Jordanian soldiers keep watch on March 18, 2020 in the capital Amman as Jordan takes measures to fight the spread of the…
إعلان الأحكام العرفية سندا للمادة 125 من الدستور لم يعد حديثا عابرا؛ بل أصبحت مثار جدل ونقاش في الأوساط السياسية

تُدوي صفارات الإنذار في سماء المملكة الأردنية الهاشمية في تمام الساعة السادسة من مساء كل يوم، أخرج إلى شرفة منزلي بصحبة حفيدتي التي تستمع بدهشة لصوت مجنون لا تفهمه، وأرى أشخاصا يهرعون مُسرعين إلى منازلهم قبل أن تتوقف الصافرة، ويخرج صوت عسكري خشن من مكبرات الصوت يُذّكر بسريان حظر التجول سندا لأوامر الدفاع.

هذه هي عمان اليوم، سأكتب لحفيدتي في دفتر "يوميات طفولتها" عن عالم لم نشهده من قبل، عن قلق وخوف وحزن عشنا تفاصيله حين كانت طفلة صغيرة لم تُكمل سوى عام وأشهر قليلة من عمرها، وحين تكبر قليلا سأحدثها عن "جائحة كورونا" التي أبعدت أبيها عنا في ظروف صعبة بعد أن أُغلقت الحدود، وتوقفت حركة الطيران، وعن أمها وزوجتي وابنتي ـ جدتها وعمتها ـ اللواتي بقين حبيسات جدران المنزل لا يخرجن إلا نادرا؛ بسبب تعليمات حظر التجول والرعب الذي أصاب الناس من احتمالات انتشار الوباء.

ربما كنت محظوظا بسبب عملي الصحفي أنني كنت قادرا على التحرك رغم حظر التجول لأعيش تفاصيل حياة الناس اليومية، فألمس ما لم أعهده في عمّان خلال العقود الماضية؛ السيارات جاثمة على أرضها، والناس تمشي على أقدامها لتأمين احتياجاتها، والقاسم المُشترك القلق المرسوم على الوجوه، وأسئلة المستقبل المُعلقة التي لا تجد إجابات عند أحد.

هنا كما في كل مكان في أرجاء المعمورة، يسأل الناس بلهفة المُنتظر، متى سنعود لحياتنا الطبيعية؟ متى سنعود إلى عملنا؟ متى سيفتح المقهى أبوابه؟ متى سيعود الضجيج الجميل، متى سنخلع القفازات من أيدينا، ونُزيل الكمامات عن أفواهنا، فقد اشتقنا أن نستنشق هواء ملوثا بعوادم السيارات بعيدا عن "المُعقمات"؟

الضغوط لا تتوقف عن الحكومة مُطالبة بإعادة الأعمال حتى لا يحدث انهيار اقتصادي

كل يوم ينتظر الأردنيون بفارغ الصبر الإيجاز الصحفي لوزيري الدولة لشؤون الإعلام والصحة عن عدد الإصابات بفيروس كورونا، وكلما تناقصت الأعداد تنفسوا الصُعداء مُستبشرين بالفرج وباقتراب خروجهم من العُزلة.

هل سيخرج الأردن من الأزمة قريبا؟ وهل يكفي أن يتوقف عن تسجيل إصابات بالفيروس؛ ليُعلن عن تعافيه، والعودة إلى ما كنا عليه، إذا ما كانت الجائحة لا تزال تضرب العالم؟ أسئلة لا تعرف الحكومة الأردنية، ولا حكومات العالم إجابات قاطعة عليها.

في الأردن تُصارع الحكومة لابتكار معادلة تصون الأمن الصحي وتمنع انتشار الوباء، وبالوقت ذاته إعادة الحياة تدريجيا إلى مسارها، وكلما تقدمت خطوات إلى الأمام عرقلتها ظهور إصابات وبؤر جديدة للعدوى.

في منتصف شهر أبريل الجاري ستنتهي العطلة التي جددتها الحكومة للمرة الثانية للعمل في القطاعين العام والخاص، والضغوط لا تتوقف مُطالبة بإعادة الأعمال حتى لا يحدث انهيار اقتصادي، فتواجه البلاد كارثة وتداعيات سياسية واجتماعية.

حكومة الدكتور عمر الرزاز التي تلقت التقدير والإشادة منذ بدء الأزمة التي شارفت على الشهر بدأت تتعرض للانتقاد، و"شهر العسل" الذي عاشته بالتفاف الناس حولها أوشك على الأفول، والضرب تحت الحزام بدأ يظهر أكثر وأكثر، والمبالغة في تسليط الضوء على ما سُمي فضيحة "التصاريح المزورة" صدّعت بيت الحكومة وتسببت باستقالة وزير الزراعة، واقتربت من سُمعة وصدقية وزراء آخرين، وزاد "الهرج والمرج" عقب توقيف نائبين في البرلمان على خلفية خرقهما لقرار حظر التجول، وما صاحب هذا الإجراء من نقاش قانوني حول صوابية هذا القرار.

كل يوم يمضي قبل أن تجد الحكومة حلا يُنهي حظر التجول تتصاعد وتتزايد فيه التحديات، والضغوط، وتُصبح الحكومة هدفا سهلا، وتحت المطرقة، وتكثر الهواجس والمخاوف، وتتسلل معها دعوات إلى إعلان الأحكام العرفية، وتعليق عمل الدستور.

إعلان الأحكام العرفية سندا للمادة 125 من الدستور لم يعد حديثا عابرا لرئيس الديوان الملكي الأسبق جواد العناني، ووزير الداخلية الأسبق حسين المجالي؛ بل أصبحت مثار جدل ونقاش في الأوساط السياسية، رغم أن الملك بموافقته على إعلان قانون الدفاع ذكّر رئيس الحكومة بضرورة ألا يمس بالحقوق السياسية والمدنية، والحريات العامة للمواطنين.

ليس مهما المبررات التي تُساق للدعوة لإعلان الأحكام العرفية سواء لردع المُستهترين والمُتنمرين على القانون، الذين لا يلتزمون بحظر التجول، ويهددون السلامة والصحة العامة، أو لمجابهة المخاطر الاقتصادية المُحدقة بعد هزيمة فيروس كورونا، المهم والمُقلق بعد أكثر من 30 عاما على إنهاء الأحكام العرفية أن هناك من يرى أن الديمقراطية لا تُسعف الدولة للنهوض ومواجهة الكارثة، والخيار الوحيد تعطيل الدستور والقوانين، وإعطاء سُلطة مُطلقة لاتخاذ القرارات والإجراءات والتدابير بمعزل عن حكم الشعب وإرادته.

لم أسمع في إيطاليا وإسبانيا الدولتين الأكثر تضررا من جائحة كورونا، وكذا الأمر في أميركا من يُطالب بتعطيل الدستور لإنقاذ البلاد، ولا اعتقد أن هذا يمكن أن يحدث، أو يروج له إلا في عالمنا العربي؛ فالديمقراطية ليست "تعويذة" يمكن استبدالها إن لزم الأمر.

في التفاصيل، الوزير السابق العناني وصف الوضع في الأردن "بأنه خطير، ويحتاج إلى أحكام عرفية لمدة سنتين للخروج من أزمته الاقتصادية، واتخاذ إجراءات جريئة في الشأن الاقتصادي تضمن قيام كل جهة بمسؤولياتها، ويجب أن تعلو مصلحة الوطن على مصلحة الأفراد بتكاتف الجميع للخروج من النفق المظلم".

كلام العناني عن مخاطر العجز المالي الكبير للموازنة، والحاجة إلى خطط وإجراءات سريعة لا تعطلها قوانين، ونقاشات، وضغوط في البرلمان والشارع بالتأكيد تجد لها مؤيدين ومناصرين، فالاعتقاد السائد أن ما بعد الأزمة الصحية هو الأخطر، فالسياحة التي شهدت نموا في العام الماضي ستتدمر، والبطالة ستزيد بشكل ملحوظ بعد تسريح الكثير من المؤسسات والمصانع في القطاع الخاص لموظفيها، وشركات كثيرة ستتعثر وتُفلس، وستتعاظم مشكلة الدولة في تأمين الرواتب، والقدرة على حماية الفئات المُهمشة والفقيرة، وستتراجع قيمة تحويلات المغتربين، هذا إن لم يعد عدد كبير منهم للبلاد.

في خِضم هذه الأزمة المُستفحلة، والمخاوف السائدة تقرأ في السوشيل ميديا من يدعو لتأميم الشركات والبنوك، ووضع يد الدولة على حسابات الأثرياء ورجال الأعمال الذين يجد بعضهم نقدا موجها لهم؛ لأنهم لم يتبرعوا للحسابات التي أنشأتها الحكومة لمساعدة الدولة في هذه الأزمة.

المقلق بعد 30 عاما على إنهاء الأحكام العرفية أن هناك من يرى الديمقراطية لا تُسعف الدولة للنهوض بمواجهة الكارثة

محافظ البنك المركزي زياد فريز قال "من المُبكر التكهن بحجم التأثير السلبي على اقتصاد الأردن بسبب إجراءات العزل"، ولا يمكن التكهن أيضا بتأثير القرارات التي اتخذها البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة، وضخ سيولة نقدية تُقارب 700 مليون دولار، وتوجيه البنوك بمنح قروض بمجموع كلي يُقدر بنصف مليار دينار أردني، وبفائدة لا تزيد عن 2 بالمئة لمساعدة الشركات المتضررة.

قد تكون الحكومة الأردنية بإجراءاتها الصحية المتشددة نجحت إلى حد ما في منع تفشي وباء كورونا، لكنها لن تستطيع أن تضع حدا للصعوبات والمخاطر الاقتصادية التي تُخيم على المستقبل.

في استطلاع لمركز الدراسات الاستراتيجية يتوقع 67 بالمئة من الموظفين الاستغناء عنهم، و44 بالمئة من موظفي القطاع الخاص لم يستلموا رواتبهم لشهر مارس الماضي، و36 بالمئة استدانوا من أصدقائهم وأقربائهم للإنفاق على أمورهم المعيشية، و80 بالمئة من الشركات تأثرت بشكل سلبي بالإغلاق، و86 بالمئة من عُمّال المياومة والفئات الفقيرة تأثرت بإجراءات الحكومة، وخاصة حظر التجول، و74 بالمئة يعتبرونها تؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد.

"خلية الأزمة" في الحكومة تدرس سيناريوهات كثيرة للتعامل مع التحديات، وكل يوم مُطالبة بإجابة الشارع على أسئلة تشغله، ولا تعرف قطعا حلولا لها. ففي الأيام الماضية حفل السوشيل ميديا بمطالبات بإعادة أردنيين علقوا خارج الوطن، وتحديدا الطلبة، أو ممن كانوا خارج البلاد حين أوقفت حركة الطيران، ويحتدم الجدل بين مؤيد ومعارض، وتكتفي الحكومة على لسان وزيري الخارجية والإعلام بالإجابة بأنها تدرس هذا الأمر المهم بجدية.

سيتذكر الأردنيون هذه الحقبة من حياتهم، سيتذكرون كيف شغلهم رغيف الخبز، وأوجعهم الابتعاد عن أحبتهم، والعزلة في بيوتهم، ولهفتهم وحيرتهم في العثور على إجابات مطمئنة وحاسمة أن الحياة ستعود إلى عهدها!

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.