Jordanian soldiers keep watch on March 18, 2020 in the capital Amman as Jordan takes measures to fight the spread of the…
إعلان الأحكام العرفية سندا للمادة 125 من الدستور لم يعد حديثا عابرا؛ بل أصبحت مثار جدل ونقاش في الأوساط السياسية

تُدوي صفارات الإنذار في سماء المملكة الأردنية الهاشمية في تمام الساعة السادسة من مساء كل يوم، أخرج إلى شرفة منزلي بصحبة حفيدتي التي تستمع بدهشة لصوت مجنون لا تفهمه، وأرى أشخاصا يهرعون مُسرعين إلى منازلهم قبل أن تتوقف الصافرة، ويخرج صوت عسكري خشن من مكبرات الصوت يُذّكر بسريان حظر التجول سندا لأوامر الدفاع.

هذه هي عمان اليوم، سأكتب لحفيدتي في دفتر "يوميات طفولتها" عن عالم لم نشهده من قبل، عن قلق وخوف وحزن عشنا تفاصيله حين كانت طفلة صغيرة لم تُكمل سوى عام وأشهر قليلة من عمرها، وحين تكبر قليلا سأحدثها عن "جائحة كورونا" التي أبعدت أبيها عنا في ظروف صعبة بعد أن أُغلقت الحدود، وتوقفت حركة الطيران، وعن أمها وزوجتي وابنتي ـ جدتها وعمتها ـ اللواتي بقين حبيسات جدران المنزل لا يخرجن إلا نادرا؛ بسبب تعليمات حظر التجول والرعب الذي أصاب الناس من احتمالات انتشار الوباء.

ربما كنت محظوظا بسبب عملي الصحفي أنني كنت قادرا على التحرك رغم حظر التجول لأعيش تفاصيل حياة الناس اليومية، فألمس ما لم أعهده في عمّان خلال العقود الماضية؛ السيارات جاثمة على أرضها، والناس تمشي على أقدامها لتأمين احتياجاتها، والقاسم المُشترك القلق المرسوم على الوجوه، وأسئلة المستقبل المُعلقة التي لا تجد إجابات عند أحد.

هنا كما في كل مكان في أرجاء المعمورة، يسأل الناس بلهفة المُنتظر، متى سنعود لحياتنا الطبيعية؟ متى سنعود إلى عملنا؟ متى سيفتح المقهى أبوابه؟ متى سيعود الضجيج الجميل، متى سنخلع القفازات من أيدينا، ونُزيل الكمامات عن أفواهنا، فقد اشتقنا أن نستنشق هواء ملوثا بعوادم السيارات بعيدا عن "المُعقمات"؟

الضغوط لا تتوقف عن الحكومة مُطالبة بإعادة الأعمال حتى لا يحدث انهيار اقتصادي

كل يوم ينتظر الأردنيون بفارغ الصبر الإيجاز الصحفي لوزيري الدولة لشؤون الإعلام والصحة عن عدد الإصابات بفيروس كورونا، وكلما تناقصت الأعداد تنفسوا الصُعداء مُستبشرين بالفرج وباقتراب خروجهم من العُزلة.

هل سيخرج الأردن من الأزمة قريبا؟ وهل يكفي أن يتوقف عن تسجيل إصابات بالفيروس؛ ليُعلن عن تعافيه، والعودة إلى ما كنا عليه، إذا ما كانت الجائحة لا تزال تضرب العالم؟ أسئلة لا تعرف الحكومة الأردنية، ولا حكومات العالم إجابات قاطعة عليها.

في الأردن تُصارع الحكومة لابتكار معادلة تصون الأمن الصحي وتمنع انتشار الوباء، وبالوقت ذاته إعادة الحياة تدريجيا إلى مسارها، وكلما تقدمت خطوات إلى الأمام عرقلتها ظهور إصابات وبؤر جديدة للعدوى.

في منتصف شهر أبريل الجاري ستنتهي العطلة التي جددتها الحكومة للمرة الثانية للعمل في القطاعين العام والخاص، والضغوط لا تتوقف مُطالبة بإعادة الأعمال حتى لا يحدث انهيار اقتصادي، فتواجه البلاد كارثة وتداعيات سياسية واجتماعية.

حكومة الدكتور عمر الرزاز التي تلقت التقدير والإشادة منذ بدء الأزمة التي شارفت على الشهر بدأت تتعرض للانتقاد، و"شهر العسل" الذي عاشته بالتفاف الناس حولها أوشك على الأفول، والضرب تحت الحزام بدأ يظهر أكثر وأكثر، والمبالغة في تسليط الضوء على ما سُمي فضيحة "التصاريح المزورة" صدّعت بيت الحكومة وتسببت باستقالة وزير الزراعة، واقتربت من سُمعة وصدقية وزراء آخرين، وزاد "الهرج والمرج" عقب توقيف نائبين في البرلمان على خلفية خرقهما لقرار حظر التجول، وما صاحب هذا الإجراء من نقاش قانوني حول صوابية هذا القرار.

كل يوم يمضي قبل أن تجد الحكومة حلا يُنهي حظر التجول تتصاعد وتتزايد فيه التحديات، والضغوط، وتُصبح الحكومة هدفا سهلا، وتحت المطرقة، وتكثر الهواجس والمخاوف، وتتسلل معها دعوات إلى إعلان الأحكام العرفية، وتعليق عمل الدستور.

إعلان الأحكام العرفية سندا للمادة 125 من الدستور لم يعد حديثا عابرا لرئيس الديوان الملكي الأسبق جواد العناني، ووزير الداخلية الأسبق حسين المجالي؛ بل أصبحت مثار جدل ونقاش في الأوساط السياسية، رغم أن الملك بموافقته على إعلان قانون الدفاع ذكّر رئيس الحكومة بضرورة ألا يمس بالحقوق السياسية والمدنية، والحريات العامة للمواطنين.

ليس مهما المبررات التي تُساق للدعوة لإعلان الأحكام العرفية سواء لردع المُستهترين والمُتنمرين على القانون، الذين لا يلتزمون بحظر التجول، ويهددون السلامة والصحة العامة، أو لمجابهة المخاطر الاقتصادية المُحدقة بعد هزيمة فيروس كورونا، المهم والمُقلق بعد أكثر من 30 عاما على إنهاء الأحكام العرفية أن هناك من يرى أن الديمقراطية لا تُسعف الدولة للنهوض ومواجهة الكارثة، والخيار الوحيد تعطيل الدستور والقوانين، وإعطاء سُلطة مُطلقة لاتخاذ القرارات والإجراءات والتدابير بمعزل عن حكم الشعب وإرادته.

لم أسمع في إيطاليا وإسبانيا الدولتين الأكثر تضررا من جائحة كورونا، وكذا الأمر في أميركا من يُطالب بتعطيل الدستور لإنقاذ البلاد، ولا اعتقد أن هذا يمكن أن يحدث، أو يروج له إلا في عالمنا العربي؛ فالديمقراطية ليست "تعويذة" يمكن استبدالها إن لزم الأمر.

في التفاصيل، الوزير السابق العناني وصف الوضع في الأردن "بأنه خطير، ويحتاج إلى أحكام عرفية لمدة سنتين للخروج من أزمته الاقتصادية، واتخاذ إجراءات جريئة في الشأن الاقتصادي تضمن قيام كل جهة بمسؤولياتها، ويجب أن تعلو مصلحة الوطن على مصلحة الأفراد بتكاتف الجميع للخروج من النفق المظلم".

كلام العناني عن مخاطر العجز المالي الكبير للموازنة، والحاجة إلى خطط وإجراءات سريعة لا تعطلها قوانين، ونقاشات، وضغوط في البرلمان والشارع بالتأكيد تجد لها مؤيدين ومناصرين، فالاعتقاد السائد أن ما بعد الأزمة الصحية هو الأخطر، فالسياحة التي شهدت نموا في العام الماضي ستتدمر، والبطالة ستزيد بشكل ملحوظ بعد تسريح الكثير من المؤسسات والمصانع في القطاع الخاص لموظفيها، وشركات كثيرة ستتعثر وتُفلس، وستتعاظم مشكلة الدولة في تأمين الرواتب، والقدرة على حماية الفئات المُهمشة والفقيرة، وستتراجع قيمة تحويلات المغتربين، هذا إن لم يعد عدد كبير منهم للبلاد.

في خِضم هذه الأزمة المُستفحلة، والمخاوف السائدة تقرأ في السوشيل ميديا من يدعو لتأميم الشركات والبنوك، ووضع يد الدولة على حسابات الأثرياء ورجال الأعمال الذين يجد بعضهم نقدا موجها لهم؛ لأنهم لم يتبرعوا للحسابات التي أنشأتها الحكومة لمساعدة الدولة في هذه الأزمة.

المقلق بعد 30 عاما على إنهاء الأحكام العرفية أن هناك من يرى الديمقراطية لا تُسعف الدولة للنهوض بمواجهة الكارثة

محافظ البنك المركزي زياد فريز قال "من المُبكر التكهن بحجم التأثير السلبي على اقتصاد الأردن بسبب إجراءات العزل"، ولا يمكن التكهن أيضا بتأثير القرارات التي اتخذها البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة، وضخ سيولة نقدية تُقارب 700 مليون دولار، وتوجيه البنوك بمنح قروض بمجموع كلي يُقدر بنصف مليار دينار أردني، وبفائدة لا تزيد عن 2 بالمئة لمساعدة الشركات المتضررة.

قد تكون الحكومة الأردنية بإجراءاتها الصحية المتشددة نجحت إلى حد ما في منع تفشي وباء كورونا، لكنها لن تستطيع أن تضع حدا للصعوبات والمخاطر الاقتصادية التي تُخيم على المستقبل.

في استطلاع لمركز الدراسات الاستراتيجية يتوقع 67 بالمئة من الموظفين الاستغناء عنهم، و44 بالمئة من موظفي القطاع الخاص لم يستلموا رواتبهم لشهر مارس الماضي، و36 بالمئة استدانوا من أصدقائهم وأقربائهم للإنفاق على أمورهم المعيشية، و80 بالمئة من الشركات تأثرت بشكل سلبي بالإغلاق، و86 بالمئة من عُمّال المياومة والفئات الفقيرة تأثرت بإجراءات الحكومة، وخاصة حظر التجول، و74 بالمئة يعتبرونها تؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد.

"خلية الأزمة" في الحكومة تدرس سيناريوهات كثيرة للتعامل مع التحديات، وكل يوم مُطالبة بإجابة الشارع على أسئلة تشغله، ولا تعرف قطعا حلولا لها. ففي الأيام الماضية حفل السوشيل ميديا بمطالبات بإعادة أردنيين علقوا خارج الوطن، وتحديدا الطلبة، أو ممن كانوا خارج البلاد حين أوقفت حركة الطيران، ويحتدم الجدل بين مؤيد ومعارض، وتكتفي الحكومة على لسان وزيري الخارجية والإعلام بالإجابة بأنها تدرس هذا الأمر المهم بجدية.

سيتذكر الأردنيون هذه الحقبة من حياتهم، سيتذكرون كيف شغلهم رغيف الخبز، وأوجعهم الابتعاد عن أحبتهم، والعزلة في بيوتهم، ولهفتهم وحيرتهم في العثور على إجابات مطمئنة وحاسمة أن الحياة ستعود إلى عهدها!

Turkish President Recep Tayyip Erdogan speaks during a press conference held after the coordination meeting to fight against…

في أغسطس 2019، أسس ميكاييل يوكسيل، وهو سياسي سويدي من أصول تركية، حزبا جديدا في السويد يدعى "نيانس" (Nyans). أنشأ يوكسيل، العضو السابق في حزب الوسط السويدي الليبرالي الصغير ذي الميول اليسارية، الحزب الجديد بعد إرغامه على الاستقالة على أعتاب انتخاب الممثلين السويديين في البرلمان الأوروبي، وفيها كان يوكسيل مرشحا بارزا. 

وقد أُقصي يوكسيل على خلفية روابطه المزعومة بتنظيم "الذئاب الرمادية" التركي، وهو ذراع الشباب المسلح في حزب الحركة القومية التركي المتطرف الذي كان والده عضوا فيه وشريكا في ائتلاف حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب إردوغان. أسس يوكسيل حزب "نيانس" ليركز بشكل خاص على المسائل التي يعتبر مؤسسوه بأنها تؤثر في مسلمي السويد.

يمثل حزب "نيانس" ومؤسسه دراسة حالة مثيرة للاهتمام بما أن الحزب يشكل نقطة مرجعية جديدة ضمن نزعة مثيرة للقلق في السياسات الأوروبية: يبدي إردوغان والقيادة السياسية التركية اهتماما بالغا في عدد من الأحزاب الأوروبية الصغيرة المنسجمة مع رؤية إردوغان السياسية قيد التنفيذ في تركيا. وفي أوروبا، يحصل ذلك في إطار "استثمار" تركيا الكبير في المحافظة على الروابط السياسية مع الجالية التركية الكبرى في أوروبا، لا بل السيطرة عليها.

تضطلع حكومة إردوغان بدور كبير في بناء جسور اقتصادية واجتماعية ودينية مع الأحزاب الأوروبية التي تعتبرها متوائمة سياسيا مع مصالحها. هذا وقد لخص إردوغان بصراحة سياسته على القناة الألبانية (Albania TV) في يونيو 2017، مؤكدا أنه ما من عيب على الإطلاق في دعم الأحزاب السياسية في دول البلقان والدول الأوروبية الأخرى التي تتشارك عقيدة مماثلة مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يترأسه، وأن "هذه الجهود يجب ألا تثير امتعاض أي طرف".

يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين

إلى جانب الروابط مع إسلاميين معروفين أصلا في السويد، على غرار وزير الإسكان محمد كابلان والناشط يسري خان (اللذين كانا سابقا في "حزب الخضر")، ترتبط منصة "نيانس" أيضا بأحزاب إسلامية أوروبية أخرى يعتبر إردوغان أنها تخدم مصالحه. 

تعمل المنصة جاهدة على جعل المسلمين أقلية متجانسة رسمية بناء على تعريف محدد للإسلام؛ ومنح المسلمين (وفقا لهذا التعريف المحدد) منزلة مميّزة ومحمية يتمتّع بها حاليا اليهود والسكان السويديون الأصليون، لا الأقليات الأخرى؛ واعتبار الانتقادات الموجهة ضد الإسلام جريمة كراهية؛ واعتبار رهاب الإسلام جريمة محددة. 

لا يُعدّ "نيانس" المثال الأول في السويد عن حزب يركز خصيصا على هذه المسائل، بما أن حزب "ياسين" (Jasin)  سبقه في عام 2017، وقد أعلن بصراحة عن نيته اتباع الشريعة، إلا أن الأخير لم يحصد العدد اللازم من التواقيع للمشاركة في الانتخابات الوطنية اللاحقة في السويد. ولكن لا ينبغي الافتراض أن هذه الأحزاب تمثل بالضرورة المسلمين كهيئة موحدة متجانسة، إذ أن أغلبية واسعة من المسلمين في السويد لا تنتمي لأي منظمة مسلمة.

شهدت السويد أيضا جهودا سياسية من قبل الإسلاميين في خلال اتفاق عام 1999 بين حركة "الإيمان والتضامن" ("Tro & Solidaritet") الديمقراطية الاشتراكية و"المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd")، الذي اعتبر مراقبون أنه تابع لجماعة "الإخوان المسلمين" الإسلامية. 

وبموجب هذا الاتفاق، حصل "المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd") على عدد من المراكز الآمنة على قوائم الأحزاب مقابل دعمه للديمقراطيين الاشتراكيين. اعتُبرت هذه التجربة ناجحة للغاية من منظور "الإخوان المسلمين"، ومذاك، تزايد عدد الحركات والجماعات التابعة لـ "الإخوان المسلمين"، وحصلت على تمويل من الخزانة العامة، وفرضت نفسها على أنها أبرز هيئة ممثلة للمسلمين في السويد.

ولكن في البيئة السياسية الراهنة في السويد، يتمتع "نيانس" بحظوظ أكبر بكثير من حزب "ياسين" من ناحية تحقيق تمثيل سياسي، وسيبدأ بالترشح إلى الانتخابات البرلمانية والانتخابات المحلية في ستوكهولم وغوتنبرغ ومالمو المزمع عقدها كلها في عام 2022. وترتكز ميزات "نيانس" على قوة المنظمات المحلية في هذه المدن السويدية الرئيسية الثلاث، كما في مدن أصغر مثل أوربرو وفاكسيو، حيث يعتزم أيضا المشاركة.

روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها

بالإضافة إلى ذلك، شكّل رد يوكسيل على إقصائه من حزب الوسط خير دليل على روابطه المستمرة بأنقرة. فبعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان. 

ففي مقابلة مع وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء، زعم أن حزب الوسط حاول إرغامه على التحدث ضد تركيا. وعندما رفض، واجه مشاكل ضمن الحزب أدت إلى استبعاده. وزعم أيضا أنه طُلب منه التحدث ضد الرئيس التركي إردوغان مباشرة، الأمر الذي رفضه مجددا. وبحسب المقابلة، واجه يوكسيل لهذه الأسباب حملة سلبية في السويد.

ومن المثير للاهتمام أن هذه المزاعم لاقت دعما في الإعلام التركي وليس السويدي، فلو انتشرت هذه المزاعم على نطاق واسع في السويد، لكان من السهل تجاهلها. ولكن بالنسبة إلى جمهور تركي، اعتُبرت هذه المزاعم، لا سيما في غياب أي سياق إضافي، قابلة أكثر للتصديق. ويمكن أيضا الافتراض بسهولة أن منصة "نيانس" لن تشارك قط في انتقاد تركيا في عهد إردوغان.

تشبه قصة يوكسيل قصص أفراد آخرين مؤيدين علنا للإسلاميين بصورة عامة وناشطين في سياسات الأحزاب السويدية خارج حزب الوسط. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك عمر مصطفى الذي كان على وشك أن يُنتخب في المجلس الحاكم للديمقراطيين الاشتراكيين في عام 2013. 

أشارت احتجاجات داخل الحزب وخارجه إلى روابطه المتعددة بالإسلاميين، بمن فيهم دعاة إسلاميين مناهضين للسامية ومعادين للمثليين، فاستقال من الحزب. ومن الأمثلة الأخرى وزير الإسكان السويدي السابق المذكور آنفا محمد كابلان، الذي توجب عليه أيضا الاستقالة عندما أُفيد عن ارتباطه بتنظيم "الذئاب الرمادية"، إذ حضر عشاءً مع أعضاء التنظيم في السويد. 

برزت أمثلة أخرى من مقاطعات الأحزاب المحلية من وقت إلى آخر، وأشارت "اللجنة السويدية الوطنية لمناهضة معاداة السامية" بصورة خاصة إلى أنه غالبا ما يجري التغاضي عن معاداة السامية المنبثقة عن السياسيين والناشطين التابعين للأحزاب السياسية من قبل قيادات الأحزاب في السويد.

في دول أوروبية أخرى، واجهت أحزاب مثل حزب دينك في هولندا انتقادات من العديد من السياسيين الهولنديين البارزين لعلاقاتهم الوثيقة مع تركيا، حيث رفض قادة "دينك" فرصا متعددة لانتقاد سجل إردوغان السيئ في مجال حقوق الإنسان، خاصة منذ محاولة الانقلاب التي حصلت في عام 2016.

لكن روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها، ولاقى ترشحه لحزب الوسط (للانتخابات الأوروبية) تغطية واسعة من وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء. 

بعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان

على وجه التحديد، أقام حملته في بلدة كولو، الواقعة في محافظة قونية التركية، التي هاجر الآلاف من سكانها مذاك إلى السويد، كما هو معروف. وتجدر الإشارة إلى أن والد يوكسيل، أورهان يوكسيل، هو رئيس البلدية السابق لكولو (1999 ـ 2004) وشخصية بارزة في حزب الحركة القومية التركي المتطرف. وبالرغم من أن أورهان ترشح أيضا للانتخابات البلدية اللاحقة في عاميْ 2009 و2014، إلا أنه خسر في المرتين.

رد أورهان على التحديات التي واجهها ابنه في السياسة السويدية من خلال إلقاء اللوم على المعارضة التركية، ما يسلط الضوء أكثر على الروابط القائمة بين السياسة التركية والجالية التركية. فقد وجّه أورهان اللوم إلى حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، وهو حزب الشعب الجمهوري (CHP) وحملات حزب العمال الكردستاني (PKK) المحظور الذي صنّفته تركيا كمنظمة إرهابية، حيث اتهمه بالمسؤولية عن الجدل الدائر في السويد حول ابنه.

قد يحظى يوكسيل أيضا بالمزيد من الدعم الانتخابي في المستقبل مع تعزيز تركيا انخراطها غير المباشر في السياسة السويدية. ويظهر هذا الانخراط بوضوح: في خلال الانتخابات السويدية، يجري تشجيع الأتراك الذين يحملون جوازات سفر سويدية على التصويت في تركيا. 

يجري ذلك تحت إشراف الاستخبارات التركية، وقد توجه سياسيون مثل يوكسيل وكابلان إلى تلك المنطقة لإقامة حملات فيها أيضا. وقد تتلقى الأحزاب التي تُعتبر داعمة للمصالح والحكومة التركية مساعدة بأشكال متعددة. بحسب رئيس التحرير السابق لصحيفة "Today’s Zaman" في أنقرة التي أوقفت اليوم عن العمل، عبد الله بوزكورت، الذي يعيش في المنفى في السويد منذ عام 2016، يُعدّ التصويت المدعوم من قبل الدولة التركية أمرا شائعا أيضا في مختلف أنحاء أوروبا.

تعكس هذه الجهود التوترات السابقة التي أحاطت بالانتخابات البلغارية في عام 2017، إذ برزت تقارير عن الضغط الذي مارسه وزير تركي لصالح حزب "دوست" (DOST)  البلغاري بين المواطنين البلغاريين المقيمين في اسطنبول. فضلا عن ذلك، حرصت تركيا على توطيد علاقاتها السياسية مع أصحاب الجنسية المزدوجة من خلال السماح لأي مواطنين أتراك مقيمين في الخارج بالتصويت في الانتخابات التركية منذ عام 2014، وهذه ممارسة تشجعها بشكل ناشط لدى الجالية التركية في أوروبا، التي تُعتبر في أغلب الأحيان مؤيدة لحزب العدالة والتنمية. 

في الواقع، أتت هذه السياسة بثمارها في خلال الانتخابات التركية الأخيرة في عام 2018 إذ أن حوالي نصف المواطنين الأتراك المقيمين في السويد الذين يحق لهم التصويت والذين صوتوا في الانتخابات التركية، اقترعوا لصالح حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

أدى دعم إردوغان للأحزاب الأوروبية تماشيا مع مصالحه إلى تعزيز نزعة أخرى في السياسات الأوروبية ألا وهي بروز الأحزاب الإسلامية الداعمة لإدراج تقاليد القانون الإسلامي ضمن قانون الدولة العلماني. 

وقد اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة. 

ويبرز هذا التأثير بشكل خاص في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي أسسته جماعة "الإخوان المسلمين"، والذي يشرف على عشرات المنظمات في أوروبا. كما أثارت أحزاب صغيرة، مثل "حزب الإسلام" البلجيكي المؤيد للشريعة، مخاوف بشأن الطرق التي تولي من خلالها الأحزاب الإسلامية الأولوية للشريعة الدينية ضمن منصتها السياسية.

تبرز هذه النزعة على الرغم من أن الأحزاب السياسية الأوروبية المعاصرة، ولا سيّما في اسكندينافيا، غالبا ما تبني عملها على خصائص أساسية للأفكار والعقائد، على الرغم من أمثلة معينة مثل الأحزاب المصطفة مع حركة "الديمقراطية المسيحية" أو الانقسام اللغوي ـ السياسي في بلجيكا. ولكن جماعة "الإخوان المسلمين"، بصفتها أحد الأصوات الأكثر تنظيما في العالم الأوروبي المسلم، نجحت في تقديم نفسها كممثلة حصرية للمجتمعات المسلمة في أوروبا عبر الطيف الأيديولوجي الأوروبي، وقد ساهم التركيز السياسي مؤخرا على سياسة الهوية والتقاطع في هذا النجاح. ويشكل "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (FIOE) خير مثال على هذا التقاطع.

اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة

سرعان ما لاحظت تركيا في عهد إردوغان، الذي غيّر الطابع السياسي العلماني بشكل ملحوظ في تركيا ليصبح أقرب إلى الإسلام في خلال فترة حكمه، المنافع السياسية لقوة الإقناع والنفوذ لدى السياسيين الإسلاميين في أوروبا. 

تبدو الأحزاب السياسية مثل "نيانس" عازمة على حصد ثمار هذه العمليات والانضمام للمجالس التشريعية على الصعيد المحلي وربما الوطني أيضا. ومن الممكن جدا أن تستحصل "نيانس"، في غضون بضع سنوات، على أصوات من الديمقراطيين الاشتراكيين والخضر وحزب اليسار، وينضم إلى البرلمان أو، على الأقل، المجالس المحلية. ومن المرجح أن يعتبر إردوغان هذه النقلة في السياسة السويدية مكسبا لسياسته تجاه أوروبا.

على هذا النحو، يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين. 

لا يعني ذلك أن الأحزاب لا تعمل على قضايا شرعية أو ليس لديها أسئلة فعلية تستوجب المعالجة. فإلى جانب القضايا الفعلية المتمثلة بالتمييز (الفعلي أو الوهمي) وقضايا الفصل والعزل وافتقار السلطات لسياسات الدمج، سهلت السياسة الرسمية التي تعود لما يقارب 40 عاما والقائمة على تشجيع التعددية الثقافية وتبدية الجماعة على الفرد، وبذلك مناقضة أفكار الدمج والاستيعاب المعروضة أيضا، مهمة الأحزاب على غرار "نيانس" الذي يطالب بجعل الانتماء الديني للفرد، في هذه الحالة، العامل الحاسم في السياسة. بالتالي، يمكن لحزب "نيانس" أن يظهر على أنه "الورقة الرابحة" ويستقطب الناخبين الذين كانوا ليختاروا حزبا تقليديا آخرا في حالات أخرى.

ويعني هذا التطور أنه ينبغي على الهيئات الأوروبية الناظمة للسياسات أن تدرس بشكل معمق ومطول كيف يجب أن تتعامل بناها الديمقراطية مع سوء استخدام السلطة والمحاولات العدائية، خصوصا من قبل القوى الخارجية، لفرض تصنيف إسلامي غير مرغوب به على سكانها المسلمين.

المصدر: منتدى فكرة