Turkey's President Recep Tayyip Erdogan, talks during an event in Ankara, Turkey, Tuesday, Oct. 6, 2020. The European Union…
الاقتصاد التركي يترنح بين وباء كورونا وانخراط تركيا في أزمات المنطقة، ولا مؤشرات لتعافيه قريبا

من الصومال إلى القوقاز مرورا بليبيا وقبرص وسوريا والعراق وقطر، تتخذ سياسة تركيا الخارجية منحى عسكريا وتوسعيا متزايدا مستفيدة من تراجع القوة العظمى الأميركية وتلكؤ الأوروبيين والبناء على تحالفات مع مرتزقة ومجموعات جهادية.

من أحمد داوود أوغلو، منظر السياسة الخارجية التركية الذي تولى وزارة الخارجية في العام 2009، إلى مولود جاويش أوغلو، وزير الخارجية الحالي، هناك نقلة دراماتيكية للسياسة الخارجية التركية. فبدل سياسة "صفر مشاكل" مع دول الجوار التي كان عرابها داوود أوغلو هناك اليوم سياسة "الكل مشاكل" في خوض أنقرة معارك ونزاعات لبسط قوتها التوسعية إقليميا.

صحيفة "واشنطن بوست" نقلت هذا الأسبوع أن 52 مرتزقا سوريا عادوا جثثا هامدة إلى أهلهم بعد القتال نيابة عن تركيا في ناغورنو قره باغ في النزاع بين أذربيجان وأرمينيا. ما الذي حوّل الكثير من شباب حلب ودير الزور وحمص وحماه ودمشق وغيرها من المدن السورية إلى مرتزقة بيد تركيا ورئيسها رجب طيب إردوغان؟ 

وحّد إردوغان خصومه من اليونان إلى أرمينيا إلى مصر وسوريا والخليج وروسيا حول استراتيجية لصد تركيا والتعاون بشكل أكبر في ملفات حقول الغاز

الأسباب عديدة، من أبرزها الحرب السورية والتفتت والتشتت السوري، وشعور أنقرة بوجود فرص يمكن انتهازها في السعي وراء مصالح نفطية وجغرافية وأخرى ذات طابع إسلامي. بعض هؤلاء المقاتلين ظنوا أنهم يحاربون إيران، والكثير منهم طامع بمبلغ شهري يعيل عائلته بعد سياسة القتل والتجويع من نظام بشار الأسد. لكن التحول في سياسة تركيا إلى استراتيجية عسكرية تم تدريجيا بعد الاختبار السوري.

فدخول تركيا، وبضوء أخضر أميركي من الرئيس دونالد ترامب، إلى الشمال السوري في 2019 كان منعطفا أفسح لإردوغان الدخول بعدها في ليبيا وتكثيف الضربات في العراق ومن ثم دخول القوقاز. تهديد واشنطن بعقوبات لامتلاك تركيا منظومة روسيا الدفاعية لصواريخ أس-400 لم يترجم بالكامل. هذا يعود لتردد إدارة ترامب واستمهال العقوبات وعدم المجازفة بمفاوضات التبادل التجاري وصفقة حجمها 100 مليار دولار يفاوضها وزير التجارة الأميركي ويلبر روس. أما الأوروبيين فالعقوبات التي لوحوا بها، لم تؤثر اليوم على إردوغان وهم لا يريدون فتح معركة حول اللاجئين والغاز مع أنقرة.

تركيا تنظر إلى خطواتها التوسعية وترى ردا أميركيا وأوروبيا ضعيفا بشكل يزيد من قناعتها بأنها قادرة على تجنيد مرتزقة سوريين والذهاب أبعد في سياستها التوسعية. لكن هذه الاستراتيجية، ولو أنها تبدو تحقق انتصارات في المدى القصير، فهي طائشة في المدى الأبعد.

تركيا بحاجة إلى مراجعة لسياستها الإقليمية فالمكاسب العسكرية لا تدوم من دون رؤية سياسية وتحالفات إقليمية

اليوم، وحّد إردوغان خصومه من اليونان إلى أرمينيا إلى مصر وسوريا والخليج وروسيا حول استراتيجية لصد تركيا والتعاون بشكل أكبر في ملفات حقول الغاز. المكاسب العسكرية التي حققتها أنقرة ليست بالصغيرة في سوريا وليبيا، إنما غير مضمونة ومكلفة من دون رص تحالفات تحصنها في المدى الأبعد. هذا التوسع أيضا بدأ يؤذي أنقرة داخليا، فالاقتصاد التركي يترنح بين وباء كورونا وانخراط تركيا في أزمات المنطقة، ولا مؤشرات لتعافيه قريبا.

هذا التوسع أيضا يطرح تساؤلات حول موقع تركيا في حلف الشمال الأطلسي (الناتو) وهي اليوم على خلاف مع الكثير من أعضائه. فالولايات المتحدة أوقفت بيع طائرة الأف-35 لأنقرة، فيما كندا علقت مبيعات تكنولوجيا الطائرات من دون طيار لاستخدامها في أرتساخ، أما ألمانيا وفرنسا فخلافتهما مفتوحة مع إردوغان حول ملف اللاجئين وفي ليبيا.

تركيا بحاجة إلى مراجعة لسياستها الإقليمية فالمكاسب العسكرية لا تدوم من دون رؤية سياسية وتحالفات إقليمية. أما الرهان على غض واشنطن النظر وتراجع الأوروبيين، فهذا قد يتبدل بعد الانتخابات الأميركية في 3 نوفمبر ومع تزايد الضغوط الاقتصادية على أنقرة.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.