شرطيا أبيض اسمه ديريك تشوفن يضع ركبته اليسرى وثقل جسده على رقبة جورج فلويد، الأسود، والبالغ من العمر 46 سنة، والذي كان مكبل اليدين وممدا على الطريق قرب سيارة الشرطة بعد أن رماه تشوفن وثلاثة شرطيين آخرين على الأرض.

وكان فلويد قد اعتقل بعد الاشتباه باستخدامه لعملة مزورة. وأظهرت مختلف أشرطة الفيديو التي التقطها عدد من المارة أن فلويد لم يقاوم الشرطة، ولم يكن مسلحا. وعلى مدى ثماني دقائق، بدت وكأنها أبدية بطيئة، كان الشرطي تشوفن يضغط فيها بركبته المدعومة بثقل جسده على عنق فلويد الذي كان يصرخ ويردد بصوت مبحوح "لا أستطيع التنفس"، "لا أستطيع التنفس". ولكن مناشداته لم تصل إلى أذني الرجل الذي كان يحرمه من أنفاسه الاخيرة. كما لم تنفع مناشدات ومطالب وصراخ الناس الذين كانوا يراقبون الجريمة بهلع للشرطي تشوفن وزملائه المتواطئين معه بوقف إعدامهم البطيء لجورج فلويد. 

ولدت الولايات  المتحدة بخطيئة أصلية لم تستطع حتى الآن محوها كليا. مؤسسة العبودية كانت القضية المحورية التي أخفق مؤسسو الجمهورية الأميركية في حلها قبل إعلان الاستقلال من بريطانيا

خلال هذه الدقائق الطويلة، وضع الشرطي تشوفن يده في الجيبة اليسرى لسرواله ليؤكد لامبالاته بما يرتكبه، بينما كان ينظر بوجه بارد وغير منفعل إلى الفتاة الشابة التي كانت تسجل على هاتفها النقال وقائع اغتيال رهيب. وقبل أن يموت بصمت، وبعد أن أدرك أنه سيغادر هذه الدنيا، لجأ جورج فلويد إلى المكان الآمن الوحيد الذي كان يوفر له الدفء والحنان والعزاء في حياته، إلى أمه التي سبقته إلى المنية بثمانية عشر شهرا قائلا "أمي، أمي هذه نهايتي". 

صرخة "لا أستطيع التنفس"، تتردد في الولايات المتحدة منذ سنوات. "لا أستطيع التنفس" كانت آخر كلمات إريك غارنر، الأميركي من أصل أفريقي الذي اعتقله بعنف عدد من رجال الشرطة في نيويورك في 2014 للاشتباه ببيعه للسجائر بشكل غير شرعي، كان من بينهم الشرطي دانيال بانتاليو الذي لفّ ذراعه حول عنق غارنر لقطع نفسه، بعد أن رماه مع عدد من زملائه أرضا. وخلال دقائق، وبعد صراخه المستمر "لا أستطيع التنفس"، لفظ غارنر أنفاسه الأخيرة، بينما كان المارة يسجلون موته القاسي على هواتفهم النقالة. 

Protesters rally against the death in Minneapolis police custody of George Floyd, in Portland, Oregon, U.S. May 31, 2020…
متظاهرتان في مينيابوليس، المدينة التي قتل فيها جورج فلويد، خلال تظاهرات تطالب بالعدالة له، وقد رفعت إحدى المتظاهرات شعار: "ماذا لو كان ابنك؟"

صرخة غارنر، تحولت إلى شعار للتظاهرات التي عمت البلاد بعد مقتله. وعلى الرغم من فظاعة الجريمة العلنية إلا أن الشرطي بانتاليو لم يواجه القضاء. جورج فلويد، هو أميركي أسود آخر يقتل على أيدي الشرطة أو على أيدي عنصريين يؤمنون بتفوق العرق الأبيض. 

خلال شهر فبراير قام رجلين أبيضين، أب وابنه، بتعقب شاب أسود اسمه أحمد أربري، كان يمارس رياضة الركض وأردياه قتيلا لأنه قاومهما عندما حاولا اعتقاله بتهمة السرقة، وهي تهمة لا أساس لها. بقيت الجريمة طي الكتمان لأشهر قبل الكشف قبل أسابيع عن وجود شريط سجل الاغتيال، ما أدى إلى اعتقال الرجلين. 

خلال السنوات الماضية قتل عشرات الشباب السود في مثل هذه الظروف. وفي أعقاب كل جريمة، كانت المظاهرات والاحتجاجات تنظم في مختلف أنحاء البلاد، وكانت الانتقادات والاتهامات توجه للشرطة، والأهم من ذلك الانتقادات ودعوات إصلاح النظام الجنائي في البلاد بتقاليده وممارساته التمييزية ضد الشباب السود. هذه الجرائم أدت إلى ولادة منظمة "حياة السود مسألة هامة" (Black Lives Matter)، لتسليط الاهتمام على هذه الظاهرة المشينة وللضغط من أجل إصلاح النظام الجنائي، ولمعالجة الظروف المعيشية الصعبة للعديد من الشباب السود.

طاعون وركود وفوضى وغياب قيادي

أميركا تحترق. أميركا اليوم تعيش أسوأ لحظاتها هذا القرن. هجمات سبتمبر سنة 2001 شنها إرهابيون من الخارج. حرائق اليوم هي من صنع محلي، والغضب الساطع الذي يقف خلفها عمره 400 سنة، وهو عمر مؤسسة العبودية، وسياسات التمييز العنصري المنظم ضد الأميركيين من أصل افريقي ومضاعفاتها التي تطال مختلف أوجه حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والإسكانية وغيرها.

أميركا تحترق. ما نراه من جمر ورماد ودخان يحدث على خلفية أسوأ كارثة صحية تواجه البلاد منذ قرن. حتى الآن قضت جائحة كورونا على أكثر من 105,000 أميركي، وهو أعلى رقم لضحايا الجائحة في العالم، بينما وصل عدد الأميركيين المصابين بأعراض الفيروس إلى أكثر من 1.8 مليون أميركي. أكثرية ضحايا الجائحة هم من الأقليات وتحديدا الأميركيين من أصل أفريقي.

أميركا تحترق. ألسنة النار التي تلتهم الممتلكات العامة والخاصة تزيد من تفاقم أسوأ كارثة اقتصادية تعصف بالبلاد منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، بعد أن انضم إلى جيش العاطلين عن العمل 40 مليون أميركي خلال أقل من ثلاثة أشهر. 

في الأشهر الماضية برزت ظاهرة توزيع المواد الغذائية الإغاثية لعدد كبير من الأميركيين الذين وجدوا أنفسهم للمرة الأولى في حياتهم غير قادرين على أن يوفروا لأنفسم ولعائلاتهم الغذاء. صفوف طويلة من السيارات تنتظر لساعات طويلة ومهينة للحصول على صندوق يتضمن مواد غذائية أساسية ومعلبات وحليب وخبز. هذه الصفوف ذكرت الأميركيين المطلعين على تاريخ بلادهم بطوابير الفقراء والمحتاجين خلال ثلاثينيات القرن الماضي الذين كانوا يأمون "مطابخ الحساء" من أجل وجبة مجانية.

جميع المؤشرات تبين أن المستقبل المنظور للولايات المتحدة قاتم: سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وصحيا.

الحقوق المكتوبة لم تحرر المستعبدين وتجعلهم مواطنين متساوين، خاصة وأن الوعود التي أعطيت للعبيد السابقين مثل توزيع الأراضي عليهم وتوفير الخدمات الأساسية مثل التعليم وغيرها لم تنفذ

أميركا تحترق. تضافر جائحة كورونا، مع الأزمة الاقتصادية الخانقة، والاضطرابات والتظاهرات الاحتجاجية ضد عنف الشرطة ضد الشباب السود، يكتسب خطورة غير معهودة، بسبب غياب قيادة أميركية مركزية حكيمة أو عقلانية يمكن أن تقود البلاد من الصحراء القاحلة التي تمر بها الآن إلى واحة واعدة في المستقبل، كما فعل الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت الذي أنقذ البلاد من كوارث طبيعية وأزمة اقتصادية قاتلة وحرب عالمية لا مثيل لوحشيتها. الرئيس ترامب صب الزيت على النيران. فقد وجه انتقادات غير مبررة لرئيس بلدية منيابوليس واتهمه بالضعف لأنه لم يقمع التظاهرات بالقوة، وتبجح بأنه أبلغ حاكم ولاية مينيسوتا بأنه مستعد لإرسال الجيش الأميركي إلى الولاية، على الرغم من وجود قانون فدرالي يمنع نشر القوات الأميركية المسلحة (باستثناء الحرس الوطني لحفظ الأمن الداخلي)، إلا بعد موافقة الكونغرس المسبقة. وكعادته لجأ ترامب إلى شبكة تويتر لنشر تهديداته ضد المتظاهرين الذين وصفهم بـ "قطاع الطرق" التي كان من بينها نبش عبارة عنصرية تعود إلى سنة 1967 أدلى بها قائد الشرطة في مدينة ميامي آنذاك وهي: "عندما يبدأ النهب، يبدأ إطلاق النار".  

شبكة تويتر اضطرت إلى وصف تغريدة ترامب بأنها تحرض على العنف. لاحقا ادعى ترامب أنه لم يكن يعلم بالأصل العنصري للعبارة، ولكن لم يصدقه أحد. وبعد وصول التظاهرات إلى حديقة لافاييت قبالة البيت الأبيض وبعد مناوشات عنيفة بين الشرطة السرية التي تحرس البيت الأبيض والمتظاهرين، أثنى ترامب على قسوة الشرطة السرية تجاه المتظاهرين وغرّد باعتزاز أنه لو اقترب المتظاهرون من السور الحديدي المحيط بالبيت الأبيض "سوف يتم استقبالهم من قبل الكلاب الوحشية، وأكثر الأسلحة خطورة". 

مرة أخرى نبش ترامب من حقبة النضال من أجل الحقوق المدنية في ستينيات القرن الماضي صورة الكلاب التي كانت فرق الشرطة في جنوب البلاد تستخدمها ضد المتظاهرين من سود وبيض الذين كانوا يطالبون بإلغاء الممارسات التمييزية ضد الأميركيين من أصل أفريقي. هذا هو رئيس الولايات المتحدة في هذه اللحظة التاريخية الحرجة.

الخطيئة الأصلية

ولدت الولايات  المتحدة بخطيئة أصلية لم تستطع حتى الآن محوها كليا. مؤسسة العبودية كانت القضية المحورية التي أخفق مؤسسو الجمهورية الأميركية في حلها قبل إعلان الاستقلال من بريطانيا. الخلافات بين ممثلي الولايات الثلاثة عشرة الأصلية حول مستقبل الرق كانت جذرية، وكان يمكن أن تقف عقبة بوجه الاستقلال لأن بعض الولايات الأساسية مثل فيرجينيا وغيرها من الولايات الجنوبية الزراعية، كانت تعتمد اقتصاديا على عمل المستعبدين لإنتاج القطن والتبغ. ولذلك ارتأى المؤسسون، تأجيل مواجهة هذه الخطيئة الأصلية بصدق إلى مرحلة لاحقة. 

وهكذا ولدت الجمهورية الأميركية بعد حرب تحرير من الاستعمار البريطاني ووفقا لإعلان استقلال يبدأ بجملة ثورية في تاريخ الفكر السياسي الغربي، وتعتبر أشهر وربما أجمل جملة في اللغة الإنكليزية: "نحن نرى أن هذه الحقائق بديهية، أن جميع البشر خلقوا متساوين، وأنهم وهبوا من خالقهم حقوقا غير قابلة للتصرف، وأن من بين هذه الحقوق حق الحياة والحرية والسعي وراء السعادة". 

كاتب هذه الكلمات هو توماس جيفرسون أحد أهم المؤسسين والرئيس الثالث للولايات المتحدة. جيفرسون كان مفكرا وسياسيا بالغ الذكاء والاطلاع، وذو ثقافة واسعة وكان شخصية معقدة وغنية بالتناقضات والمفارقات الصارخة. الرجل الذي أكد أن جميع البشر خلقوا متساوين، كان يملك مئات العبيد. منزله الجميل الذي صممه بنفسه في جنوب ولاية فيرجينيا والمعروف باسم Monticello وهي كلمة إيطالية تعني "الجبل الصغير" بناه عبيده من أشجار الجبل الصغير وصنعوا الطوب من ترابه. هذا التناقض الذي جسّده جيفرسون يفسر الهوة بين المثالية الأميركية الموجودة في إعلان الاستقلال ونص الدستور وغيره من الوثائق المحورية للولايات المتحدة، وبين التجربة التاريخية لأميركا، وخاصة آفة العبودية. 

Man yells at police during a protest against the death in Minneapolis police custody of African-American man George Floyd, in…
متظاهرون في فيرغسون على خلفية مقتل جورج فلويد على يد الشرطة، يرفعون شعار "لا عدل... لا سلام"

ثمن الإخفاق في مواجهة الخطيئة الأصلية لحظة ولادة الجمهورية أدخل البلاد في 1861 في أتون حرب أهلية رهيبة أدت إلى مقتل 750 ألف جندي، وتدمير مدن بأكملها. ولا تزال الولايات المتحدة حتى هذه اللحظة تعيش في ظل أهم وأبشع وأوجع تجربة في تاريخها، لأن الحرب لم تحل جميع الأسباب التي أدت إليها.

تم تحرير الرق رسميا وفقا للتعديل الثالث عشر للدستور الذي أقر في 1865. التعديل الرابع عشر للدستور منح الجنسية الأميركية لكل شخص ولد في الولايات المتحدة، وضمن التعديل الخامس عشر حق التصويت لكل أميركي بغض النظر عن خلفيته العرقية. 

ولكن هذه الحقوق المكتوبة لم تحرر المستعبدين وتجعلهم مواطنين متساوين، خاصة وأن الوعود التي أعطيت للعبيد السابقين مثل توزيع الأراضي عليهم وتوفير الخدمات الأساسية مثل التعليم وغيرها لم تنفذ. ومع ذلك شهدت السنوات القليلة التي تلت الحرب، والتي سميت بحقبة إعادة البناء في ظل الحزب الجمهوري (حزب الرئيسين أبراهام لينكولن ويوليسيس غرانت) انتخاب ممثلين عن السود لمجلسي النواب والشيوخ، وتغييرات جدية في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للسود في الولايات الجنوبية من بينها حماية حقوقهم المدنية من قبل الحكومة الفدرالية.

لا تزال أميركا تتأرجح حتى اليوم بين مثاليتها وخطيئتها الأصلية

ولكن بعد انتهاء هذه الحقبة مع نهاية ولايتي الرئيس يوليسيس غرانت في 1877، عاد أسياد العهد البائد من الديموقراطيين الذين يؤمنون بتفوق العنصر الأبيض إلى مراكز السلطة في الولايات الجنوبية، أحيانا خلال انتخابات كان المتطرفون خلالها يقومون بترهيب السود ومنعهم من التصويت. وبعد انتهاء حقبة الرئيس غرانت في 1877 انسحبت القوات الفدرالية من الجنوب، وسيطر العنصريون البيض على المجالس التشريعية لهذه الولايات وبدأوا بتشريع القوانين التمييزية ضد المواطنين السود، والتي فصلت الأميركيين السود عن البيض في مختلف الحقول والخدمات.

هذه القوانين التمييزية ضد السود بقيت سارية المفعول حتى ستينيات القرن الماضي، حين ألغاها الرئيس ليندون جونسون. في 1865، أسس عدد من الجنود الجنوبيون السابقون تنظيما عنصريا سريا سموه كوكلاكس كلان، سرعان ما حولوه إلى ميليشيا عسكرية مارست الإرهاب والعنف ضد السود في الولايات الجنوبية لعقود طويلة. 

أبشع أنواع الإرهاب كانت عمليات شنق وحرق السود الذين كانوا يتهمون دون أي أدلة بارتكاب جرائم قتل أو اغتصاب. وكانت جرائم الشنق تتم على أيدي مجموعات من العنصريين البيض، الذين كانوا يعلقون رجلا أو أكثر على أغصان أشجار كبيرة، وأحيانا كثيرة يحرقون جثثهم في مناسبات ترفيهية كان يشارك فيها السكان المحليون. 

ووفقا لمنظمات الحقوق المدنية تم شنق 4,084 أميركي من أصل أفريقي ظلما بين سنتي 1877 و1950 في الولايات الجنوبية. هذا التقليد الرهيب حولته مغنية البلوز والجاز الرائعة بيلي هوليداي إلى ترنيمة شبه مقدسة لتخليد معاناة وعذاب السود بعنوان "الثمار الغريبة" غنت فيها عن "الأشجار الجنوبية التي تحمل الثمار الغريبة، والدماء على أوراقها، والدماء على جذورها، حيث الأجساد السوداء تتأرجح في النسيم الجنوبي.

ولا تزال أميركا تتأرجح حتى اليوم بين مثاليتها وخطيئتها الأصلية.