(FILES) A file photo taken on July 23, 2018 shows workers cultivating plants at a cannabis plantation in the village of…

قرار البرلمان اللبناني بتشريع نبتة الحشيش أو كما يعرف بين مزارعي البقاع بـ "الذهب الأخضر"، لأغراض طبية وصناعية قد يفتح فرصا ضخمة أمام الاقتصاد اللبناني إنما قد يوصل في حال ضعف آلية تطبيقه لكابوس وصراع مافيات وشركات في الطريق لذلك.

أن يصبح لبنان أول دولة عربية تشرّع زراعة نبتة القنب الهندي أي الحشيش فهو أمر لا يثير الاستغراب بالنظر إلى تاريخ لبنان وزراعة هذه النبتة في وادي البقاع حتى قبل الحرب الأهلية. وكما الحرب على الحشيش في دول مثل المكسيك أو حتى الولايات المتحدة، اكتشفت الدولة في لبنان بعد مواجهات التسعينيات وإتلاف حقول المزارعين أن هذه الوسيلة لم تنفع خصوصا أن عدد الحقول تزايد في لبنان منذ 2011 ومع بداية الحرب السورية والتحول لأولوية ضمان أمن الحدود. هذا ما جعل لبنان في صدارة الدول المنتجة بين البلدان العربية ومنطقة غرب آسيا.

منطق الإتلاف لا يجدي في دول لا توفر بدائل اقتصادية أو تعويضات للمزارعين. أما التظاهر بطهارة الدولة اللبنانية وهي تدعي منع الحشيش فيما تغض النظر عن المافيات وشبكات التهريب التي تصدر إلى سوريا وتركيا وإسرائيل ودول أوروبية فهو ضرب من النفاق، وأسوأ بكثير من تشريعه.

فرص تشريع "الذهب الأخضر" في لبنان ولو فقط للمجال الطبي تتخطى السياق الاقتصادي

بعد دراسة ماكينزي في 2018 وتقديرها بأن لبنان قد يجني مليار دولار سنويا من تشريع زراعة الحشيش عموما، وفي ظل وقوف الدولة اليوم على شفير الإفلاس، كان من المنطقي أن يمرر مجلس النواب القانون. فالنفط الذي وعد به الحكام منذ 2008 لم يُستخرج بعد، وإذا اكتشف أو استخرج الآن فالأزمة النفطية العالمية تجعله منتجا أقل قيمة من الحشيش في لبنان.

فرص تشريع "الذهب الأخضر" في لبنان ولو فقط للمجال الطبي تتخطى السياق الاقتصادي وتطال الوظائف والحقل العلمي ومكافحة الجريمة وكبح ولو بشكل محدود دور المافيات ببيع وتهريب الحشيش.

فلنأخذ ولاية كولورادو الأميركية مثلا التي شرعت زراعة واستهلاك الحشيش بنسب محدودة في 2012. اليوم الولاية لديها أقل أرقام البطالة في الولايات المتحدة وهي شلت عمل العصابات المهربة له. أما المكسيك مثلا وفي مرحلة الثمانينيات فجاءت حربه على الحشيش بنتائج عكسية ودخول الدولة في حرب عصابات أوصلت إلى مشاكل تهريب وجرائم أسوأ من الحشيش (كوكايين) وحتى إقرار المحكمة العليا في 2018 بالسماح به طبيا.

هشاشة الدولة وتراخي سلطتها في لبنان تضع علامات استفهام حول أي قانون سواء زراعة الحشيش أو ضبط السير. من هنا فالعبرة ستكون بالخطة التطبيقية لهذا القانون والتي تستوجب أولا وقبل أي شيء اتفاق مع المزارعين حول الكمية والسعر والضريبة والشركات التي ستتولى التصنيع والتصدير. الفشل في الوصول إلى هكذا اتفاق سيزيد من عدد المافيات وتحدي العشائر للدولة.

هشاشة الدولة وتراخي سلطتها في لبنان تضع علامات استفهام حول أي قانون سواء زراعة الحشيش أو ضبط السير

كما أنه من المستبعد أن تذهب الدولة اللبنانية في مواجهة مع مزارعي أو مهربي الحشيش غير الطبي، فهي عاجزة ولا تملك الأدوات الأمنية والاقتصادية لذلك. هذا يعني أن خطوة تشريع الحشيش الطبي هي بداية لقانون أوسع يشمل هذه الزراعة إنما قد لا يكون قريبا، وكونه سيمس بكبار المهربين والأحزاب الداعمة لهم والتي تحصد المليارات من الدولارات سنويا من هذه الأنشطة.

القانون الحالي وكونه لدواع طبية سيحتاج أيضا لدور فاعل من وزارة الصحة وشركات التأمين لتطبيقه وبحيث يتمكن المريض من الحصول على ورقة طبية بشرائه. وهو سيفسح المجال أمام مختبرات في الجامعة اللبنانية ـ الأميركية وغيرها بدراسة مفعول نبتة القنب على أمراض عصبية وسرطانية. أما اقتصاديا فالنتائج قد تكون محصورة بمنطقة البقاع نظرا لنسب المحاصصة والفساد في السلطة اللبنانية.

مع ذلك، فإن الاختباء خلف الإصبع والادعاء بأن لبنان هو رسميا ضد زراعة الحشيش فقد مصداقيته منذ عقود، والقانون الجديد يوفر فرصة لتصحيح بعض الخلل في التعاطي مع نبتة الحشيش من دون أن تكون هناك قدرات كافية اليوم لإنهاء طوق المافيات حول هذه الزراعة.

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.